إقرأ المزيد


رمضان كريم يا غزة

كتب/ نبيل سنونو:

جاءك رمضان يا غزة، يطرق أبوابك، تنتشر في أزقتك الحكايات، وأناشيد الشهر الكريم العتيقة: "رمضان جانا وفرحنا بيه بعد غيابه وبقاله زمان".

ذلك الوجه البريء لطفل يرقب فانوس رمضان بعينين زرقاوين، وتلك المرأة التي تحمل يداها ما في وسعهما من احتياجات أسرتها، والرجل الذي تشهد تجاعيد وجهه على جذوره في أرضه، يثبتون أن الفرح أبى إلا أن يدخل قلوبهم أجمعين.

ما أعظم هذا التحدي لمصاعب الحياة، والحصار، يا غزة!

1 سوق الزاوية

وسط غزة تتربع سوق الزاوية القديمة في المدينة، يتشارك الناس فيها ظروف حياتهم، إنك ترى امرأة تفترش الأرض ببضاعتها: جبنة منزلية، و"سطل" زيتون، وفلفل أحمر، وأكياس بيضاء شفافة مجهزة لمن يقرر اشتراء هذه الحاجيات من المارّة.

عفيفة هذه المرأة جدًّا، كزميلاتها في السوق اللاتي يفترشن الأرض ببضاعتهن، لا تكشف عن اسمها أبدًا، ولا تتحدث إلا في عملها، ليست هنا لتتسول، ولا لتطلب العون، بل لتكافح في كسب لقمة العيش بكرامة.

تتوشح بالحجاب، وترتدي الجلباب، ويُظهر وجهها خريطة كفاحها في هذه الحياة، لتأمين حياة أبنائها، وعائلتها.

إذا سألتها عن استعداداتها لرمضان، أو كيف تستقبل الشهر الكريم؛ فلن تقول لك سوى: "أنا هنا في مكان عملي أستعد بالسعي إلى الرزق".

"كم أنت عظيمة يا أماه!"، برقت هذه الكلمات في عين شاب أثارت كلماتها إعجابه، ومشاعره نحو أم فلسطينية لم تلده.

في هذه السوق قد لا تشتري إحداهن كل احتياجات عائلتها من الأطعمة، وقد لا تأتي لأسرتها بكل ما تريد، لكن كل فرد فيها يُقبِّل عَرَقَها، ويقول: "أحنّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي"، اللذين إذا ما حازهما الإنسانُ فكأنما حاز الدنيا.

تنعكس جليّة على الأرض تأدية مئات آلاف النساء في غزة أدوارًا اجتماعية مهمة، جنبًا إلى جنب أزواجهن، وإخوانهن، وآبائهن.

تلك المرأة التي تجتهد في ميدان عملها، مدرسة، أو مهندسة، أو طبيبة، أو مزارعة، أو صانعة، أو ربة منزل، لسان حال الجميع تجاهها: "شكرًا، وتعظيم سلام".

2 "طفل كبير"

تظهر صورة غزة في بؤبؤ عينيه الخضراوين، طفل قمحي الوجه كسنابل فلسطين الأصيلة، مدور كرغيف خبز.

لرضوان ارحيم الذي سينتقل العام المقبل إلى الصف السابع الإعدادي قصة يخطها قبيل حلول رمضان، يعبر عنها بقوله لصحيفة "فلسطين": "صباحًا نتوجه إلى أداء صلاة الفجر في الجامع، بعدها نكون في جلسات مع الكبار الذين يتدارسون القرآن في حلقات".

كان هذا الطفل يقعد على مصطبة بجوار فرش لبيع بضائع، يتابع عن خطواته قبيل رمضان: "سألتحق بدورة الأحكام المبتدئة، وإن شاء الله أستمر في هذا الطريق".

لا يكتفي ارحيم بذلك، بل إنه يتوجه إلى المنزل لأخذ قسط من الراحة، ثم يعود إلى المسجد مجددًا، ويبقى هناك ليتدارس بعض جوانب القرآن الكريم مع شيخ الجامع، وعنه يقول: "يعلمني الأحكام ويعطيني معلومات كثيرة تتعلق بها، لذلك أبقى معه ونقرأ القرآن في ساحة المسجد".

أخيرًا انتهى من امتحاناته في الصف السادس الابتدائي، وهو الآن يتهيأ لمرحلة تعليمية مقبلة.

آخر مرة اقتنى فيها فانوسًا كانت في الصف الثاني الابتدائي، وعند سؤاله: "لماذا لم تشتر بعدها؟" أجاب: "الآن أقول اللهم بلغنا رمضان".

يتحدث إرحيم بكلمات وازنة كأنما يبلغ من عمره 40 أو 50 عامًا، رغم حقيقة كونه طفلًا.

3 حنين

المستمع للمسن حمدان المملوك ربما يتمنى لو جرب رمضان في سنوات تبعد عن زماننا عقودًا.

في ثنايا تجاعيد وجهه 78 قصة وحكاية، هي عدد سنوات ما مضى من عمره حتى الآن، تعيش في ذاكرته عن رمضان.

لا يزال محبًّا للكفاح في هذه الدنيا، حيث يقضي وقتًا في بيع حاجيات للمارة، منها المسليات وغيرها، وسط مدينة غزة.

يتذكر المملوك عندما كانت الهواتف النقالة في غزة غير منتشرة، فضلًا عن أجهزة المذياع والتلفاز، يقول لصحيفة "فلسطين": "كنا نشاهد التلفاز في مقهى، نشرب فنجانًا من القهوة وعلبة كولا في مجموعات".

وحسبما يضيف لم يكن قبل عقود في غزة سوى "مذياع واحد ضخم، سماعته تشبه الخزانة، وبضغطة على الزر يسمعه الناس في مكان بعيد".

وإذا ما دار الحديث عن الطعام تراوده أطباق: (الفول المدمس، و"محشي" البطاطس، والعدس، والسلق)، أما الدجاج فكان مرتفع الثمن، ويربيه المزارعون المحليون، وكان كيلو جرام لحم العجل بـ"32 قرشًا"، وهو ثمن زهيد.

ويحنُّ إلى أيام كان يتوجه فيها إلى أي مطعم، ويتناول أوقية كباب مع لبن ورغيفين مقابل 10 قروش فقط، حسبما يتابع كلامه.

ولطالما حرص الغزيون على استباق حلول رمضان بالبهجة، وتعزيز المودة فيما بينهم، يعبر عن ذلك بقوله: "كانت عادات جميلة، قبل قدوم الشهر الكريم بشهر أو اثنين يفرح الناس ويبتهجون".

ومن مظاهر ذلك كما يذكر: تزيين الشوارع، ومبادرة بعض الناس إلى تهنئة بعضهم، ومدفع رمضان، ورفرفة علم فلسطين عندما يقول المؤذن: "الله أكبر".

وغلب على المجتمع التكافل في تبادل الطعام بين الجيران، يتمم المملوك: "كانت هناك بساطة، ولم يكن الغنى بالمال، بل بقناعة النفس".

4كفى

عزات شبير يتضح شبابه في أفعاله، لا يزال يصمم على نجاح مشروعه التجاري رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، نتيجة للحصار المشدد الذي يفرضه عليه كيان الاحتلال منذ 11 سنة.

في دردشة مع صحيفة "فلسطين" لم يخف مساعيه إلى جذب المشترين، إنه صاحب محل يسمى "كل شيء بـ2شيكل ونصف"، يتربع وسط مدينة غزة.

قبيل رمضان لجأ إلى بيع "كل شيء بشيكل واحد"، أملًا في استقطاب الزبائن، لكن ذلك لم يمنع أحدهم من ممازحته بقوله: "نريد البضاعة مجانًا وبتوصيل مجاني إلى باب الدار".

يبين شبير أن إجراءات السلطة الفلسطينية تجاه غزة منذ آذار (مارس) الماضي _ومنها الخصم من رواتب موظفيها في قطاع غزة دون الضفة الغربية_ انعكست سلبًا على تجارته، وهو يكافح لأجل الإبقاء على محله مستمرًّا، والقدرة على دفع متطلبات استئجار المكان، وأجرة العاملين لديه.

لكن يبدو أن لا شيء يوقف روح الدعابة لديه بقوله: "الناس فقط يأتون لطرح السلام، قاعدون هنا للسلامات (بدلًا من الشراء)".

ولم ينس أن يوجه رسالة إلى رئيس السلطة محمود عباس، قائلًا: "كفى، ارحم الموظفين والناس، ما تفعله حرام وظلم، ربنا لا يرضى بهذا الكلام، والحمد لله على كل شيء".

صحيح أنه يدرك تأثر أجواء رمضان بظروف الحصار، لكنه لا يزال متمسكًا بالأمل، وسيبقى كذلك.

مواضيع متعلقة: