​صفقة القرن.. معضلتنا الكبرى وحظنا من خطيئتها!

ساري عرابي
الجمعة ٠٦ ٠٧ / ٢٠١٨

عربي 21

المعضلة الكبرى التي فتكت بالقضية الفلسطينية، هي أن التناقض العربي مع الاحتلال لم يعد التناقض الرئيس. وهذا من وقت مبكر، لاعتبارات تعلقت بمنطق الدولة الوطنية العربية التي أخذت تسعى للتحرر من العبء الفلسطيني مبكرا، وانتهجت إمّا محاولة استخدام الفلسطينيين والهيمنة على قرارهم لاعتبارات داخلية في كلّ بلد، أو لاعتبارات صراعية بين أنظمة هذه الدول الناشئة، وما يتصل بذلك من طموحات لقادة تلك الأنظمة، أو انتهجت استخدام القضية الفلسطينية لفتح الأبواب مع النظام الدولي الذي تهيمن عليه قوى الاستعمار القديم، أو الجديد ممثلة في الولايات المتحدة. وهذا على أيّ حال يفسّر القيود الهائلة التي فُرضت على الفلسطينيين منذ النكبة، والصدامات التي فرضتها هذه الدول على الفلسطينيين بهدف منع هذا الشعب من المقاومة انطلاقا من أراضيها.

بمرور الوقت، لم يعد التناقض مع الاحتلال موجودا بالمرّة، حتى لدى الدول التي لا تقيم علاقات علنية مع الاحتلال، كما هو حاصل اليوم في التحالف شبه المعلن بين دول عربية وترمب ونتنياهو. والثمن كما هو معلوم تصفية القضية الفلسطينية نهائيا؛ لأجل تطبيع الوجود الصهيوني في المنطقة، وترسيخ استمرار الأنظمة العربية التي استعدت لدفع هذا الثمن، ودفن الحركة التحررية للشعوب نهائيا وإلى الأبد.

نحن الفلسطينيين كان لنا دور في ذلك، بلا ريب، فقد فتحت اتفاقية أوسلو ثم تأسيس السلطة الفلسطينية؛ الباب على مصراعيه لتلك الدول بأنظمتها للولوج عبيدا إلى زمن العلو الصهيوني، ثم إنّ هذه الاتفاقية وما بنى عليها من وجود سلطة فلسطينية أخذت ترسِّخ لتناقض جديد في الساحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، وهو التناقض الذي رُسّم بشكل واضح المعالم من بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية، ثم ما تلا ذلك من صراعات مسلحة أفضت إلى ما عُرف بالانقسام؛ ناجمة عن غياب قبول فتح (الفعلي) لنتائج الانتخابات.

هذه المسألة مركّبة ولا تخلو من الطابع الجدلي، فالحصار الذي تعرّض له الفلسطينيون، هو الذي دفع القيادة المتنفذة في فتح ومنظمة التحرير، ومن بعد حرب العام 1973، إلى السعي للبحث عن مكان لهذه القيادة، وللفلسطينيين ضمن التحولات السياسية الجارية، فقد أُخرجت الثورة الفلسطينية للتوّ من الأردن، وظهرت نوايا السادات للعلن.

وبالرغم من أن أول تبلور لمساعي قيادة فتح تجلّى في أطروحة النقاط العشر في العام 1974، إلا أن الثورة الفلسطينية ظلّ تحطيمها مستمرا، بالتدخل السوري في لبنان عام 1976، ثم بالغزو الإسرائيلي له عام 1982، وإبعاد المنظمة إلى تونس، ثم في الانقسام العربي إبّان الغزو العراقي للكويت، وهو ما دفع الفلسطينيون ثمنه؛ نتيجة انحيازات قيادة المنظمة في حينه، بدلا من الحياد الإيجابي. ولعل تلك الانحيازات كانت مقصودة لتبرير الذهاب إلى مدريد ثم توقيع اتفاقية أوسلو.

حسنا، يمكن الحديث عن موازين قوى قاهرة، وعن تآمر عربي مبكّر مرتبط بتلك الموازين بشكل أو بآخر، ولكن الأسلوب الذي استخدم لمواجهة اختلال موازين القوى، والتخلّي العربي التدريجي الذي وصل في مراحل كثيرة حدّ المؤامرة، انتهى بنا إلى حيث نحن اليوم من إنهاء التناقض العربي الإسرائيلي، على الأقل في سياساته الدولاتية والرسمية النظامية، ومن خلق تناقض فلسطيني فلسطيني داخليّ مقدّم على التناقض مع الاحتلال.

النزوع السلطوي لدى القيادة المتنفذة، وصراعاتها على الشرعية التمثيلية للفلسطينيين سواء في الداخل الفلسطيني أو مع الأنظمة العربية، مع مأسسة الفساد، وانتهاج الزبائنية والاستزلام سبيلا لإدارة العلاقات في التنظيم الواحد وفي الساحة الوطنية. ذلك كلّه تحول إلى قوى مهيمنة على الوعي والسلوك الفلسطيني، في مواجهة اختلال موازين القوى ومواجهة التخلّي والتآمر العربي. ونحن بداهة حين نتحدث عن التآمر العربي؛ نقصد سياسات الدولة وأنظمتها الحاكمة، ولا نقصد الشعوب والجماهير العربية.

بالتأكيد، احتكار التمثيل والقرار والتفرد في صياغة سياسات مصيرية.. هي الأسباب التي تأسس عليها الانقسام الفلسطيني، وتحول الخصومة الوطنية إلى تناقض رئيس في علاقة صراعية. وإذا كانت فتح وقيادتها التي تتحمل ذلك في الأساس بما لا يحتمل السجال والنقاش، فإنّ هذا لا يعني أن سلوك حماس منذ الانتخابات التشريعية مرورا بما سمي بالحسم العسكري؛ كان صائبا بالضرورة، حتى بالرغم من كل ما يمكن قوله من إنجازات على صعد بناء هيكل المقاومة في قطاع غزّة، وهذه مسألة قائمة بذاتها تستحق بسطا منفصلا، يعيدنا إلى أصل مفهوم ومشروع المقاومة.

إنّ أيّ تأسيس بعد فتح كان ينبغي أن يكون ثوريا بالنسبة للبنية الفتحاوية بالكامل، بعدم الاستسلام للنزعات السلطوية والتمثيلية، وتجنب الإدارة الزبائنية والاستزلامية، والصبر الحثيث في إزاحة أي مدخل لأي تناقض داخلي على حساب التناقض الرئيس مع العدو، والتجرد الكامل من المنطق الفتحاوي في مواجهة اختلال موازين القوى والتآمر العربي، فالفهلوة الفتحاوية، والارتكاز الأعرج في تبرير السياسات الانحرافية على مسوغات اختلال موازين القوى والحصار العربي لثورتنا ومقاومتنا وشعبنا.. ذلك كلّه أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم، أو على الأقل هذه مساهمتنا نحن الفلسطينيين فيما نحن فيه اليوم.

فالعجيب بعد ذلك، أن يقدّم البعض إعادة اجترار الفهلوة الفتحاوية تفكيرا خارج الصندوق، مع أنّها تُجرّب فلسطينيًا على الأقل منذ عام 1973، فهذه الفهلوة هي الصندوق الذي ننحشر فيه منذ 45 عامًا على الأقل.

بالتأكيد ثمة معطيات استجدت في واقعنا خلال هذه العقود، والمناورة الآن لا بدّ منها، والعلاقات الداخلية صارت أكثر تعقيدًا ولا تتعلق بطرف واحد لكي نقول لنتوحد جميعًا على أساس التناقض الرئيس مع العدو بعيدًا عن صراعات السلطة، فالأمر لا يتعلق بطرف واحد، لكن ونحن نناور، فلنتذكر أن التعريف الصحيح لأمريكا أنها عدو، وأن مبادرات الهرولة من مبعوثي الاستعمار والوكلاء في الإقليم العربي، ليست إلا جزءا من الخطة التصفوية. وإذا كان لا بد من دفع ثمن أخطائنا الإستراتيجية الماضية، فعلينا ألا ندفع أثمانًا غدًا أكبر مما ندفع اليوم، بالرغم من قسوة ما هو راهن وجار.

مواضيع متعلقة: