​شباب الحدود لا يبالون "بعنجهية" المحتل

غزة - حنان مطير

"وَلَك هَدُوّاك اليهودي"، أشار الشاب الواقف على تلّة رمليةٍ تقابِل السلك الحدوديّ للاحتلال، قائلاً بنبرةٍ حادّة لصديقِه الذي يجاوِره، فيعثر عليه صديقُه أخيراً وينفجر ضاحكاً ضارباً كفّه بالآخر، ويعلّق الأوّل: "بدري عليك".

كنت أنظر للشابين السّاخرين، وبذات الوقت أفتّش بعينيّ خلف السّلك علَّني أجد ذلك المحتلّ بين تلك المُدرّعات، فقد جئت للتوّ لمنطقة "ملكة" شرق غزّة، حتى عثرتُ على رأسين مغمورين داخل خوذَتين خلف جبلٍ صغير، فابتسمتُ أنا الأخرى، ورحتُ أسأل نفسي مِمَّ يختبئان مُنبطِحيَن؟!.

فجأة! يُهلّل الشباب والفتيةُ بجانبي ومن خلفي بصوتٍ واحدٍ، مُستقبلين شابَّين قادمين من بعيد أحدهما يدحرج إطارَ سيارةٍ والآخر يحملُه، كانت سيقانهم تُسابق الرّيح المحمّلة بالغبار في ذلك اليوم فتلسع وجوهَنا، بينما صوت أنفاسُهم يعلو وتتسارع، أما عرقهم فيسيلُ وقد تلوّنت وجوهُهُم بسواد الدّخان.

"أيفعل بكُما (العَجلُ) كلَّ هذا؟ ما الذي يدفعكما لأن تصبحا بتلك الهيئة؟" يتوقّف زكريا الدّيب البالغ 24 عاماً ويردّ: "العجل لن يؤذي اليهودي جسدياً، لكنه يؤذيه نفسياً ويبثّ في قلبه الرّعب"، ويشير بإصبِعه تجاه الشرق ضاحكاً: "انظري كيف يختبئون؟"، ثم يقول بحزم: "بدنا نُجنِّن اليهود، إحنا (مستهلسينهم)"، ماذا تعني؟! يرد موضحاً: "يعني أنهم (نُكْتتنا)".

ويذكر الدّيب أنه واحد من أصل 15 عضوًا في وحدة "الكاوشوك" وأنّ خمسة أصيبوا منهم، وكلّ همّهم البحث منذ الصباح الباكِر عن إطارات السيارات أو شراؤها ومن ثمّ إشعالها أمام السِّلك.

وكان الدّيب من سكان حي الشجاعية قد فقد شقّته في الحرب الأخيرة على غزة عام 2014، فيما استُشهِد ابنُ عمّه ودُمّر بيت عمّه ونسيبِه بالكامل، وفق قوله.

يعلّق: "هؤلاء الجبناء، يدمّرون غزّة وهم مختبئون في أراضينا التي سرقوها، ونحن بطريقتنا البسيطة نلعب بأعصابِهم الضعيفة، ولهذا فإننا مستمرون ومشاركون في مسيرات العودة الكبرى حتى آخرِها".

فيما الشاب يوسف أبو السعود اللاجئ من بئر السّبع يقول لـ"فلسطين": "أجسادُنا قد تتعب من الركض والذهاب والرجوع، لكن أرواحَنا لن تتعب أو تكلّ، فكلما جئنا أمام هذا السلك استمددنا حماسَنا وطاقتنا من أراضينا الخضراء الشاسعة".

بنات المدرسة

ثم ينطلق الشابان ومن حولهما يلتفّ العشرات من المشاركين في مسيرات العودة ليقتربوا أكثر من السياج فيشعلوا الإطارين، وفي ذات اللحظة تتجمع الصبايا العائدات من مدرستهنّ الثانويّة وما تزال حقائبهنّ على أكتافهنّ ويشكّلن نصف حلقةٍ حول رماد أحد الإطارات الخامِدة نارُها ويهتفن بعلو أصواتهنّ "يا محتلّ يا جبان.. انزل انزل للميدان..".

وتقف أمامهنّ قائدةٌ ترتدي جلبابها المدرسيّ الكُحليّ ووشاحَها الأبيض، لم تتوقّف حَنجرتُها عن الهتاف حتى لتشعرَ أن الحماسَ يتناثر من بين كفّيها اللذين خيّمتهما على فمِها ليصيب قلوبَ زميلاتِها المُردّدات خلفها بقوة وبكلماتٍ ساخِرة "اخرج اخرج يا محتل.. غزّة يا أهبل ما بتمِلّ".

صاحبة الجلباب الكحليّ كانت مخطوبةً ويأتي خطيبها يوميًا ليشارك في مسيرات العودة، لكنه لشدّة ما يحبّها ويخاف عليها من رصاص المحتلّ وفق ما تصف لـ"فلسطين" فإنه لم يُحبّذ خروجَها، لكنّ ثورتَها وشغفها للمشاركة مع زميلاتِها لإيصال رسالةٍ للعالم حول حق اللاجئين في العودة لديارهم المسلوبة حال دون بقائها في البيت فأتت برفقتهنّ.

تقول بابتسامةٍ واسعة: "سأخبره بالأمر حين أعود فأنا لم أعتَد أن أخفيَ عنه شيئاً.."، فكان واجباً علينا ألا ندوّن اسمَها لحين إخبارِه.

وتضيف: "كم أحلم بأن نعود لبلادِنا، إنَّ عودَتنا حق ويجب أن تصبح حقيقة لنتوقّف عن الحلم الذي يؤلمنا، فإننا وإن لم نرَ البلاد لكنها تسكن روحَنا".

إصابتان وعودة

ومن بعيد يأتي محمد أبو عيدة ويقترب من السلك على ساقٍ واحدةٍ وعكازين، "شو اللي جايبك وأنت مصاب؟!" سألته فابتسم وردّ بسؤالٍ آخر: "وما الذي يمنعني من القدوم؟ أتظنين أن إصابتي تمنعني من مواصلة المشاركة في مسيرات العودة الكبرى؟! لا يا صحافة، هذا حلم اليهود". ثم يزيح برأسِه باتّجاه تواجدِهم ويخطو قليلاً تاركاً الحديث!

"توقّف يا ابن الحلال.. متى أُصِبتَ وكيف؟ احكِ لصحيفة "فلسطين" ثم اذهب بعدها حيثما شئت.." سألته من جديد ليتوقّف ويبتسم وقد ضَرَبَ كفّه بصدرِه بعد أن ركز عكازه على جنبِه وبدأ "يُشبّر" بيدِه يمنةً ويسرة: "لا طائراتهم ولا دباباتهم ولا صواريخهم ترعبنا، وهذه المسيرات السّلمية مجرّد (تحمية) لدحرِهم من أراضينا التي سلبوها، فالمحتل لن يخرج إلا بسلاح المقاومة".

ثم يعود ليمسك عكّازَه ويروي: "في الجُمعة الأولى لمسيرات العودة أُصِبت بطلق متفجّر في ساقي، وفي جمعة (الكاوشوك) أصبت قرب عيني بـ(ساكتيرما) ويقصد (رصاصة مُرتدّة)".

يفتح أبو عيدة هاتفه النقّال ويعرض لـ"فلسطين" صورتَه وهو يمسك العلم الفلسطيني وقد التقطتها له كل وسائل الإعلام، على حدّ قولِه، مضيفاً: "أمضيت أكثر من ساعتين واقفاً أحمل العلم الفلسطيني بجوار السّلك، ولم أبتعد إلا حين ضربوا بجواري قنبلة غاز".

ويتبع: "إن حبّي للقدس واشتياقي لزيارتها وللأراضي المسلوبة التي مات جدي ولم يكحل عينيه بالعودة إليها؛ وكذلك حبي لأسرانا خلف سجون الاحتلال الذين يعانون الحرمان، وشعوري بالقهر أمام ردود فعل الحكام العرب، كل هذا يجعلني لا أحتمل أن يمرّ يومٌ دون أن آتي".

وبنبرة تحدٍّ، يؤكد: "حتى وإن زحفاً، سأزحف وأشارك في المسيرات، فهؤلاء أجبن مما تتخيّلين".

صور سيلفي

وأمام السلكِ وقفت رشا الديري (18 عاما) ببلوزتها الحمراء الأنيقة لتأخذ لنفسِها صورة "سيلفي" تجاورها صديقتها ذات الثوب الفلاحيّ الأسود المُطرّز بخيوط الحرير الحمراء وقد لفّت وجهها بوشاح الكوفية الفلسطينية، لتظهر من خلفِهما نيران العجلة المشتعلة والمساحات الخضراء الواسعة التي يسيطر عليها الاحتلال.

وتخبرنا الديري أنها لاجئة من الرملة، وأن تلك هي المرة الأولى التي تأتي فيها للحدود وتشارك في المسيرات، تروي: "كنت أتوق شوقاً للمشاركة في المسيرات، لكن والدتي تُصرّ على أن أمضي وقتي الطويل في الدراسة، فأنا طالبة في الثانوية العامة".

لكنها اليوم جاءت برفقة صديقاتِها وقريباتِها للمشاركة، وقد بُهرت بتلك الأراضي التي لا تستطيع قدمُها أن تطأها، وفق قولها.

وتضيف: "بمجرد أن رأيت السلك الحدودي وما خلفه من أراضٍ واسعة شعرت بقلبي يدقّ والحسرة تأكلني، لكنني كلما أتذكر أنني أتيتُ لتدعيم فكرة العودة لبلادِنا المسلوبة أشعر بارتياحٍ وأمل".

وتصف: "جيش الاحتلال (هامِل)، وصورة السيلفي هي حركةٌ لإغاظتهم وكذلك كي أكحّل عينيّ برؤية الجَمال الذي سنعود إليه يوماً ما بإذن الله".

وجاءت أيضاً نور حبيب (23 عاماً) برفقة أخواتِها وبنات عمّها وحيداتٍ للمشاركة، فتقول حبيب: "جئتُ ككل من جاؤوا اليوم لإرسال رسالة تذكير للعالم بأن لنا أرضاً خلف تلك الحدود، لا بد أن تعود لأصحابها".

وتضيف: "لو أنهم لا يملكون السلاح لما استطاعوا أن يحصلوا على مترٍ واحدٍ من أراضينا، لكنهم جبناء محتمون خلف دباباتهم ونيران أسلحتهم، وهم في الحقيقة يرتعبون من مشهد المرأة أو حتى الطفل حين يتقدّم أمامهم، واختباؤهم خلف ذلك الجبل أكبر دليل على ذلك رغم أننا لا نملك سوى هتافاتٍ ودخّان إطارات".

ودّعْتُ منطقة "ملكة"، وانطلقت أمشي في الأرض الترابية جهة الغرب لاستقلال سيارة ومن ثم العودة لصحيفتي، ليجاورني "توك توك" ومن فوقه يركب عدد من الشباب مغادرين الحدود ويشيرون بأيديهم قائلين: "راجعين والله راجعين.."، ثم تواجهني امرأةٌ تأتي بمشيةٍ غليظةٍ متجهةً للسلك تلحقُها غبرةُ قدميها المُسرعتين، ويليها طفلٌ يلفّ مقلاعَه الخالي من الحجر تارةً وأخرى بحجر، أما صوت الصّبايا فراح يبتعِد عن مسامعي شيئاً فشيئاً.. "يا محتل يا جبان.. انزل انزل للميدان..".