​"شعبان" و"صفاء".. حكاية بدأت بوردة وانتهت برصاصة

الشهيد شعبان أبو خاطر
خان يونس - يحيى اليعقوبي

كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة عصر الجمعة، كان قلب صفاء مضطربا يشتعل قلقاً على زوجها شعبان، فالوضع الميداني في قطاع غزة غير مطمئن.. دارت في نفسها تساؤلات كثيرة وتملكتها هواجس دفعتها إلى مهاتفته "بلاش يصيرله اشي وأندم عليه".

حوار قصير دار بين شعبان أبو خاطر (24 عاما) وزوجته التي تصغره بعام واحد تلمس فيه اضطرابها حتى هون عليها الأمر بتأكيده أن "كل الأمور تمام، فطعام الغداء كفى وزيادة والوضع كويس".

كان ذلك قبل ربع ساعة من استهداف مرصد المقاومة شرق خانيونس عصر الجمعة 20 يوليو/ تموز. أما بقية الحكاية فتفاصيلها كثيرة وغريبة، فعندما تقدم شعبان لخطبة صفاء كان لا يملك مالا لدفع المهر، كما أنه أراد الزواج بعد أربعة أشهر من وفاة والدته عام 2016.

تعترف صفاء بصوت تخنقه الدموع: "كنت أريد شخصا متدينا ومتعلما (...) فوافقت على الزواج بلا مهر".

في مراسم قراءة الفاتحة أحضر شعبان أول هدية، لا تنسى صفاء تفاصيل ذلك اليوم، وهي تتوقف عن الكلام وتمسح دموعها لتعيد تركيب مشاهد تلك اللحظة التي كشفت سرها، فتح شعبان ظرفا بعد أن وضعه في يدها، أخرج منه وردة ورصاصة، واضعاً الأولى في يدها قائلاً "هذه الوردة بداية مشواري معك"، ثم أمسك بالرصاصة ورفعها بينه وبينها مضيفاً "وهذه نهايته، أنا داخل بهدا الشغل وراح أكون شهيد".

تقول في تلك اللحظة لم أفكر في تغيير رأيي بالعدول عن الزواج وقلت له: "الأعمار بيد الله يا شعبان لا زيادة ولا نقصان".

وعلى مدار 17 جمعة لم يتغيب شعبان عن المشاركة في مسيرات العودة، وفي جمعة "لن تمر المؤامرة على حقوق اللاجئين"، طلب من زميله تبديل توقيت مناوبة العمل، بحيث يعمل في الفترة المسائية عند الساعة الثانية ظهرًا بدلاً من الصباحية.

عاد شعبان من صلاة الجمعة على عجل طالباً من زوجته أن تهيئ طعام الغداء ليحمله معه إلى حيث موقع عمله في مرصد المقاومة شرقي مدينة خانيونس على بعد مئات الأمتار فقط من السياج الأمني الفاصل، حينها تعلق ابنه الوحيد بكر "سنة وشهران" في قدمِ والده منادياً بحروف هي كل ما يعرف من اللغة "بابا .. بابا" ليضع الأخير يده على رأس ابنه موصياً زوجته وهو يمسح على رأسه "ديري بالك على بكر".

مرت ثلاث ساعات على خروج شعبان، وبدا كل شيء كما في كل جمعة حتى مشاركة زوجة والدته "أم رامي" في المسيرة الأسبوعية.

تقول صفاء إن والدتها تأخرت عن اللحاق مبكراً بشعبان مثل كل جمعة، وقبل أن تصل المخيم شاهدت القصف، فاتصلت بنا تخبرنا بمتابعة الأخبار لنعلم إن كان هناك شهداء أم لا.

كان صوت الدموع أعلى من نبرة صوتها وكأنه شلال من الحزن ينسكب على قلبها دون توقف، وهي تضيف "بمجرد أن سمعت بدأت الاحتمالات تذيبني من الخوف، فتحت هاتفي لأتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، كنت أشعر أن هناك شيئا جرى لشعبان".

وأثناء تصفحها شاهدت صورة الموقع المستهدف لتشير لأختها وهي تبكي "والله هدا مكان شغل شعبان"، طالبة منها هاتفها للاتصال به، "ارتجفت يداي قبل أن أتصل، وما إن بدأ هاتف شعبان بالرنين حتى تنفست وقالت: "الحمد لله هي رن .. آه يا شعبان، سكت المستقبل ولم يصدر صوتا لبرهة ثم قال لها "أنا صديق شعبان، شعبان مصاب إن شاء الله بخير (..) وكان الخير في الطريق الذي اختاره".

تقول "أم رامي" إن شعبان تقدم للخطبة ولم يكن قد أنهى تعليمه الجامعي، واشترط عليه للقبول إكمال دراسته وأوفى بذلك حيث حصل على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال وصفاء في الجغرافيا، مشيرة إلى أنها لا تنسى رد فعل ابنتها حين خيرها بين السير في هذا الطريق أو عدم إتمام مشروع الزواج، لكنها أصرت: "على الحلوة والمرة معاك"، وعاشا حياة بسيطة في بيت مساحته 50 مترا من ألواح الصفيح "الزينكو" في منطقة بني سهيلا بخانيونس.

تقول صفاء إنها كانت تعرف مسار طريق زوجها، وتدرك أنها ستواجه لحظة فراق حتمية، "لكن ليس بهذه السرعة".