"سجن أريحا" .. رمز الاعتقال السياسي في الضفة الغربية

رام الله-غزة/ خضر عبد العال:

حين يُذكر مصطلح "الاعتقال السياسي" في محافظات الضفة الغربية المحتلة يتبادر إلى الأذهان مباشرة سجن أريحا المركزي لكونه الأكثر شهرة لصيته السيئ كما أخبر معتقلون سياسيون سابقون، حتى بلغ الأمر بالبعض وصفه بـ"غوانتنامو فلسطين".

ويقع سجن أريحا في المدينة التي يحمل اسمها في منطقة "شفا الغور" شمالي الضفة المحتلة، ويتكون من قسم للنساء وآخر للرجال، أما الأول فيتكون من غرفتين، ويتكون الآخر من عدة أقسام (الجنائي، السياسي، الأشبال)، ولكل واحد منها غرف منفصلة.

محامي مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان مهند كراجة، أوضح أن السجن يتميز عن غيره من سجون السلطة، بوجود مقر اللجنة الأمنية المشتركة بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة (الأمن الوقائي، المخابرات، الاستخبارات، والأمن الوطني).

وأكد كراجة في حديث لصحيفة "فلسطين" أن المعتقلين السياسيين الذين تصنفهم الأجهزة الأمنية بـ"القضايا الخطيرة" حسب تقديراتها ينقلون إلى سجن أريحا.

وأكمل: "لدى الأجهزة الأمنية تقييم محدد مخالف للقانون الفلسطيني، حيث تنقل القضايا لسجن أريحا، وفي بعض الأحيان تكون سياسية مثل (قضية حزب التحرير، وسهى جبارة) وغيرها من القضايا التي يرون أنها ممكن أن تصبح قضية رأي عام".

ولا يوجد عدد محدد للمعتقلين السياسيين هناك، حتى أن مؤسسات حقوق الإنسان كافة لا تمتلك إحصائية بأعدادهم؛ نظرًا لحجم التكتيم الذي تفرضه إدارة السجن حول أوضاعه الداخلية بما في ذلك أعداد المعتقلين، إلا أن بعض التقارير الإعلامية تقدر عددهم بنحو (50) معتقلًا سياسيًّا.

ولفت كراجة إلى أن مقابلة المعتقلين السياسيين في "أريحا" تتم ضمن تحفظات كبيرة جدًّا، وتكون داخل مكتب رئيس الجهاز أو في مكتب التحقيق، وغالبًا لا يسمح الحديث بالقضية، وإنما الاقتصار على الاطمئنان على حالة المعتقل فقط.

وتعرّض "أريحا" للاقتحام من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في مارس/ آذار2006 من أجل اعتقال أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات على خلفية قتل وزير السياحة الإسرائيلي "رحبعام زئيفي".

لماذا أريحا؟

لماذا يتم نقل أغلب المعتقلين السياسيين إلى سجن أريحا تحديدًا؟ الناشطة سهى جبارة من رام الله تجيب عن هذا السؤال بقولها: "تتعمد أجهزة أمن السلطة نقل عشرات المعتقلين السياسيين لسجن أريحا، لتذيقهم أصناف العذابات بعيدًا عن أضواء الإعلام ودفاع المؤسسات الحقوقية واعتصامات الأهالي".

وأوضحت جبارة لـ"فلسطين" -من خلال تجربتها- أن سجن أريحا قسم النساء، يوجد به غرفتان، تتسعان لستة أسِرة، إلا أن إدارة السجن تضع فيها نحو عشرة أشخاص.

وأكدت وجود معتقلات سياسيات لا يدري عنهن أحد، لأن إدارة السجن لا تصرح بهذا الخصوص، مشيرةً إلى أن عدد المعتقلات السياسيات بلغ نحو (20) معتقلة.

أما عن ظروف الاعتقال فهي سيئة جدًّا، حيث يتعامل أفراد السجن سواء شرطة أو محققون أو إدارة مع المعتقل على أنه مدان، خلافًا لنص القانون "المتهم مدان حتى تثبت براءته"، عدا عن المراحيض السيئة، وفي حال عَطُل شيء لا يتم إصلاحه، وفق تعبيرها.

وحين تكون هناك زيارة لوفود أوروبية إلى السجن الذي بُني بدعم أمريكي أوروبي، تجبر إدارة "أريحا" المعتقلات على تنظيف وترتيب المكان.

وأكملت جبارة: "وحين يوضع المعتقل في العزل الانفرادي، تكون رحلة عذاب، بدءًا من التفتيش العاري، مرورًا بمنع إطفاء الضوء من فوق رأسك، والمرحاض في نفس الغرفة، كما يمنع إدخال أي شيء إلى غرفة العزل"، عدا عن وجود أسوأ وأشدَّ أنواع الشرطة في سجن أريحا.

وعدت دور المؤسسات الحقوقية في الدفاع عن المعتقلين شكليًّا، قائلة: "حينما زارتني الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، سألوني: "سهى بدك ترفعي شكوى على المسلخ؟"، وحتى الآن لا توجد أي نتائج حقيقية منها، وكأن المؤسسات الحقوقية موجودة من أجل تغطية جرائم السلطة فقط".

يضاف إلى ذلك والحديث لـ"جبارة" تمنع إدارة السجن المعتقلين من الجلوس بشكل منفرد مع المحامي أو مندوب المؤسسات الحقوقية، وغالبًا تهددهم بالضرب والشبح إذا ما تحدثوا عن سلبيات الاعتقال.

"في أريحا لا يوجد احترام للقانون ولا لحقوق الإنسان ولا غيره، وأبرز دليل أن المحامي مهند كراجة هو الوحيد الموجود في الضفة الغربية لقضايا المعتقلين السياسيين، ولا يوجد غيره، ورغم ذلك، فهو ممنوع من دخول مقرات جهازي الوقائي والمخابرات، إذ يرسل المحاميين الذين يعملون لديه، وفي كثير من الأوقات لا تسمح السلطة لهم بأخذ وكالات من المعتقلين".

وفي السياق، تطالب جبارة بأن يكون للمؤسسات الحقوقية دور فعّال في فضح جرائم التعذيب داخل سجن ومسلخ أريحا.

المسلخ!

و"المسلخ" وهو مقر التحقيق والتعذيب يوجد بعيدًا عن السجن، ويتم نقل المعتقل من السجن للمسلخ والعكس.

وأفادت "جبارة": أن المعتقل عندما ينتهي من التحقيق لا يصح قانونيًّا أن يرجع له مرة أخرى، إلا في سجن أريحا والمسلخ، حيث يرجع المعتقل للتحقيق مرة بعد الأخرى دون رقابة أو متابعة قانونية".

وفي أكتوبر 2018، صرَّح النائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح جمال الطيراوي، أن جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للسلطة، افتتح سجنًا في مدينة أريحا وصفه بـ"المسلخ".

وقال الطيراوي أن الاستخبارات العسكرية في أريحا استعاضت عن لجنة التحقيقات بفتح سجن أشبه بمسلخ أمني يرسل إليه الشباب والمناضلون المعتقلون من أبناء الفصائل الفلسطينية.