​صواريخ غزة وإسقاط نتنياهو

د. عدنان أبو عامر
الجمعة ١٣ ٠٩ / ٢٠١٩

"وقف يحدثهم عن الأمن الذي سيوفّره لهم، وفجأة دوَّت صافرات إنذار، وهرع إليه حراسه ليهرّبوه"، بهذا المشهد المهين أفسدت بعض من صواريخ غزة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملته الانتخابية، مما طرح أسئلة عديدة حول تنفيذ هذه الهجمات في هذا التوقيت، وهل قرَّر الفلسطينيون إسقاط نتنياهو؟

انتشرت هذه الصور التي بثت على الهواء مباشرة، وسارع الإسرائيليون والفلسطينيون لتداولها، مرجحين فرضية أن يكون من أطلق هذه الصواريخ قرَّر إسقاط نتنياهو في الانتخابات التي لم يتبق على إجرائها سوى عدة أيام، لأن مشهد هروبه من منصّة الخطابة خشية من صواريخ غزة يعدّ أسوأ صورة انتخابية له.

لم يكن سراً أن الأجواء الفلسطينية خلال الأسابيع الماضية كانت ترى أن أوساطا عديدة تفضل الإبقاء على نتنياهو في مقعد رئيس الحكومة، ليس حباً في سواد عيونه، ولكن لأنها جربته طوال عشر سنوات، وتعرَّفت على طريقته في التفكير، وأبرمت معه صفقة تبادل أسرى، وأدركت أنه ليس بوارد الدخول معها في معركة كسر عظام للإطاحة بها كلياً، من أجل الإبقاء عليها في غزة، لمنع عودة السلطة الفلسطينية إليها.

أما حزب الجنرالات، فلا تبدي الفصائل الفلسطينية في غزة تشجيعاً لمنحهم أوراقاً انتخابية للتسريع بصعودهم للسلطة، سواء باعتبارهم قادة سابقين للجيش الإسرائيلي، وخيارهم العسكري تجاهها هو المفضل، أو لأنهم أعلنوا أكثر من مرة أنهم معنيون بالإطاحة بحماس، لإعادة القطاع لسيطرة السلطة الفلسطينية.

غير أن تطورات الأيام الأخيرة في غزة أشاعت تقديرات جديدة بأن من اتخذ قرار إطلاق الصواريخ قد يكون لديه نوايا جدية لإسقاط نتنياهو، مما يعني تغييراً في التوجهات السابقة، التي كانت تراه أقل سوءاً من سواه، ولو لم تعلن ذلك.

هكذا المشهد إذن، المقاومة في غزة ليست معنيّة بإعطاء ضمانات كاملة لنتنياهو لتحقيق فوز كاسح من خلال منحه هدوءًا كاملاً في القطاع، وفي الوقت ذاته لا أراها متشجعة لتعبيد الطريق أمام الجنرالات للوصول إلى السلطة.

المقاومة كما يبدو من سلوكها العسكري، والإسرائيليون يقرؤونه جيداً، تسعى لإضعاف أي حكومة إسرائيلية قادمة، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات، مع أن أفضلية استطلاعات الرأي متجهة نحو اليمين والليكود، وليس الجنرالات.

تتزامن صواريخ غزة في الأيام الأخيرة مع الوضع الانتخابي الصعب الذي يعانيه نتنياهو، فجاءت هذه الصواريخ ووضعت عليه أعباء جديدة مرهقة، وبعد هذه الأحداث الميدانية المتلاحقة قد يكون بحاجة لمعجزة تنقذه من هزيمة محققة.

صحيح أن نتنياهو لديه خيارات كبيرة في غزة، لكن مآلاتها قد تكون مكلفة، ومنها إمكانية تعقيد الأمور أكثر، والانزلاق لحرب لا يريدها، مما يرجح فرضية أن يذهب لتعويض إهانته من غزة بتوجيه ضربات موجعة إلى سوريا ولبنان، ومزيد من الإجراءات الاستيطانية في الضفة الغربية.