​تهدئة هشة بطعم تصعيد قادم في غزة

د. عدنان أبو عامر
الجمعة ١٠ ٠٨ / ٢٠١٨

ما إن تنتهي جولة عدوان إسرائيلية على غزة تستمر ساعات عدة، وأحيانا يوما ويومين، حتى تصمت المدافع ويتوقف القصف لساعات وأيام أخرى، ثم نعود هلم جرا... وهكذا.

جولة التصعيد الأخيرة التي انتهت فجر أمس الجمعة لم تخرج عن سابقاتها، وإن اتسمت بتوسع رقعة العدوان الإسرائيلي ليسقط شهداء ويدمر مباني في قلب مدينة غزة، في الوقت الذي اتسعت فيه مديات صواريخ المقاومة، واقترب الجانبان من شفا مواجهة واسعة، لولا تدخُّل الوسطاء الإقليميين والدوليين في اللحظات الأخيرة، لكبح جماح هذا التصعيد قبل أن ينفلت عقاله.

ليس هناك من ضمانة كي لا تتكرر جولات تصعيد قادمة بين المقاومة والاحتلال، على العكس من ذلك، فإن فرص التوتر أكثر من الهدوء، وإمكانيات الانفجار أعلى من التسوية، لأن أسباب الاحتكاك بينهما قائمة، وتزداد مع مرور الوقت، والأخطر أن وتيرتها تتسع أكثر فأكثر عقب كل جولة.

ما يقوم به الوسطاء من مصر والأمم المتحدة ليس أكثر من مهمة رجل إطفاء الحرائق، بصورة مؤقتة، ليس بيده القدرة ولا الإمكانية، وربما ليست الإرادة، لأن يوقف حالة الاستنزاف القائمة بين الطرفين، والدليل أن هؤلاء الوسطاء اتسمت حركتهم بالبطء في الجولة الأخيرة، وربما لم يبذلا مزيدا من الجهد والضغط على الجانبين لوقف تدهور الوضع، على اعتبار أن إنضاج أي تسوية بحاجة لمزيد من النار الساخنة.

ما يرجح أننا بصدد استقبال موجة تصعيد جديدة قد تنطلق خلال الساعات، أو الأيام القادمة، على أبعد تقدير، خروج الجانبين من الجولة الأخيرة وهما يشعران أن كلا منهما يده هي العليا، وقد استطاعا تكبيد الطرف الآخر خسائر مادية ومعنوية، لكن أياً منهما لم يجبره على تنفيذ مطالبه، أو قبولها، لمنع اندلاع الموجة القادمة.

هذه الفرضية ستجعل الطرفين ينطلقان في الجولة القادمة، وهما أكثر قناعة أن أحدهما يقترب أكثر من إجبار الآخر على الاستجابة لاشتراطاته، على اعتبار أن التفوق عليه أصبح بالنقاط التراكمية، وليس بالضرورة بالضربة القاضية.

هناك خطورة تحيط بأي جولة قادمة من التصعيد، لا محالة، وهي أنها تقربهما، ربما رغماً عن إرادتهما، من المواجهة الحاسمة الكبيرة، فخياراتهما تأخذ بالضيق مع مرور الوقت، وهما قد لا يحتملان، لا سيما (إسرائيل)، المزيد من جولات الاستنزاف الميداني، بين يوم وآخر، لا سيما في ظل حالة الاعتراضات والانتقادات المتزايدة في أوساط الائتلاف والمعارضة داخل (إسرائيل) للأداء المتذبذب للحكومة أمام حماس في غزة.

لن نضيف جديدا إن قلنا إننا أمام استحقاقات صعبة تقترب من غزة متسارعة، تتطلب الكثير من الحكمة والأناة في التعامل مع الاحتلال الذي يشعر بالاستنزاف، والوقوع تحت الضغط، فالقوة قد تتمثل أحيانا في حماية النفس واتقاء شر العدو، أكثر من القدرة على مهاجمته.

مواضيع متعلقة: