​تجربتي مع تنظيم الوقت

هبة أبو ستة

"السيف الذي جز رقبة الماضي، صنعت منه عكازاً للزمن القادم".. كثيراً ما كنت أقرأ أو أسمع بمقولة "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، لكني لم ألتفت لحد هذا السيف الذي يجز رقبة الساعة واليوم والأسبوع والشهر بصمت.

ومع تراكم الأعمال، وزحمة الأوراق، وفوضى الحواس والتفكير، والذهن المرهق الذي يفكر في كيفية إتمام المطلوب مني، والموضوعات التي يجب الاطلاع عليها أو كتابتها –بحكم عملي في الكتابة- وكثيرًا ما كنت أضع رأسي على وسادتي ليلاً، وبجانبي جثة النهار الذي مضى دون فائدة، ونصل السيف في أجواء المكان يلمع مستهزئًا بي بعد كل معركة مع الوقت.

وحينها أظل حبيسة لجبروت الأسئلة، كيف لم أنتبه لهذا المخزون العظيم الذي ذهب ولن يعود؟ وكيف كانت هوية اليوم مندثرة ومشتتة وغير معروفة الملامح؟ كيف سمحتُ للسيف أن ينغرس بداخل وقتي دون رأفة أواعتراض؟ حتى اهتديتُ أخيراً لفكرة تنظيم الوقت، لردم فجوات الزمن التي أفلتها حد السيف من مذبحته، ولإنقاذ وجه الأيام القادمة وتخفيف العبء عن الفكر، والمحافظة على طاقة الروح، ولصنع انتاج أكثر في وقت أقل.

بدأت في كتابة الأعمال الضرورية الواجب إتمامها على مدار اليوم في مذكرة صغيرة، مدونة فوقها الوقت والتاريخ، بدءاً من بداية النهار بعد الاستيقاظ وحتى موعد وضع رأسي على الوسادة ليلاً، ومراعاة الوقت الذي يكون فيه الفكر والهمة قادرة على انجاز الكثير.

فكتبت المهام ووزعتها على أيام الأسبوع مع الأخذ بعين الاعتبار وضع المهام المستعجل انجازها في الأيام الأولى منه، وتأجيل بعضها لمنتصف الأسبوع أو نهايته، وفي نهاية اليوم اطلعُ على المهام، وأشطب ما أنجزته وارحل ما لم يسعفني الوقت لإنجازه إلي اليوم التالي، وهكذا حتى نهاية الأسبوع، لأقوم بالتقييم والبدء من جديد بوضع مهام جديدة وبتركيز أكثر، لأن الاستمرارية في التنظيم يجعل الإنسان يعتاد على هذا الأمر، ويستسهل كل ما كان يراه صعباً أو محبطًا.

وكانت النتيجة مذهلة بالنسبة لي، فقد أنجزت الأشياء والمهام التي تراكمت بفعل الكسل والتأجيل، وأقفلت دوائر ظلت مفتوحة لوقت طويل، وأغمدت السيف الذي يتربص بروحي، وجعلته يساندني وأنا أجز رقاب البنود التي أتمها للنهاية، فبدأ التفكير المشتت ينحسر، ورويداً رويدًا كان الذهن يصفو، ويقل الضغط والتفكير.

ساعدت نفسي على الخروج من الشعور بالضيق، وكان تنظيم الوقت مضادًا قويًا للتعب النفسي والجسدي الذي يظل يدور في دائرة مفرغة دون اكتمال المهام، وكلما شعرت بالاستقرار كنت أكافئ نفسي في نهاية كل يوم بالراحة والسكينة، والتسلية المفيدة.

ورغم ذلك، إلا أني أمارس حياتي بشكل طبيعي وسلس، وبراحة أكثر وذهن صافٍ، فأجلس مع أهلي، وأقوم بأعمال المنزل، ومشاهدة المسلسل المفضل لدي، والخروج في زيارات للأقارب والصديقات، والترفيه عن نفسي كلما سنحت الفرصة بذلك، وأدركت أن تنظيم الوقت ليس حبلاً حول عنق يومي، وليس حصاراً على أوقاتي، بل وسيلة فعالة للوصول إلى الغاية التي أنشدها.

أختم؛ لا أنكر أنني أحياناً أقوم بالتملص من هذا التنظيم، إذا ما استجد ظرف طارئ أو حدث ما، أو إغراء لفعل شيء مسلٍّ لوقت طويل، أو خروج مفاجئ قد لا يكون في الحسبان. فكون المرء يعيش في أسرة ومحيط مجتمعي كبير، وظروف غير مريحة تجعله لا يستطيع انجاز المهمة المطلوبة في الوقت المحدد لها، لكني أعود لبرنامجي سريعًا كي لا تتوه البوصلة.