ترامب.. كن أمريكيًّا لا إسرائيليًّا

كمال زكارنة
الثلاثاء ٢٠ ٠٨ / ٢٠١٩
كمال زكارنة

عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وذكَّرنا بصفقة القرن التي عمليًّا دخلت طي النسيان، وهو يصرح بأن موعد الإعلان عنها سيحين بعد إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري في السابع عشر من الشهر المقبل، ويقول في تصريحه أيضًا إن الذين عملوا على صياغة الصفقة رجال موهوبين، وإنه سيتم تطبيق بعض بنودها فورًا، معترفًا في الوقت ذاته أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فيه الكثير من التعقيدات بسبب الكراهية التي استحكمت بين الطرفين.

هناك فرق شاسع بين فرض الحل بالقوة وبين إقناع الأطراف المتخاصمة بقبول الحل، فرض الحل ليس حلًّا، ولا يمكن أن يسمى سلامًا، فهو يعني مضاعفة المشكلة وزيادة التعقيدات تعقيدًا وبناء احتلال جديد فوق الاحتلال القائم أصلًا، ونسف لأي إمكانات أو فرص موجودة في الأفق للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف ويحظى بموافقتها.

المشكلة الأكثر تعقيدًا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نفسه، ولاء ترامب المطلق للصهيونية وانحيازه الكامل لـ(إسرائيل) وحكومتها اليمينية المتطرفة بزعامة نتنياهو، وإصراره الشديد على إنجاح نتنياهو في الانتخابات القادمة، والمعروف للقاصي والداني أن الانحياز لطرف من أطراف الصراع يلغي النزاهة والموضوعية والعدالة، ويضع الوسيط في صف الطرف الذي ينحاز إليه، وهذا ما يحصل بالفعل مع ترامب، الذي لم يعد مقولًا للجانب الفلسطيني لا شخصيًّا ولا سياسيًّا ولا وسيطًا ولا بأي شكل من الأشكال، لأن حجم الكراهية التي يحتفظ بها ضد الشعب الفلسطيني يفوق بكثير الكراهية التي تراكمت بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مدى السبعة عقود الماضية.

لو كان ترامب أمريكيًّا في مسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولم يعلن صهيونيته وأسرلته قولًا وعملًا، فإنه سيجد أمامه فرصة عظيمة للتوصل إلى حل شامل للصراع العربي الإسرائيلي الذي يستعصي على الحل منذ عشرات السنين، بسبب تعنت الاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكيًّا، لكن ارتداء الرئيس الأمريكي جلد الصهيونية، لا يمكن أن يجعل منه شخصا موثوقًا أو مقبولًا فلسطينيًّا وعربيًّا، مهما كانت محاولاته التسويقية لإقناع شعوب وزعماء دول المنطقة ببضاعته المفصَّلة تمامًا على مقاس الاحتلال الصهيوني.

لم ينطق ترامب بكلمة واحدة لصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية، ولم يقُم بأي عمل أو فعل يظهر من خلاله حسن أو صدق نوايا تجاه الفلسطينيين والعرب، وما يزال يرتدي لباس الكاوبوي الأمريكي ويشهر مسدسه صوب كل فلسطيني وعربي دفاعًا عن الاحتلال الصهيوني حتى كاد أن يتحلل من القيم والمبادئ والأخلاق الإنسانية، ويغرق في المنهج الصهيوني القائم على سفك الدماء والقتل والإرهاب والأجرام والعنصرية.

تدرك الإدارة الأمريكية الحالية والإدارات التي سبقتها، أن الاحتلال الصهيوني لا يمكن أن يتجرأ على القيام بأي عمل في القدس المحتلة، وانتهاك المسجد الأقصى المبارك والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والشعوب العربية بما فيها الفلسطيني، لولا الدعم الأمريكي غير المحدود للكيان المحتل وتوفير الحماية المباشرة له، والغطاء الكامل لسياسات وممارسات الاحتلال في مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة، والمنظمات والهيئات والمجالس والمحاكم الدولية الأخرى.

الدور الأمريكي في الشرق الأوسط عدائي بامتياز للشعب الفلسطيني والأمة العربية، ويتبنى كل ما هو إسرائيلي صهيوني، وهذه سياسة فاشلة وإن كانت تستند إلى القوة العسكرية والاقتصادية، لأنها لا تصلح لبناء علاقات قوية قابلة للتطور والاستمرار.


الدستور الأردنية