​وداري..

أمل يونس
الخميس ١٥ ٠٢ / ٢٠١٨


للأسف الشديد، لم يعد بمقدورنا أن نداري أكثر، فكما قال حمزة نمرة "وداري يا قلبي مهما تدراي، قُصاد الناس حزننا مكشوف... وكله كوم والغربة كوم والجرح كبير!

كلمات بسيطة تضمنتها أنشودة من أناشيد الفن الهادف الملتزم للفنان "حمزة نمرة"، وجدت صدى كبيرا في أوساط الناس وبالذات الشباب الذين راحوا يكتبون على صفحات التواصل الاجتماعي مقاطع من الأنشودة، أو مشاركتها عبر صفحاتهم، وقد كانت الردود غالبها تنم عن حالة من الاستياء، والشعور بالغربة المفرطة، والذي عبر عنها الشاب الفلسطيني من خلال تكراره لعدة مقاطع منها كمنشورات "مالك مش باين ليه، قلبك تايه من مدة كبيرة... خايف تتكلم ليه، بعيونك حيرة وحكاوي كتيرة... متغير ياما عن زمان... قافل على قلبك البيبان... حبيت وفارقت كم مكان عايش جواك، إحساسك كل يوم يقل... تخطي وخطوتك تزل... من كتر ما أحبطوك تمل... فين تلقى دواك! بتودع حلم كل يوم... تستفرد بيك الهموم والجرح كبير! اتسرق العمر بالبطء ورسي على مفيش!" كانت هذه المقاطع تتردد على صفحات الشباب طيلة الأسبوع الماضي كمنشورات. ما الذي أوصل حال الشباب إلى غربة بهذا الحجم وهذا العمق؟

فهل يعقل للمرء أن يعيش الغربة في وطنه؟! لقد جاء حمزة بكلماته البسيطة _ كما يقولون_ على الجرح، فحرك المشاعر المخمدة في القلوب، وجمع كل الأمنيات المشردة في نفوس الشباب، مما أحدث ثورة شعورية عند الغالبية العظمى منهم، راحت تلقي بظلالها عبر مواقع التواصل بعد انطلاق أنشودة "داري".

لقد تشبع المجتمع الفلسطيني بشعور الغربة، لقد أنهكته سبلها، حتى بدت على ملامحه، فأجهضت أحلامه، وقضت على أمنياته... فالفلسطيني يعيش غربتين لا غربة، غربة لجوء وغربة من الوطن ذاته وهو داخله، فلا عمل، ولا مقومات لحياة كريمة.

إن الظروف السياسية التي انعكست على الحياة الاجتماعية سلبا أثرت بشكل كبير على الشباب الفلسطيني، فلم يعد الخريج قادرا على توفير عمل له، وتفشت البطالة بشكل مخيف، ولم يعد قادرا أيضا على الاستقرار وبناء أسرة، فأصبح الشاب يكدس أحلامه في مستودعات رأسه ولا سبيل لتحقيقها... الكبت الذي يعاني منه الشباب في هذه الأيام أوصلهم إلى الإحباط، فبات الأفق أمامهم ضيقا، والسبل ضجت بالأشواك المسمومة، والأبواب الموصدة.

إن الحصار الذي يرزح تحته قطاع غزة منذ سنوات حرق بساتين الأمل عند كثير من الشباب، وأصبح الشاب يتمنى الهجرة. إن الغربة التي يشعر بها الفلسطيني انعكست على حالته النفسية، التي أدت إلى تغيرات ملحوظة من حيث العصبية والعزلة والتي جسدتها أنشودة حمزة نمرة والتي رصدت فيها واقع الشاب العربي بالغالب، لكنها كانت أقرب بالمساس بشغاف الغزي الفلسطيني، الذي واكب سنوات من الحصار، وعددا من الحروب، وإغلاق المعابر، وانقطاعه عن الدراسة بعد تدني المستوى المعيشي لأهل القطاع، كل هذا جعل الشباب الغزي يتفاعل مع الأنشودة التي جسدت أبعادا إنسانية عدة بشكل مختلف عن الشاب العربي بشكل عام، بل وكانت الجملة الأكثر تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي "وكله كوم والغربة كوم والجرح كبير" "مبتديش حاجة اهتمام، أهلا اهلا سلام سلام ومفيش تفسير"، لقد أصابت الأنشودة جرحا مفتوحا، فلم يعد هناك تفسير واضح لكل ما يحدث على الساحة الغزية، لم يعد هناك تفسير لتراجع ذبذبات الأمل في النفوس.

هل كان الشباب ينتظرون أنشودة تعالج همهم؟ أم هي كانت شرارة البوح؟ وما مدى ارتباط الفن الهادف بالقضايا المجتمعية؟ لقد أثبت هذا النوع من الفن الهادف مدى تأثيره على القلوب المبعثرة، التائهة في أروقة السياسة، لكن هل يجد له صدى بين أوساط أصحاب السلطة؟ حتى هذه تزيد من كآبة الشباب، لأنهم يدركون أن الأنشودة التي اتخذت منحى التعبير عما يجول في خواطرهم، وكان لها الأثر العظيم في نفوسهم هي بالنهاية لن تخرج عن حيز التأثير فيهم و"تقليب المواجع" فكما يُقال: "الدق على الماء ضرب من المستحيل".

بعد نبش هذا الجرح من حمزة نمرة بإمكاننا القول إن الشباب يعيشون بالفعل حالة من الحرمان بشتى أشكاله، وأنه يحتاج من يربت على كتفه من المسؤولين، ومن يتولى أمر أحلامه، من يعيد له الشغف الذي فُقِدَ منه. إن إعادة الشغف بعد الفقد من أصعب المهام، والتي تحتاج عناية فائقة لعلاج ندوب الإحباط المسبق لدى نفوس الشباب. هل لدينا استعداد حقيقي لإعادة الشغف المفقود لآلاف الأرواح التي فقدته؟.

إن نواقيس الخطر تدق بشدة، إذ بات الشباب على شفا الانفجار، فلا الواقع يتسع لهم، ولا الأحلام تقبلهم، وإن بقي الحال على هذا سنخسر قوام الوطن وعماد الأمة. لن تعيدوا الشغف لهم إن لم تملكوا شغفا نحو الإصلاح الحقيقي. لعل حمزة نمرة كان على اطلاع بحجم الشغف الذي يفقد كل يوم من أرواح الشباب. أعيدوا الشغف بمزيد من جرعات الأمل لهذا المجتمع، حاولوا أن تعيدوا للشباب همته التي كادت أن تختفي.

مواضيع متعلقة: