​"وعدٌ قطعناه على أنفسنا يا بني صهيون"

د. زهرة وهيب خدرج
الأحد ٢٢ ٠٤ / ٢٠١٨

عندما تشرق شمس يوم أظنه بات قريبًا سأعود إلى قريتي التي هجَّر الاحتلال الغاصب جدي منها عندما كان والدي طفلًا صغيرًا لا يستطيع المشي، حملت جدتي حينها والدي بين ذراعيها وحمل جدي حقيبة وضع داخلها على عجل "كواشين" الأراضي التي يملكها، ورزمة أوراق نقدية وقليلًا من الطعام، أغلق جدي باب البيت جيدًا وعلقت جدتي المفتاح في رقبتها خشية أن تفقده في هذا الهرج الذي عم القرية والقرى القريبة أيضًا بعد أن نزل البلاء بهم دون سابق إنذار، وفروا من القرية تحت وابل من الرصاص حصد أرواح كثير من الأهالي، اعتقد جدي حينها أنه سيغيب وأسرته الصغيرة لبعض الوقت إلى أن ينجلي هؤلاء الغرباء الذين أتوا إلى القرية على حين غرة.

من كان يمتلك بندقية من أهل القرية حملها، ومضى يقاتل بها الغرباء، كان اثنان من إخوة جدي ممن يمتلكون البنادق، مضوا هم ومجموعة أخرى من شباب القرية يقاتلون الغرباء ويشتبكون معهم؛ حتى يمنعوهم من دخول القرية أو النيل من أهلها، برغم أن تلك المعارك والاشتباكات لم تكن متكافئة، فبنادق شباب القرية كانت بسيطة، بدائية، قديمة، وبعضها كان صدِئَ، وكانت كمية الذخيرة محدودة جدًا، فالإنجليز الذين استعمروا البلاد حينها كانوا يعدمون كل من تثبت عليه تهمة امتلاك سلاح أو ذخيرة.. ولولا أن شباب القرية كانوا قد خبؤوا تلك البنادق بين نباتات الصبار المليء بالأشواك والتي تحيط بالقرية كسور منيع، لما وجدوا شيئًا يدافعون به عن أنفسهم أمام هؤلاء المعتدين.

استشهد جميع الشباب الذين يمتلكون السلاح والذين دافعوا عن القرية ببسالة، واستشهد كثيرون غيرهم من أهل القرية، وتمكنت بعض الأسر من الفرار بأنفسها وصغارها.. بعضهم تمكن من حمل بعض النقود والأوراق الثبوتية التي تخصه مثل شهادات الميلاد، والهوية، وكواشين الأرض، ومنهم من لم يتمكن من حمل أي شيء، حتى أن بعضهم قد فقد صغاره خلال الهروب.. ومنهم أيضًا من استشهد خلال فراره. بعض كبار السن رفضوا الهروب وآثروا الشهادة على تراب أراضيهم.

أحمد الله أن جدي تمكن من الخروج من قريتنا بسلام في ذلك الوقت، حيث كُتبت لأبي الحياة ليكون لي نصيب أن أولد وأدبُّ على هذه الدنيا، وأنجب أبناءً أذهب وإياهم إلى السياج الحدودي أطالب بالعودة إلى قريتي وأذكِّر العالم أن هذا الصهيوني الغاصب الذي أتي إلى بلادي من أصقاع الدنيا قد اغتصب أرضي وقتل أهلي وأقربائي وهو يحرمني من حق العيش وحق العودة لأرضي والذي يحق لكل البشر.

ها أنا ذا ما زلت حيًا أطالب بحقي بقوة وثبات وإصرار، وأقول لهذا المحتل الغاصب ولكل العالم المارق الذي يتواطأ معه:

سأعود إلى بيتي الذي سأعيد بناءه وتجهيزه لأسكنه، وسط أرضي التي سأحرثها وأزيل الأعشاب الضارة والأشواك منها ، وأبذرها قمحًا وأزرع أشجار الزيتون واللوز والمشمش حولها، وأزرع أمام باب بيتي دالية، أصنع لها عريشة لتظلل المكان، وتتدلى قطوف عنبها مثل الثريات المضيئة في أيام الصيف ولياليه. بالقرب من بيتي سأزع الياسمين، ليعطر المكان ويبث الانتعاش في الأرواح، سأجهز الجزء الأمامي من بيتي للضيوف الذين سيفدون علينا من مناطق شتى، والذين عرفناهم خلال فترة اللجوء التي قضيناها في المخيم، سأضع فيه كل ما يحتاجه الضيوف ليشعروا بالراحة والخصوصية وكأنهم في بيوتهم.. كيف لا وهم الأهل والأصدقاء وشركاء اللجوء والتشرد ومسيرة العودة؟

سأجهز جزءًا من أرضي لتغدو إسطبلًا لبعض الخراف التي سأشتريها، وحصانًا أركبه وأحرث به الأرض، ويلهو به الصغار، سأربي طيور حمام في صناديق خشبية سأعلقها في أعلى الإسطبل ليتخذ منها الحمام أعشاشًا يبيض داخلها لتفقس البيوض وتأتي للدنيا بصغار تنمو وتكبر وتعيد دورة حياة آبائها.

عندما هرب جدي من قريتنا، كان هو وجدتي ووالدي، كانوا ثلاثة أفراد فقط، أما الآن، فمن يطالب بالعودة إلى القرية من نسل جدي عددهم مئة وثلاثة وخمسين فردًا، أي ثلاثة أضعاف من أخرجتموهم من القرية.. هؤلاء يصرخون مطالبين بأن يعودوا، يشعلون إطارات الكوشوك، يطيِّرون الطائرات الورقية المحملة بالزجاجات الحارقة، يصدرون أصواتًا مرعبة تزلزل الأرض والسماء وترعب بني صهيون.

وأقسم لكم أيها المحتلون الغاصبون، لو أننا استطعنا الوصول إليكم لقضمناكم بأسناننا.

حتى الأسلاك الشائكة التي تحميكم منا قطعناها بأيدينا العارية، وسنصل لكم في لحظة ما، ولن تحميكم منا أسلحتكم الحديثة الفتاكة.. فهي لا تخيفنا.. وأتمنى حينها ألّا تولوا الفرار، ولا تستنجدوا وتستغيثوا بأمهاتكم كما فعلتم سابقًا "إيما...إيما".. فقط فلتسمح لكم بقايا شجاعتكم بالبقاء وانتظارنا حنى نصلكم هذا إن كان لا يزال لديكم شجاعة ورجولة.. فإننا في طريقنا إليكم.

قد يكون ذلك الليلة، أو غدًا أو بعد غد.. حسب ما تسمح به أمزجتنا وحساباتنا.. واعلموا أنه لا فرار لكم منا.

ولنا معكم موعد لا نخلفه. إننا قادمون يا بني صهيون.