​زينة القدس الرمضانية هوية إسلامية

القدس المحتلة/ مصطفى صبري:

تتزين البلدة القديمة في القدس المحتلة بزينة رمضان التاريخية رغمًا عن اعتراضات المستوطنين، كيف لا وهي حاضنة المقدسات الإسلامية والمسيحية كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ومحضن الأسواق التاريخية؟!

الوقف الذري

عبد الله غيث صاحب مطعم "البراق" الملاصق لمدخل حائط البراق يصر على تزيين مطعمه الذي يحمل الاسم الديني لحائط البراق، يقول: "نحن هنا نواجه كل إجراءات الاحتلال العنصرية، ومع ذلك زينة رمضان لم تختفِ منذ احتلال المدينة عام 1967م، بل زادت أشكالها وصورها".

ويلفت إلى أن الزينة لم تعد مظهرًا احتفاليًّا بل أصبحت واجبًا دينيًّا يظهر مدى إسلامية المدينة، أمام حملات التهويد التي طالت أجزاء كبيرة من البلدة القديمة.

يضيف غيث: "أمام باب مطعمي اشترت المنظمات الصهيونية محلًّا قديمًا، وبعد فتحه وهدم الجدار فيه تبين وجود غرف إضافية تصل إلى سور المسجد الأقصى من الجهة الغربية القريب من قبة الصخرة".

ويشير إلى أن هذا الأمر أصابهم بالصدمة، ما دفعه إلى الإسراع في وقف المطعم "وقفًا ذريًّا" بالمحكمة الشرعية في القدس، حتى لا يستطيع أحد الاستيلاء على المطعم أو بيعه في قادم الأيام.

يفسر الوقف الذري للمطعم بقوله: "يعني أنني أستثمر المطعم دون ملكية أنا وذريتي، وهذه الوسيلة الدارجة في القدس للحفاظ على الأملاك وعدم تسريبها إلى المنظمات الصهيونية".

يتابع غيث قائلًا: "بعد هذه الصدمة لنا قررت أنا وعائلتي أن نظهر صمودًا وثباتًا في المطعم، الذي يحاول الاحتلال الاستيلاء عليه ووسمه لمستوطن"، مبينًا أن هذا المستوطن فتح مطعمًا بجانبه، وأطلق عليه "حائط المبكى" (مسعدا هكوتل)، لإغاظتهم ومنافستهم، وأنهم يحاولون إبعاد المجموعات السياحية عن المطعم لتهجيرهم.

ويلفت إلى أنهم في موسم رمضان يستقبلون الوافدين، ويقدم المطعم الوجبات للصائمين داخل المسجد الأقصى بأسعار زهيدة، وتتعاقد معهم جهات تركية تقدم وجبات إلى الصائمين، "فشهر رمضان حياة جديدة في ظل حصار طوال العام، وزينة المطعم الرمضانية لها انعكاسات إيجابية"، وفق قوله.

وفي مشهد آخر من مشاهد استقبال رمضان تزدهر أسواق القدس القديمة، فسوق القطانين المستهدفة من قبل المستوطنين في نهاية كل شهر عبري تكون مليئة بالزينة الرمضانية، وعن بُعد تظهر كتحفة فنية في غاية الجمال تجلب الزائرين إلى محالها التي تعاني من كساد طوال العام بفعل إجراءات الاحتلال.

الزينة تستفز المستوطنين

التاجر المقدسي عزام أبو خديجة يملك محلًّا لبيع الهدايا، يقول: "زينة سوق القطانين من أهم الأحداث التي نعيشها طوال العام، فالسوق تطل مباشرة على قبة الصخرة وتتصل بالطريق المؤدية إلى حائط البراق والطريق المؤدية إلى داخل البلدة القديمة، وتكون مكتظة لموقعها المميز".

ويشير إلى أن قطعان المستوطنين يحاولون منع الزينة في هذه السوق وفي أماكن أخرى، بحجة أنهم يحتفلون ببداية كل شهر عبري في السوق بحماية من شرطة الاحتلال، لكن الإصرار على الزينة يفوق اعتراضاتهم.

الخبير العمراني بشؤون القدس د. جمال عمرو يقول: "زينة رمضان في القدس هي ما تبقى من إظهار الاحتفال بقدوم الشهر العظيم، وباقي أيام السنة تنام القدس والبلدة القديمة قلب القدس المحتلة مبكرًا، وتكون كئيبة".

ويلفت إلى أن القدس من حواضر العالم الإسلامي التي لا تنام، لكن إجراءات الاحتلال والمستوطنين تجبر الأهالي والتجار على إغلاق المحال وعدم الحركة ليلًا.

وما إن يحل رمضان (والحديث لعمرو) حتى تعود الحياة من جديد، ويسارع كل مقدسي صاحب منزل أو تاجر إلى إظهار الزينة، وتكون كثافة الزينة لافتة جدًّا، وتصبح أزقة البلدة القديمة كأنها في وضح النهار، فلا ظلام فيها في شهر رمضان.

وتزدان منطقة باب العامود المطلة على طريق الواد، الشريان الرئيس للبلدة القديمة، المؤدية إلى المسجد الأقصى بزينة رمضان، رغم إجراءات الاحتلال الأمنية المشددة فيها.

رئيس لجنة أسرى القدس أمجد أبو عصب يقول: "المقدسيون يظهرون زينة في شهر رمضان في غاية الجمال، ولديهم خبرة في إخراج الزينة على الرغم من إمكاناتهم المحدودة".

ويضيف: "هذا الأمر لا يروق المستوطنين وجنود الاحتلال الذين يضطرون إلى المرور أسفل زينة رمضان وهي تعلو رؤوسهم، وفي كل مكان ينظرون إليه يرونها، وتغطي زينة رمضان شعاراتهم التلمودية وأعلامهم التي ترفع على المنازل التي استولوا عليها بصفقات بيع مزورة وتسريبات مشبوهة".

وذكر أبو عصب أن عائلات الأسرى المقدسيين تحيي ليالي رمضان في طقوس معينة داخل ساحات المسجد الأقصى، وبفعاليات مناصرة لهم عند منطقة باب العامود، مبينًا أن شهر رمضان يحيي مدينة القدس، التي تستعيد جزءًا من هيبتها التي أفقدها إياها الاحتلال منذ الاحتلال عام 1967م، والاستيطان داخل البلدة القديمة وتعكير صفو الحياة فيها.

مواضيع متعلقة: