تتجسد في موسم قطاف الزيتون

ثقافة "العونة" ما زالت حية بالريف الفلسطيني

يوسف موسم الزيتون تتحد فيه جميع الأيادي في الريف أرشيف
يوسف: موسم الزيتون تتحد فيه جميع الأيادي في الريف (أرشيف)
الجمعة, 29 أكتوبر, 2010, 20:23 بتوقيت القدس

جنين- أحمد راشد

رغم أن التكنولوجيا الحديثة وصلت إلى مراحل متقدمة في شتى مجالات الحياة، إلا أن ثقافة العمل التطوعي بين المواطنين في الريف الفلسطيني والتي تعرف بـ"العونة"، تتجسد مع موسم الزيتون كل عام في أرياف الضفة الغربية.

وتتمثل ظاهرة "العونة" في تجمع أهالي الحي الواحد في القرية لمساعدة بعضهم في قطف ثمار الزيتون، فيعملون بشكل جماعي يزيد من حجم القوى العاملة في الموسم، ويسرع إنجاز القطاف قبل مداهمة المطر للمزارعين.

ظاهرة مشرقة
ويصف المهندس الزراعي بلال يوسف من بلدة اللبن الغربية بين نابلس ورام الله تلك الظاهرة، بـ"الحضارية المشرقة التي تتجسد بصور مختلفة في الريف الفلسطيني خلال المواسم الزراعية وخاصة الزيتون". ويقول يوسف لـ "فلسطين":"إن موسم الزيتون كله بركة، حيث تتحد جميع الأيادي في الريف في بوتقة العمل الخلاق المنتج والمثمر كنموذج راق ومبدع يتميز فيه الريف الفلسطيني".

وأشار إلى أن مساعدة المواطنين لبعضهم البعض تلعب دورا كبيرا في النهضة والتطور، بصفتها "عملاً خالياً من الربح والعائد المالي". "ورغم عدم توفر أي مرجع تراثي ينسب "العونة" إلى زمن محدد، إلا أنها كسائر الظواهر الاجتماعية تبدأ بالحاجة وتتطور لتصبح حالة اجتماعية تسد الفراغ الناجم عن غيابها" كما يقول معين السيد من قرية زبوبا قرب جنين.

ويضيف السيد لـ"فلسطين": "يقوم الأفراد بـ"العونة" لصالح الجيران والأهل والمجتمع ككل، كما تأخذ أشكالا متعددة ابتداء من الأعراف التقليدية للمساعدة الذاتية، إلى جانب التجاوب الاجتماعي في أوقات الشدة وتخفيف آثار الفقر، كما تشكل أيضاً أساساً لكثير من النشاطات الممتعة والمفيدة التي فقدت في الوقت الحالي بين الناس إلا ما ندر في الريف الفلسطيني".

وعن الأسباب التي تدفع الفرد العادي للتعاون والعمل التطوعي بظاهرة "العونة" يقول الناشط إبراهيم السيد:"إن "العونة" لا تحتاج إلى دعوات وطلبات، بل تقوم على المبادرة الفردية الخيرة من قبل الشخص نفسه، ففي ظل هجمة العولمة والنزعة الفردية وتعظيم الربح كان لابد من وجود مظاهر جميلة تخفف من وطأة هجوم الفردية والمصالح الشخصية".

المزارع محمود صوالحة من قرية بيتا جنوب نابلس يقول: "تلك الظاهرة كان لها في السابق رونق ونكهة خاصة بها، وتظهر بشكل جلي وأكثر روعة من الوقت الحالي، فالناس كانوا أكثر حبا لبعضهم". من جهته، رأى سامي أبو زريق أن "العونة" هي من أفضل الأساليب التي تزرع قيم التعاون والتكاتف والروح المشتركة في الوقت الحالي، والذي افتقد المجتمع الفلسطيني جزءاً منها بسبب الاحتلال والغزو الثقافي وعوامل أخرى كثيرة.

ويصف أبو زريق وهو أحد المزارعين ويملك أكثر من 120 دونما من الزيتون جنوب نابلس "العونة"، بأنها "جمعة خير وبركة وتزرع المحبة بين المواطنين سواء أكانوا من المزارعين أو العمال أو حتى الفقراء والمحتاجين".

وتابع: "إذا كان لدى المزارع الكثير من الزيتون لقطفه يقوم المواطنون بمساعدته في قطفه، وحتى في المواسم الأخرى مثل: الحصيدة أو جمع القش أو الكثير من الأعمال التي تحتاج إلى تعاون الجميع".

مبادرة ذاتية
أحد المتطوعين ويدعى جميل حسان من عقربا جنوب نابلس، يقول:"إن دافعه للمشاركة في قطف الزيتون، كان ذاتيا ومن دون أن يطلب منه أحد ذلك، بل إنه حث العديد من معارفه على المشاركة في المساعدة لما فيها من صحبة طيبة ومواقف نبيلة وتعاون مشترك ومحبة بين الأهل والأصدقاء والأصحاب وأهل البلد الواحد".

ويعتبر حسان لقاء الأصدقاء والأصحاب "فرصة لا تعوض في جو من المرح والتعاون والذي له نكهة خاصة لا يعرف لذتها إلا من ذاق طعمها"، بحسب وصفه.

ويرى علي صادق من بلدة قراوة أن ظاهرة "العونة" هي من أفضل الأعمال التي ترسخ قيم التعاون المتكامل لخير المجموع، وهي تساوي بين الرجل والمرأة بأبهى صورها، مما يعزز الإنتاج ويقلل كلفة جمع المحصول. ويشير إلى أن تلك الظاهرة تمثل جانبا مشرقا ومضيئا من نظام العادات والتقاليد في المجتمع الفلسطيني، وهي إحدى الطرق التي تخفف حدة المشاكل والخلافات وتجمع ولا تفرق.

المصدر: صحيفة فلسطين