غزة- نور أبو عيشة
يعتمد الحاج السبعيني "سعيد أبو نقيرة" لضبط معدّل السكّر في دمه، إلى حقن نفسه بحقن الأنسولين بعدد من المرات يتراوح بين اثنتين وثلاث، وعلى الرغم من نصيحة الطبيب المختص له بعدم الصيام خلال شهر رمضان المبارك خوفاً من "هجمة سكر" مباغتة، لم يأخذ الحاج أبو نقيرة بها وأصرّ على صيام الشهر كله.
.
مضى اليوم الأول بسلام حتى قبل ساعةٍ فقط من أذان المغرب، إذ بدأ العرق يهطل من جبين أبو نقيرة، وأصابه دوارٌ أرداه صريع الفراش، ناهيك عزيزي القارئ عن الرجفة المتواصلة، والتغير في معدل خفقات القلب!! بسرعة، انطلق ابنه البكر يطلب جارهم الطبيب، حتى إذا جاء الأخير أوصى بإفطار مريضه فوراً، ومنعه من صيام يومين متتالين بعد هذا اليوم.. ولكن.. هيهات مع الحاج سعيد..
الحاج سعيد، يعاني بالإضافة إلى مرض السكري من قصورٍ في وظائف الكبد، جعلت من مسألة صيامه مستحيلة، إلا في رأسه "العنيد" –كما يصفه أبناؤه- إذ وعلى الرغم من رفضه الاستيقاظ لتناول وجبة السحور، قرر صيام اليوم التالي "وما من أحدٍ نطق ببنت شفة خوفاً من عصبيته الشديدة"، واستمر كذلك حتى منتصف النهار، فحدث ما لم يكن في الحسبان.. "أصابته غيبوبة سكّر" يطلق عليها العوام اسم "كومة".. وبدأت رحلة تعبٍ وعلاج، لم يُفِق منها الحاج إلا بعد أيامٍ ثلاثة..
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه.. هل كلُّ مرضى السكّر ممنوعون من صيام رمضان؟، وإن كان هناك حالاتٌ مستثناة فمن هي؟ وما النظام الغذائي الواجب على مريض السكّر اتباعه حتى يضمن ليومه صياماً لا تعب فيه ولا نصب؟ هذه الأسئلة نجيب عنها ضمن التقرير التالي
مدمنة كوكاكولا
وقبل الخوض في الحديث الموسّع عن مادة تقريرنا، كان لا بد من تعريف مرض السكّر، وهو يعني أن يحدث ارتفاع في مستوى سكر الدم نتيجةً لعدم إفراز الأنسولين أو إفرازه بكميات قليلة، أو عدم وجود مستقبلات للأنسولين الضروري للتمثيل الغذائي للكربوهيدرات في الدم، مما يؤدي إلى زيادة نسبة السكر فيه.
ومثل ما حدث مع صاحبنا أعلاه، أصيبت الأربعينية خضرة المصري، بـ "كومة سكّر" لسببٍ مغاير، فقد ابتليت بداء السكر قبل عامٍ فقط، وكانت قبل ذلك مدمنة على شرب المشروبات الغازية، وحين أتى رمضان، أبت إلا أن تكتفي بثلاثة أكواب من "الكوكاكولا" كسحور في اليوم الأول من أيام الصيام، مما أفضى بها إلى ذلك الحال..
الطبيب المختص أخبرها أن وجبة السحور من أساسيات صيام مريض السكر، ومن الضروري أن تكون متكاملةً بحيث تحتوي على نسبٍ من كل من الكربوهيدرات والبروتين، والخضروات، وقليلٍ من الدهون والسكر، إضافةً إلى بضع حبّاتٍ من التمر (ثلاثة كما السنّة)، وأوصاه بضرورة الابتعاد عن المخللات كونها تحتوي على نسبة عالية من الأملاح، الأمر الذي سيسبّب عطشاً شديداً طوال نهار الصيام.
رئيس قسم الغدد الصماء والسكري بمجمع الشفاء الطبي، الدكتور سامي العيسوي، عدّد مرضى السكّر الممنوعين من الصيام البتة خوفاً من تدهور حالتهم الصحية، فقال :"هم المرضى الذين عانوا من حدوث نوبات ارتفاع أو هبوط في السكر قبل رمضان بما يعادل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى المرضى الذين يعتمدون على حقن الأنسولين في تعديل مستوى السكر، والذين كان مستوى السكر لديهم غير منتظم، ومخزون السكر أعلى من معدله الطبيعي، والسيدات الحوامل"، مضيفاً إليهم أولئك المصابين بأمراض مزمنة، إضافة إلى السكر كالربو الشعبي والسرطان، وحصوات الكليتين.. وغير ذلك.
أما بالنسبة للمرضى المسموح لهم بالصيام، فأوضح د.العيسوي أنهم ذوو مستوى السكر المستقر، والملتزمون بالعلاج الذي هو عبارة عن أقراص فموية وحمية غذائية، معتبراً أنهم لا يملكون "أسباباً موجبة للإفطار".
المسموح والممنوع
وأوصى مريض السكري بتناول الغذاء الكافي المتنوع في الوقت ذاته، "فالحمية الغذائية لا تعني حرمان المريض من الطعام بل اختيار وجبة غذائية متزنة وصحية"، قائلاً :"المجموعات الغذائية مختلفة، منها ما هو مسموح بأن يتناوله المريض بحرية، ومنها ما هو مسموح بشكل معتدل، وهناك ما يجب تجنبه".. وقد فصّل كل واحدةٍ على حدة.
فالمجموعة الأولى تتكون من الأغذية التي يمكن للمريض تناولها بحرية، وتشمل :"اللحوم الحمراء، الأسماك، الدجاج، الأجبان البيضاء، شوربات الخضار غير الدسمة، الخضار بأنواعه الطازجة والمطبوخة، عصائر الطماطم والليمون وجريب فروت، بالإضافة إلى القهوة والشاي (بمحليات صناعية سكارين)"...
أما المجموعة الثانية فهي تختص بالأغذية المسموحة بكميات محدودة كـ(الخبز ويفضل الأسمر، والبطاطا، والأرز، والمعكرونة، والشعرية، والبرغل، والفريكة، والعدس، والبازيلاء، والفاصولياء والفول والحمص، والفواكه الطازجة وتكون في فترة ما بين الإفطار والسحور)..
أما الثالثة فقد ركّز فيها د.العيسوي على الأغذية غير المسموح بتناولها مطلقاً من قبل مريض السكري وتشمل (السكر، العسل، المربى، العصائر المحلية، المشروبات الغازية، ومنها الدايت، الأيس كريم، الشوكلاتة، الفواكه المعلبة، الحلاوة الطحينية، المكسرات "يمكن تناول قطعة من القطايف بدون عسل").
نظام متّزن
وقدّم د.العيسوي، نظاماً غذائياً متكاملاً إن اتبعه مريض السكري ضمِن صحته طوال الشهر، ففي وجبة الإفطار (والحديث له)، على المريض بالبدء بحبة تمر أو حبتين، مع مراعاة عدم البدء بشرب المياه المثلجة أو العصائر المثلجة، حيث تؤدي هذه السوائل إلى عسر في الهضم أو صدمة للمعدة، ثم يتناول المريض الأطباق المحتوية على سلطة الخضار المتنوعة بما قيمته (130) سعرة حرارية، أو طبق خضار مطبوخة قيمته (200) سعرة حرارية + "شريحة لحم، دجاج، أو سمك" بقيمة (100) جرام، ونصف رغيف خبز (أسمر أو نخالة) أو 10 ملاعق أرز كبيرة أو برغل بقيمة (270) سعرة حرارية.. وفي الفترة ما بين الإفطار والسحور يتناول المريض ما قيمته (100 جرام) من الفاكهة.
أما بالنسبة لوجبة السحور-حسب د.العيسوي- فيفضل تأخيرها قدر الإمكان حتى لا يشعر المريض طول نهاره بالجوع، ويفضل أن تتضمن الوجبة نصف رغيف خبز(200) جرام بقيمة(270) سعرة حرارية، وكوب شاي(مضاف إليه سكارين)، بيض أو فول أو حمص (خمس ملاعق كبيرة) بقيمة(80) سعرة حرارية، كوب لبن (60) سعرة حرارية، وسلطة خضار متنوعة (130) سعرة حرارية.
وأشار د.العيسوي إلى أن مجموع السعرات الحرارية (الإفطار+السحور) حوالي (1480) سعرة حرارية، ويفضل الابتعاد قدر الإمكان عن اللحوم الذهنية المحمرة والمقلية التي تهيج المعدة، وتؤدي إلى عسر الهضم.
مجموعات علاجية
وأكد د.العيسوي حاجة مريض السكري الدائمة إلى مراجعة الطبيب المختص للتأكد من معدل السكر في دمه، ولإعطائه الجرعات الدوائية المخصصة له، موضحاً د.العيسوي وجود بعض الاحتياطات اللازمة لتجنب بعض المخاطر، وإدخال بعض التعديلات على العلاج خلال الشهر الكريم "ضماناً لعدم حدوث أي مضاعفات مؤذية للمريض"... وفي ذلك –تبعاً له- خمس مجموعات..
الأولى تختص بالمرضى الذين يعالجون بالحمية الغذائية فقط.. وهؤلاء باستطاعتهم الصوم دون أن يكون هناك أي عائق صحي، بالإضافة إلى كون ذلك فرصة لمن يعانون زيادة في الوزن أو السمنة لإنقاص وزنهم والحفاظ على أنواع وكميات الطعام الموصوفة لهم قبل شهر رمضان، وذلك عن طريق تقسيم الطعام إلى ثلاث وجبات متساوية (الإفطار، السحور، وما بينهما) مع المحافظة على النشاط اليومي كالمعتاد، وأخذ قسط من الراحة في فترة ما بعد الظهر..
أما الثانية فتُعنى بالمرضى الذين يعالجون بالحمية الغذائية وأقراص (الجلوكوفاج) (الحبة الكبيرة).. فإذا كان المريض يتناول قرصاً واحداً، فعليه تناوله بعد الإفطار مباشرة، أما إذا كان يتناول قرصين أو ثلاثة فعليه تناول قرص بعد الإفطار مباشرة، وقرص بعد السحور مباشرة (أو أثناء الأكل)، ويوجد أنواع جديدة من العلاج يضاف لـ (الجلوكوفاج) تساعد في تحسين مستوى السكر وعدم التعرض لهبوط السكر مع المحافظة على الوزن خلال وبعد انتهاء شهر رمضان.
أما المرضى الذين يُعالجون بأقراص (الداونيل) (الحبة الصغيرة).. فعلى من يأخذ منها قرصاً واحداً (بالعادة قبل رمضان) تناوله قبل الإفطار مباشرةً بعد أذان المغرب، أما إذا كان يتناول (اثنين) واحداً في الصباح، وآخر مساءً قبل رمضان، فعليه تناول قرص قبل الإفطار و تناول نصف قرص قبل السحور، مع متابعة قياس مستوى السكر عند الظهر، "فإذا شعر بهبوطه عليه بعد ذلك إيقاف الدوانيل على السحور، أما إذا كان يتناول قرصين (داونيل) صباحاً وآخرين مساءً فعليه في رمضان تناول القرصين قبل الإفطار، وقرص قبل السحور (تخفيض جرعة المساء) مع متابعة قياس السكر عند الظهر.. "فإن كان منخفضاً عليه إيقاف جرعة السحور".
وعقّب د.العيسوي قائلاً :"أما المرضى الذين يعالجون بتناول علاج مشترك (الدوانيل والجلوكوفاج).. فليتناولوا في رمضان قرص (داونيل) قبل الإفطار، وقرص (جلوكوفاج) بعد السحور".
جرعات الأنسولين
وعن المرضى الذين يعالجون بحقن الأنسولين.. قال :"إذا كان المريض يأخذ جرعة واحدة من الأنسولين حوالي (40) وحدة من المخلوط (30/70)، فبإمكانه الصوم، وعليه أن يأخذ الجرعة مباشرة قبل الإفطار حتى لا يحدث معه هبوطٌ مفاجئ وسريع"، متابعاً :"فحقنة الأنسولين لا تفطر، ويمكن أخذها قبل آذان المغرب بفترة قصيرة، وإذا كانت الجرعة الواحدة من الأنسولين مشتركة مع أقراص فموية خافضة للسكر (داونيل، وكلوكوفاج)..
هنا يؤخذ في رمضان حسب الجرعات، فإذا كان المريض تناول جرعة أنسولين واحدة فيتناولها قبل الإفطار مباشرة، وإذا كان يتناول (داونيل) يفضل عدم تناوله على السحور، أما إذا كان القرص (جلوكوفاج) فيتناوله بعد الإفطار أو السحور، أو بعد الإفطار وبعد السحور حسب وصف الطبيب له قبل الصيام".
وشدد على أن المرضى الذين يعالجون بأكثر من جرعة أنسولين يومياً، هم من أصحاب الحالة الصحية المتقدمة، "وكذلك الذين يحقنون الأنسولين عن طريق مضخة الأنسولين"، وينصح لهم بعدم الصوم خوفا من هبوط أو ارتفاع مفاجئين في مستوى الدم، تؤدي إلى غيبوبة –وشرعاً مرخّصٌ لهم بالإفطار-، أما إذا صمموا على الصوم فعليهم مراجعة الطبيب المعالج لإجراء التعديلات على جرعة الأنسولين.
ونصح د.العيسوي مرضى السكري بمتابعة قياس مستوى السكر في الدم في الأيام الأولى، وبعد ذلك أسبوعيا، أو عند الشعور بأي تغيرات لضبط العلاج خلال نهار رمضان بغية صيامٍ آمن.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





