غزة- هدى بارود
لطالما كان عمل الأطفال مرفوضا في كُل مجتمعات الأرض وجماعاتها، خاصة أن من يعمل هم دون السن القانونية، وعملهم بالضرورة يحرمهم من التمتع كأقرانهم بطفولتهم، ويحرمهم كذلك من ذكرياتها، وربما يؤسس لمستقبل مظلم يضطر الأطفال لعراكه، ويحول حياتهم إلى "هلاك".
قطاع غزة كحال المجتمعات الأخرى، خاصة ذات الوضع الاقتصادي السيئ، الذي يضطر بعض أطفاله للعمل مساندةً لآبائهم ودعما لاقتصاد عائلاتهم المتدهور، وأحيانا يكون عملهم ظلما وتعسفا، إذ يتاجر بعض الآباء السيئين بأطفالهم، فيعمل الصغار.. ومن بعيد يراقبهم الكبار.
"فلسطين" في رحلة إلى "الشارع" قابلت عدداً من الأطفال العاملين، سألتهم عن تجربتهم في تحمل المسؤولية، وتبعاتها، خاصة في شهر رمضان حيث يصوم أكثرهم، ويتحمل رغم صيامه حر الصيف الشديد منذ الصباح حتى منتصف الظهيرة، ويُحرم من تأدية العبادات التي يؤديها أقرانهم هذا الشهر، ويحرم كذلك من تعلم العبادات الصحيحة في رمضان.
يتمنى قراءة المصحف!!
محمد الزرد واحدٌ من أولئك الذين قابلتهم "فلسطين" تسألهم عن قدرتهم في تحمل حر الصيف الحارق وعطش الصيام، إذ إنه وشقيقه الصغير يفردان على أرض إسفلتٍ مقابل مجمع أبو خضرة الحكومي قطعة من النايلون الأصفر، تصفُ عليها بترتيب بعضُ المفكات الكهربائية والأباريز البلاستيكية.
الزرد ذو السادسة عشرة يَخطُ في وجهه شارب صغير، ويتحدث بصوتِ هو أقرب للتمازج بين النعومة والخشونة عن تجربته الطويلة في الوقوف خلف "بسطة" القطع الكهربائية يبيع منها قدر استطاعته يوميا، فلا يرهق نفسه كثيرا، خاصة في رمضان، إذ يقول:" أبدأ يومي في التاسعة صباحا وأغادر الرابعة عصرا، وطوال اليوم على هذا الحال، أقف أمام بسطتي أنتظر المشترين، إلى أن ينتهي يومي وأغادر".
لم يكلف الله الطفل بالعبادة، فكيف نكلفه نحن بالعمل.. عمل الأطفال في رمضان وغيره خطأ يجب إيقافه وعلى الحكومة والمؤسسات الأهلية البحث عن المحتاجين وسد حاجتهم
د. سليمان السعودي
الزرد تعلم حتى الأول الإعدادي، ولأنه لم يكن جيداً كفاية بالمدرسة امتنع عن الذهاب لها، وتعلم حرفتي السباكة والحدادة، وعمل في كل منهما عاما واحدا، ولأن "مُعلميه" كانوا مستغلين رفض أن يتابع معهما مستعيضاً بمهنة والده في بيع القطع الكهربائية، ولأنه لا يجيد القراءة العربية بالصورة الصحيحة كان يعزف عن دخول الجامع ومشاركة أقرانه بحلقات الدين وتعلم القرآن.
يقول بحُرقة:" أتمنى أن أقرأ القرآن من مصحف، وأدعو الله أن أحفظ من القرآن لو جزءاً واحدا".. صرح الزرد برغبته في تعلم القراءة وحفظ آيات الله لواحد من شيوخ مسجد حيه، الذي يزوره يوميا لأداء صلاتي العشاء والتراويح، فوافق الشيخ على طلبه وسيباشر معه التعلم الجمعة القادمة، وفق قوله.
مسؤولية ثقيلة ألقيت على كتف الزرد، وإحساس بالرجولة نما داخله قبل أوانه، فهو وإن كان يشكو من حر الشمس والعطش اللذين يلازمانه طوال فترة عمله، إلا أنه رفض فكرة الراحة في البيت التي أشرنا بها عليه، فرد واثقا :" الرجال يَملون الجلوس في البيت فكيف لي أن أجلس فيه"، رغم ذلك "يغار" من أقرانه الذين يعيشون حياتهم طبيعية فيرتادون المدارس ويتعلمون القراءة ويحصلون على شرفِ الوظيفة الجيدة لما يكبرون.
رجلٌ يراقبه "والده"!
الزرد يعمل بطوعه، على خلاف جاره في العمل والذي رفض ذكر اسمه الحقيقي مفضلا مناداته بـ"محمود"، إذ يعمل محمود تحت رقابة والده الذي منعه من إتمام دراسته بعد المرحلة الابتدائية لفشله فيها، وأجبره على العمل أكثر من مرة في أكثر من مكان، حتى اشترى له قبل رمضان بعض أطقم الزجاج وأجبره على بيعها، وحتى لا يهرب من مهمته، راقبه من بعيد.
يقول:" تعودت قليلا على العمل في الحر الشديد، وأتحمل العطش والجوع، لأني مجبر على التحمل".. بسطة محمود تستلقي تحت ظلِ شجرة خارجة فروعها من سور مجمع الوزارات، يجلس هو في المنطقة الأكثر "ظلا".
رفض في بادئ الأمر الطفل ذو الرابعة عشر التحدث معنا بحجة أنه لا يعرف التعبير، ولكن بعد مضي عشر دقائق من المحاولة وافق، وهنا طالبنا بقليل من الاستهتار بكيس "طحين"، أو بعض المال، وصار بعدها ينادي زملاؤه ويرشح لنا منهم من يستطيع التحدث إلينا.
لم يكن رفض محمود لقاؤنا لعجزه عن التعبير وفق ما أخبرنا، ولكن لأن والده كان يراقبه تلك الفترة، وبعد رحيل والده تكلم بحذر عن مشكلته والتي هي باختصار، عائلته تعاني الكثير من المشاكل المادية، ووالده عنيد ويرفض أي عمل مهما كانت طبيعته، مما اضطر الصغير وتحت إلحاح وإجبار والده لأن يعمل ليسد فراغاً واسعاً في عائلته، ويقطع بالقليل من المال يد الحاجة التي تمدها والدته للناس، رغم أنه لا يعرف الكثير عن العبادات الرمضانية وأهميتها، ولا يرتاد الجامع أيضا.
وفي قصة تختلف أحداثها عن قصة محمود، كان الطفل سلمان أنور ذو الحادية عشرة يقف أمام محلِ ملابس أطفال، يحرس شماعة كبيرة عُلق عليها خارج المحل القليل من قطع الملابس.
بعينيه الخضراء الصغيرة الحائرة وحركاته المتشتتة استقبلنا يسألنا حاجتنا، ولما أخبرناه أن "صحيفة فلسطين" ستجري معه لقاء، لم يتردد ولم يخف، وقال مجيبا عن أسئلتنا:" أعمل مع والدي لمساعدته، ولتضييع وقتي قبل أذان المغرب".
أنور خجول وطيب، ويحفظ عددا لا بأس به من آيات القرآن الكريم، ويُرافق والده لصلاة العشاء والتراويح، وصلاة الجمعة، ويشعر أن عمله طريقُ تربية صحيح.
يصاب الأطفال العاملون في رمضان خاصة بحالة نفسية تتجاوز التعب النفسي إلى كره الشهر المبارك والانحراف فيه، فلابد أن تتكاتف جهود العائلة والمسجد في تعليمهم قيم وأفضال رمضان
د. فتحية اللولو
الله عافاه من العبادة..
أستاذ الفقه المقارن في جامعة القدس المفتوحة سليمان السعودي رفض ومن وجهة نظر شرعية عمل الأطفال بالمطلق، قائلا :" لم يكلف الله الطفل بالعبادة، فكيف نكلفه نحن بالعمل"، مشيرا إلى أن عمل الأطفال نقطة سوداء في المجتمع الإسلامي الذي يجب أن يراعي فيه غنيهم فقيرهم، فلا يضطر الأطفال للعمل بحجة توفير المال لنفقات عائلاتهم.
وقال:" عمل الأطفال في رمضان وغيره خطأ يجب إيقافه، وعلى الحكومة والمؤسسات الأهلية البحث عن المحتاجين من العائلات وسد حاجتهم، خاصة في شهر رمضان الذي أوصانا الله بالفقراء فيه".
ونبه السعودي إلى أن بعض العائلات تعتبر عمل الأطفال "منحة وواجباً" يجب أن تتشارك العائلة ريعه، وتراقب عمل الأطفال فيه، مؤكدا أن واجب الأفراد والحكومات والمؤسسات لا يتوقف عند الدعم المالي فقط، بل يتجاوزه إلى آخر معنوي وتأهيلي.
ولفت الانتباه إلى أن بعض العائلات والآباء بالتحديد يعقون أبناءهم، بإجبارهم على العمل في سن صغيرة، يحرمونهم خلالها من متعة الطفولة وراحتها.
وفي السياق ذاته أشارت دكتورة علم النفس في الجامعة الإسلامية فتحية اللولو إلى الحالة النفسية التي يمكن أن يصاب بها الأطفال العاملون تتجاوز التعب النفسي في شهر رمضان إلى كره الشهر المبارك والانحراف فيه، حيث قالت:" يرتبط التعب في أذهان الأطفال العاملين بالصوم والوقوف بالحر في شهر رمضان، الأمر الذي يجعلهم إما يفطرون أو يكرهون الشهر، مما يجعلهم غير قادرين على تعلم إيجابيات الصوم وخيراته".
وأضافت :" تختلف ردود فعل الأطفال العاملين وفق سبب عملهم، فمن يُجبر منهم عليه تكون حالته النفسية أكثر سوءا من ذلك الذي يعمل بوعي وإحساس بالمسؤولية، وكلاهما يُحرم من حقه الطبيعي في حياة طبيعية"، مشيرة إلى أهمية تكاتف جهود العائلة والمسجد في تعليم الأطفال قيم وأفضال رمضان، حتى لا ينشأ جيل كاره له، ومغصوب على الصيام فيه.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





