محمود عبد الرحيم
ينطبق قول الشعر العربي القديم "ما نرانا نقول إلا معاداً أو مستعاراً من لفظنا مكرور"، على مسلسلات رمضان المصرية، فيكاد يكون غالبية المعروض على الشاشات، ليس سوى إعادة إنتاج واستنساخ لأعمال سابقة لذات المؤلف أو لآخرين، مع تغييرات شكلية غير جوهرية، لا تخرج عن الفكرة السالف طرحها، وذات المعالجة الدرامية المفتقرة للجاذبية والجدة، والمضمون الهزيل المحمل غالبا بقيم سلبية، فضلاً عن غياب رؤية ذات أبعاد فكرية و جمالية، والدوران في فلك الأفكار المستهلكة، دون عمق، أو اقتراب حقيقي وجدي من الواقع المعاش أو تعبير صادق عن الجماهير، وهمومها وتطلعاتها ، بطريقة مبتكرة، وعلى نحو يثير الوعى العام، أو حتى يحقق متعة للمشاهد.
إذ يتعاطى مؤلفو ومخرجو الدراما التليفزيونية المصرية مع المسلسلات الرمضانية بمنطق بائعي البضاعة المغشوشة، التى يظنون أن أحداً لن يلتفت إلى جودتها، ولن يردها مهما كانت سيئة، وسط زحام العروض، بعد أن تحول رمضان لسوق مكتظ بالبرامج والمسلسلات، وموسم لطرح الكثير من الغث والقليل من السمين، خاصة مع التزايد المطرد في عدد المحطات التليفزيونية، وامتداد البث الملتهم لكل شيء وأي شيء على مدار الساعة.
ويسير غالبية صناع الدراما المصرية للأسف، وفق قواعد نمطية، سادت خلال السنوات الأخيرة، حيث يتم التعامل مع الدراما باستسهال، واعتبارها سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، والربحية العالية، والدعاية والتسويق هما المحك، بصرف النظر عن كونها فناً رفيعاً ذا رسالة اجتماعية وثقافية مؤثرة، ولذا صارت تدور في دائرة محدودة من الأفكار المستهلكة الأقرب إلى الـ"كليشيهات"، وسط مواقف مصطنعة معتادة تفتقد لقانون التطور الدرامي والإيهام الفني، واللجوء إلى استعراض مانشتات الصحف، خاصة في قضايا الرأي العام، واعتبارها كفيلة بلفت الأنظار، مع حشد كم هائل من الممثلين المشاهير والمغمورين، دون ضرورة سوى ملء الفراغ واستهلاك مساحة أوسع في مشاهد وأدوار تربك إيقاع العمل، وتصيبه بالترهل، ومن ثم فقدان الجاذبية، وتسريب الشعور بالملل سريعا للمشاهدين.
بالإضافة إلى الهروب إلى الماضي، سواء بإعادة إنتاج الأعمال، التى سبق عرضها سينمائيا، أو التركيز على حقب تاريخية سالفة، بنوع من الحنين المريض، الذي يشوه التاريخ، وينتصر لشخصيات لا قيمة، ولا تأثير لها في حياة الأمة، سوى بشكل سلبي مؤلم، بدلا من الإحتفاء بقامات سياسية وفكرية وعلمية، تصلح كقدوة صالحة بمنجزها وكفاحها الجدير بالتذكر، لا هؤلاء الفاسدين المفسدين، وسيرتهم غير الحسنة الفضائحية.
وللأسف، لم ينقذ هجرة عديد من مخرجي السينما إلى التلفزيون، هذا الوضع المزري للدراما التلفزيونية، أو بالأحرى حالة "الإفلاس الدرامي"، ولم يمثل تواجدهم الكثيف عاماً بعد عام أية إضافة، لأسباب نعرفها جميعاً، أبرزها مسايرة شروط شركات الإنتاج والإعلان، من صناعة دراما، يتم كتابة معظمها خصيصاً لأسماء فنية بعينها، والرهان على اسم النجم وحده لضمان الجماهيرية للعمل، ومن ثم ضمان توزيع أكبر، وعائد إعلاني طائل، فضلاً عن ضرورة ألا يقل عدد الحلقات عن الثلاثين، حتى لو كانت الفكرة المعالجة لا تستاهل كل هذه المساحة، ما أستلزم سيادة الحشو والتطويل، وإفساد الحبكة الدرامية، بإضافة أحداث وشخصيات، لا ضرورة فنية لها.
ويرتبط بهذا السياق الإنتاجي، والنظرة الاستهلاكية للدراما، والتعاطي مع المتفرج بالأساس كهدف أو عميل مرتقب للسلع والخدمات، نمط المشاهدة الشاذة الذي فرضه التغول الإعلاني على صناعة الدراما التليفزيونية، بالقطع المتواصل بعد كل مشهد لإذاعة سيل من الإعلانات، للدرجة التى تبادلت الأعمال الدرامية الأدوار مع الإعلانات، فصارت تلعب دور الفواصل بين الإعلانات، وليس العكس، حتى القنوات أو الأوقات، التى تندر فيها الإعلانات، تواصل فيها هذا النهج، بإذاعة تنويهات عن مسلسلات أو برامج أخرى، لشغل هذه المساحات الإعلانية، التى باتت هي الأصل، والدراما أشياء ثانوية، أو كما يقال لزوم الشيء.
بالإضافة إلى محاصرة المشاهد بكم هائل من الأعمال السخيفة والتافهة والمملة، التى تُسمى خطأ بـ"الكوميدية"، والتي لا يجوز تصنيفها كدراما من حيث الأصل، لأنها أقرب ما تكون إلى اسكتشات المهرجين في الملاهي الليلية، بوصلات الضحك المسجلة المفتعلة، والمواقف الساذجة المنفرة.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





