بيت لحم/ فلسطين
يعتبر مسجد عمر بن الخطاب أحد أهم المعالم الإسلامية التاريخية في محافظة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، ويستمد أهمية فريدة من الموقع الذي أنشئ فيه، وسط المدينة كمعلم إسلامي بارز. ويستوحي المسلمون من اسم المسجد معاني رسخها خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في زيارته إلى بيت المقدس وما حملت من أسس العلاقة الإسلامية المسيحية واقعًا على الأرض.
وتعد مدينة بيت لحم من المدن التاريخية التي تكتسب بعدًا مهمًا في نظر الأديان لما فيها من مقدسات إسلامية ومسيحية ترقبها عيون العالم بأسره وتأسر أفئدة آلاف السياح إليها لزيارة معالمها والاطلاع على تاريخ مضى وترك آثارًا باقية.
تآخٍ ومحبة
وفي بيت لحم؛ تحكى حكاية مهمة عن علاقة إسلامية مسيحية يرسمها عناق جميل بين مسجد عمر بن الخطاب وكنيسة المهد التي لا تبعد سوى أمتار عن المسجد الذي يقابلها ويحتضن معها كل زوار المدينة في ساحة يطلق عليها اسم "ساحة المهد".
ولم يقف الحد عند ذلك الأمر، إذ إن المسجد سمي بهذا الاسم تيمنًا بصانع وثيقة السلام والتعايش بين الإسلام والمسيحية في فلسطين وصاحب العهدة العمرية التي ارتبطت بتميُّز العلاقة، فلا غريب أن يكون اسم المسجد عمر بن الخطاب.
ويرجع تاريخ بناء المسجد إلى عهد الخليفة الثاني قبل 1400سنة هـ، وقد تم تجديد بنائه القائم الآن منذ عام 1957. ويقول إمام المسجد الشيخ ماهر عساف: "إن مسجد عمر وكنيسة المهد في بيت لحم يمثلان صورة مشرقة للتعايش الإسلامي المسيحي بين أصحاب الديانات".
ويضيف عساف لـ"فلسطين": "تقابل تلك الصورة الرائعة التي يصنعها تقابل المسجد والكنيسة تَقَابل آخر في مدينة القدس المحتلة بين مسجد عمر هناك وكنيسة القيامة".
ويعتبر مسجد عمر بن الخطاب، المسجد الوحيد الذي تحتضنه المدينة القديمة وسط أبنية تراثية ومساكن وأسواق قديمة، حيث إن المسجد وكنيسة المهد يشكلان المركز الحيوي والتاريخي والسياحي في المحافظة.
أبناء الديانتين المسيحية والإسلامية عاشوا في بيت لحم بروح من الإخاء والتعاون وحرية كاملة في ممارسة الشعائر الدينية
الطويل
ويتكون المسجد من ثلاثة طوابق، العلوي يحوي المسجد، والأوسط يضم مرافق المسجد والمتوضأ إضافة إلى المحكمة الشرعية التي تقتطع جزءًا منه، بينما يوجد في الطابق السفلي محلات تجارية. ويرمز إلى المسجد بالنخلتين الطويلتين اللتين تقفان بشموخ أمام بابه.
يؤرخ للمدينة
ويقول أستاذ التاريخ في جامعة القدس نهاد الطويل: "إن مسجد عمر بن الخطاب يقدم سيرة بيت لحم الذاتية، ويؤرخ للمدينة التي دخلت تحت الحكم الإسلامي في سنة 648 هـ وزارها الخليفة عمر بن الخطاب وصلى داخل كنيسة المهد".
ويضيف الطويل لـ"فلسطين": "إن أبناء الديانتين المسيحية والإسلامية عاشوا في بيت لحم بروح من الإخاء والتعاون وحرية كاملة في ممارسة الشعائر الدينية"، مبينًا أن زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد 786-809، وزمن الدولة الفاطمية 952-1094 من أكثر العهود ازدهاراً بالنسبة لبيت لحم.
ويشير إلى أن ازدهار بيت لحم في العهد الإسلامي أصيب بانتكاسة بعد دخول المدينة تحت الحكم الصليبي، لافتًا النظر إلى تدمير المدينة وإحراقها في 6 حزيران/ يونيو عام 1099 حين دخلها الجيش الصليبي بقيادة تنكرد، ولم يتبق من المدينة آنذاك إلا كنيسة المهد.
ويوضح أن الحكم الصليبي لبيت لحم دام حتى عام 1187، حيث عادت المدينة بعد ذلك إلى أصحابها بعد انتصار المسلمين بقيادة القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في معركة حطين.
ويرجح الطويل ذلك استنادًا إلى مراجع تاريخية مختلفة، أن تكون مدينة بيت لحم قد عادت إلى حكم الصليبيين عام 1229م بموجب الاتفاقية التي وقعت بين ممثلي الخليفة الكامل فخر الدين وأمير أربيل صلاح الدين وممثلي الإمبراطور فريدريك.
وفي عام 1244 –بحسب الطويل- تمكن المسلمون بقيادة نجم الدين من استعادة المدينة بشكل نهائي، ودخل بعدها الظاهر بيبرس المدينة عام 1263 ودمر أبراجها وهدم أسوارها، وفي عام 1517 دخلت المدينة تحت الحكم العثماني.
بعد تطور وسائل النقل والمواصلات تحولت المدينة إلى مركز جذب مهم للحجاج القادمين من أوروبا وانعكست آثاره على الأوضاع في المدينة وازدهرت صناعة الصوف والخزف وغيرها إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية دفع بالكثير من أبناء المدينة إلى الهجرة
ويقول: "بعد تطور وسائل النقل والمواصلات تحولت المدينة إلى مركز جذب مهم للحجاج القادمين من أوروبا وانعكست آثاره على الأوضاع في المدينة وازدهرت صناعة الصوف والخزف وغيرها إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية دفع بالكثير من أبناء المدينة إلى الهجرة".
ويضيف الطويل: "إن بيت لحم دخلت مع باقي مدن فلسطين تحت النفوذ البريطاني بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى عام 1917 واتخذها الإنجليز مركزاً لضرب الثوار الفلسطينيين الذين قاوموا الاحتلال الإنجليزي والعصابات الصهيونية".
ويشير أستاذ التاريخ في جامعة القدس إلى نشوب معركة كبيرة بين الثوار الفلسطينيين والمستوطنين الذين ضموا 250 عسكرياً و54 سيارة تدعمهم 4 مصفحات، في 27 مارس عام 1948 في موقع الدهيشة ببيت لحم، وتمكن الثوار الفلسطينيون خلالها من التغلب عليهم وأجبروهم على الاستسلام.
وفي أعقاب حرب عام 1948 وإجبار أكثر من مليون فلسطيني على الهجرة من ديارهم، لجأ إلى المدينة قرابة الخمسة آلاف استقروا في ثلاثة مخيمات هي الدهيشة وعايدة والعزة. وفي عام 1949 دخلت بيت لحم تحت الحكم الإداري بعد توقيع اتفاقية الهدنة لعام 1949، واستمرت كذلك حتى عام 1967 عندما وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





