لمى خاطر
كان متوقعاً بالنسبة لأي متابع للشأن الفلسطيني أن تفقد أجهزة فتح في الضفة صوابها عقب عمليتي الخليل ورام الله، ولم يكن منتظراً منها ولا من قادة فتح السياسيين مباركة عملية تنفذ داخل نطاق أراضي 67 وضد مستوطنين، كما لم يكن منتظرا حتى أن تغض الطرف عنها، أو تستخدمها كحجة تدافع بها عن نفسها وتسعفها لتأكيد موقفها (المُدّعى) الرافض للاستيطان، وكيف أن المستوطنات ستظل بؤر اشتعال في حال تم التوقيع على اتفاقية تسوية لا تتضمن إنهاء الاستيطان. وكان سيناريو حملات الاعتقال العشوائية بحق أنصار حماس متوقعاً، ومثله أن تقارف قيادة فتح كل الموبقات الوطنية والأمنية، كما حدث في موسم التنسيق الأمني الأول بعيد أوسلو، ثم في موسمه الثاني عقب الانقلاب على شرعية حماس ونتائج انتخابات 2006، لكن الذي ربما لم يكن متوقعاً أن تعري قيادة السلطة نفسها تماماً من أي نزعة وطنية، وأن تجاهر بنيتها وإصرارها على منع أي عملية في الضفة حتى لو كانت ضد الجنود والمستوطنين.
صحيح أن هذا الموقف ليس مستجداً على فتح، لكنه كان فيما سبق متركزاً على عمليات المقاومة داخل الخط الأخضر، وكانت الحجة أن قيادة فتح إنما تؤمن فقط بالمقاومة داخل حدود 67، رغم أن إجراءاتها الفعلية على الأرض كانت ولا زالت تستهدف المقاومة كنهج وثقافة وليس فقط كتفاصيل وآليات قد تختلف أو تتفق مع حماس حول بعضها، لكن فتح اليوم تقرّ بملء فمها أن أي شكل للمقاومة المسلحة محظور في عرفها، وأنها لن تكتفي برفضه قولاً، بل ستمنع بنفسها ترجمته على الأرض، ولن تبالي بأن تكون درعاً واقياً لجنود الاحتلال ومستوطنيه، وأنها لن تسمح بتهاوي نظرية الأمن المطلق (للاحتلال طبعا) التي اجتهدت طوال السنوات الأخيرة في تثبيت أركانها.
اليوم تتهاوى بكل بساطة حجج الانقسام السقيمة، وادعاء محاربة حماس خشية تكرار التجربة في الضفة (مع أن رئيس أركان الاحتلال كان قد أكد في حينه أن وجود الاحتلال في الضفة سيحمي فتح من حسم حماس لها)، واليوم ينجلي بوضوح ذلك القدر من الاختلاف بين نهجي الحركتين، لكن الذي سيظل عصياً على الفهم هو أن تحرق فتح جميع مراكبها في لجة التسوية، وأن تقطع على نفسها أي خطة للرجعة إلى الحضن الوطني، حتى لو كلاماً وتنظيرا.
بطبيعة الحال لن نغفل هنا تلك المبررات التي تسوقها فتح وهي تفسر حربها المتصاعدة على المقاومة في الضفة، لكنها حجج وتبريرات واهية، حتى وفتح توظف لتسويقها لدى الرأي العام عشرات الناطقين والإعلاميين والكتاب، وحجة أن العمليات ستشوش على مسار المفاوضات وستعلي من أهمية العامل الأمني ساقطة للغاية، لأن أي مفاوضات سابقة حتى وهي تجري في ظل واقع أمني هادئ لم تفضِ إلا إلى توريط الجانب الفلسطيني في اتفاقيات والتزامات أمنية تجاه الاحتلال، وكانت حماس ومقاوموها ضحيتها الأولى، بل إن العامل الأمني هو العنصر الأهم في كل اتفاقيات التسوية وهو الأساس الذي انطلقت منه فكرة السلطة في أوسلو، وإن كل حديث سياسي حول آفاق الحل المؤجل هو محض وهم وتدليس على الوعي العام.
مشروع التنسيق الأمني هو مهم للاحتلال وللإدارة الأمريكية كما هو مهم لفتح التي لا تتجاوز أولوياتها الثبات على كراسي السلطة والتخلص من خصومها الأقوياء، أو -على الأقل- إبقاءهم ضعفاء، ولو لم تتواجد لدى فتح مبررات لقمع المقاومة لأوجدتها بنفسها كما حدث بُعيد الحسم، ثم أكاذيب الأجهزة الأمنية حول شبكة أنفاق صنعتها حماس أسفل مقراتها في نابلس، ونحو ذلك. وكل ما حدث عشية عملية الخليل أن قيادة فتح وأجهزتها امتلكت مبرراً ذا بعد (دبلوماسي) تستطيع أن تتمسح به وهي تعلن حرباً سافرة للغاية على المقاومة.
لو سلمنا –جدلاً- بأن عملية الخليل هدفها إفشال المفاوضات، وأن قطعان المستوطنين لم يقدموا سلفاً ما يوجب القصاص منهم، فما المشكلة في ذلك؟ أليست معارضة المفاوضات المباشرة تشهد إجماعاً فلسطينيا غير مسبوق لا يخرج عنه سوى فتح المتقزمة والمتقوقعة على نفسها والمكروهة اليوم شعبيا؟ ولماذا يتعين على حماس أن تراعي انحرافات السلطة السياسية وتمنحها ما شاءت من فرص لتنازلات جديدة؟ ولماذا لا يكون من حقها إفشال مشروع تسوية جديد ستكون المقاومة ضحيته الأولى، وستكون الحرب عليها نتيجته الوحيدة؟ لماذا على حماس أن ترفق بهذا العبث في المشهد السياسي، بينما سلطة فتح لم تراعِ حماس يوماً ولو بالحد الأدنى، بل تجتهد في إبادتها على جميع الصعد؟!
ليس على فتح وأجهزتها وسلطتها أن تتوقع أن تجني من الشوك عنباً، بل عليها أن تقدّر لحماس أنها حين امتلكت سلاحاً وقدرة على العودة للميدان كان خيارها تصعيد مقاومتها ضد الاحتلال فقط، وأنها لم تفكر في التحول نحو استهداف السلطة ميدانياً، ومن جهة أخرى عليها أن تعي أن استمرار حماس في المقاومة لا يعدّ مشروعا مربحاً وفق المعايير المادية المجردة، بل هو نذير بتصعيد الحنق العالمي عليها، وكفيل بإبقائها متصدرة لوائح (الإرهاب)، وبتشديد الخناق عليها في كل مكان.
لكن أولئك الرداحين الذين شنّعوا على المقاومة، وما زالت أصواتهم المتعالية بالاستنكار تنعق حتى اليوم لم يفطنوا إلى الثمن الباهظ الذي ستدفعه حماس جراء هذه العملية ومثيلاتها، فضريبتها إنما تؤدى من جيبها هي لا من جيب السلطة التي ستكون ملزمة فقط بتشديد المزيد من قبضتها حول عنق حماس، وهي لا تقوم بهذا رغماً عنها، بل إن هذه المطالب وتنفيذها تنسجم مع غريزة الكره الشديد لحماس والرغبة بالانتقام منها باستغلال أي مناسبة.. وهنا يسجل في سفر عار هذه السلطة أنها لا تفوّت لحماس شاردة ولا واردة، بل إنها تنفذ حملات تطال العشرات من أنصار الحركة في الضفة ردا على تصريح (وليس إجراء) لقيادي من حماس في غزة!
إن حجة (عمليات التشويش) قد سقطت منذ زمن بعيد، ويكفي هذه السلطة عاراً أن الاحتلال لم يعد يحمّلها اليوم المسؤولية عن حدوث عمليات المقاومة كما دأب سابقاً، ذلك أنه مدرك تماماً لحجم ما بذلته السلطة في سياق حربها على المقاومة في الضفة وما قدمته له من إنجازات ما كان يحلم بها، وما كانت مخابراته ولا جيشه يستطيعان الإتيان بمثلها، وبالتالي لا حجة للخشية من هذه العمليات على المستقبل السياسي الكاذب الذي تعد به السلطة شعبها، فمن يقف مع الاحتلال في الموقع نفسه المضادّ لمشروع المقاومة ليس له أن يظن أن من حقه القفز فجأة إلى موقع آخر يتيح له أن يبدو كطرف مقابل وكندّ لأعدائه!
كل الحكاية أن القوم انسعروا لأن ما حدث مؤشر على هشاشة قبضتهم الأمنية، ولأنه سيحدّ من انتفاشهم وتفاخرهم بتحقيق الأمن المطلق أمام المنسقين الأمريكيين والقادة الأمنيين في حكومة الاحتلال، أما كل ما قيل وسيقال عن (الأضرار السياسية) للعمليات فهو ذر للرماد في العيون، ومجرد اجترار بائس لحجة قديمة ومتهافتة!
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(1) تعليق يبدو ان الكاتبة حمساوية الهوى،ولذلك فانها تتبع السياسة الاعلامية الحمساوية الرامية لتشويه كل فتح والتعميم على كل الفتحاويين،فقد نسيت الاخت المحترمة ان اول المعارضة للمفاوضات المباشرة كانت من داخل اوساط فتح،ونسيت ان حماس ومنذ 3 سنين لم تطلق طلقة واحدة بالضفة الغربية،بل ان العمليات المتفرقة التي تحدث من حين لحين بالضفة الغربية ولو انها قليلة فهي من فعل كتائب شهداء الاقصى.وان اخر عملية اغتيال اسرائيلية هي بحق اعضاء من فتح بالخليل،اتقوا الله بتعميمكم على حركة فتح العملاقة
تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





