السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

للغنيّ "تطهير" من آثام الدنيا و"للفقير" حق واجب

"الزكاة".. ما لا ينقطعُ بعد موت "ابن آدم"!

الثلاثاء, 07 سبتمبر, 2010, 23:14 بتوقيت القدس

غزة- رضوان أبو جاموس

بعد أن ارتدت "سمية" (وهو اسمٌ مستعارٌ لبطلة قصّتنا) نعلَهَا المهترئ، انطلقت مهرولةً نحو الباب الذي اشتدّ الطرقُ عليه.. صرَخَتْ من وراء حجاب "من أنت؟"، أجابها بصوتٍ وقور :"أنا يا أختي (فلان)، وقد أرسلني إلى داركِ فاعل خير.. إنه يبعث إليكم بزكاة عيد الفطر أعاده الله علينا وعلى جميع أمة الإسلام بألف خير"...

بخجلٍ وتردد مدّت يدها، والتقطت منه مظروف النقود، وشكرته بعد أن دعت للمرسل أن "اللهم سدد خطاه ووسع رزقه يا كريم".. وغادر الرجل.. وبقيت هي –بقلبٍ يرقص فرحاً- لهذه الهديّة الملحّة.. "فاليوم صار بالإمكان شراء ثوبٍ جديد لريم، ومثله لرغد، وزيُّ المدرسة لحاتم الذي لطالما كان يردد بحسرةٍ أمامها "لو أن أبي على قيد الحياة لما كان حالنا هذا"..

نعم.. ككثيرٍ غيرها ممن يقفون على "أبواب الله"، تحلم الأم سمية بتوفير متطلبات العيد من ثيابٍ وكعكٍ لأبنائها –وهي أبسط حقوقهم- إلا أن ضيق ذات اليد، وفقر الحال، جعل ذلك من سابع المستحيلات خصوصاً وأن أكبر أطفالها هو بعمر ثمانية.. وهنا يأتي دور "الزكاة ".. إذ دعا الإسلام من خلال فرضها الأثرياء إلى التحرر من عبودية "الدينار والدرهم" بغية إعادة توزيع الثروات على جميع أبناء المجتمع وفق أسسٍ عادلة.

الزكاة تطهّر الغني من كل سوء، وتفتح له آفاقاً جديدة للتصدق وفعل الخيرات، وفي الوقت ذاته تحفظ كرامة الفقير وتشعره باهتمام المجتمع به ومساندته له، وتنزع من قلبه الحقد والحسد على الأغنياء، د. الحولي


إلا من ثلاث..
ويعتبر أبو عبد الله النونو (وهو تاجرٌ مقتدر) أن أنجح أنواع التجارة هي "التجارة مع الله سبحانه وتعالى"، والتي تتمثل –وفق وجهة نظره- بصدقة المال والزكاة، قائلاً :"أضع نصب عينيّ عندما أعطي الصدقة للمساكين والفقراء، أنها من الأشياء الثلاث التي ستبقى في ميزان حسناتي يوم ينقطع عملي عن الدنيا"، في إشارةٍ منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. صدقةٌ جارية وعلمٌ ينتفع به، وولدٌ صالحٌ يدعو له".

وأضاف :"زكاة مال الغني هي حقٌ للفقير، لا يستطيع أبداً أن يتنصّل منه أمام الخالق، وهي ركنٌ من أركان الإسلام، وقد فرضها سبحانه وتعالى على كل مسلمٍ مقتدر بنسبةٍ معينة".

واستذكر في هذا الإطار (العالم المسلم أيام الخلافة)، "إذ كان هناك بيت مالٍ للمسلمين، يتم من خلاله توزيع الصدقات والزكاة على المحتاجين، بشكلٍ يضمن لكل أبناء الدولة حياةً كريمة لا تعب فيها ولا نصب"، مردفاً بقوله :"لو أعطيت أولادي كل ما يتمنونه في هذا العيد، وعرفت في الوقت ذاته أن جاراً لي لا يستطيع تأمين ذلك لأبنائه، فلن تكون للعيد تلك الفرحة، وسيبقى عذاب الضمير يلاحقني طوال حياتي لأنني سأضع ابني أو ابنتي مكان ابن جاري أو ابنته".

دموع العيد
أما الطفلة "رغدة" (وهو كذلك اسم مستعار)، فتبيعُ النعناع في أحد أسواق مدينة غزة.. يبدو على ملامحها الشقاء، وثيابها الرّثّة كانت أكبر دليلٍ على حالةٍ اقتصادية متدهورة تكلّل حياة عائلتها.. أجابت على سؤالنا عما إذا كانت اشترت ثياباً جديدةً للعيد بقولها :"لا.. أمي لم تشتر لي ذلك، فليس معها النقود الكافية، ونحن تسعة أبناء، ووالدي عاطلٌ عن العمل، وأمي مثله إلا إن أتيحت لها فرصة تنظيف بيوت بعض المقتدرين".

مكملةً بحسرة :"أبكي كثيراً عندما يكون أول أيام العيد، وكل الأطفال يرتدون ثياباً ملونة، ويحملون بين أيديهم عيديّة يحصّلون قيمتها برضىً من المعطي.. وليس مثلي أنا التي يهينني الرائح والغادي حتى أحصل على مثلها".

وأضافت :"أحياناً يجلب لنا فاعلو الخير بعض المال قبل العيد كمساعدةٍ، لكن المال بالكاد يكفي لتلبية أقل احتياجاتنا نظراً لعدد عائلتي الكبير".

من أركان الإسلام
وقد شرع الله سبحانه وتعالى على المسلمين فريضة "الزكاة"، كي تكون عوناً للفقراء والمساكين والمحتاجين، تأخذ بأيديهم لحياة كريمة، وفي المقابل تحل البركة والعافية عند المزكّي دنيا وآخرة،، هذا ما أكّده د. ماهر الحولي عميد كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة.

المجتمع الإسلامي يقوم على فكرة التعاون والتكافل بين أفراده "وهذا يتجلّى في الزكاة.. لأن الفقير يجد الغني يصرف له ماله بطيب نفس ورضاً خالص، ودون إراقة ماء وجه الفقير د. العمور


وأوضح الهدف من تشريعها بالقول :"كسب الدين والدنيا هدفان مرتبطان لا انفصال بينهما، فالزكاة وسيلة لتحقيق التكامل الاجتماعي استجابة لقول الله سبحانه وتعالى: { وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم} [ سورة الذاريات: الآية 19 ].

وأشار د.الحولي إلى تأثير الزكاة على تربية نفس المسلم "إذ تطهّر الغني من كل سوء، وتفتح له آفاقاً جديدة للتصدق وفعل الخيرات، وفي الوقت ذاته تحفظ كرامة الفقير وتشعره باهتمام المجتمع به ومساندته له، وتنزع من قلبه الحقد والحسد على الأغنياء".

بدوره, بيّن الدكتور محمد العمور أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بجامعة الأقصى، أن الله عز وجل قرن ركنيّ الإسلام "الزكاة والصلاة" سويّاً كونهما من عماد الدين، ولعظم دور الأولى في بناء المجتمع الإسلامي لما تمثله من حفظ للنفس والمال والعقل والعرض".

وبين الدكتور العمور لـ"فلسطين" أن المجتمع الإسلامي يقوم على فكرة التعاون والتكافل بين أفراده "وهذا يتجلّى في الزكاة.. لأن الفقير يجد الغني يصرف له ماله بطيب نفس ورضاً خالص، ودون إراقة ماء وجه الفقير".

وقال :"لو دفعت الزكاة بكامل حقها لما وجد إنسان فقير في البلدان الإسلامية لأن الزكاة الحقيقية تشتمل على كل أوجه الحياة من أموال وزرع وكل ما يخرج من باطن الأرض وظاهرها".

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق