بقلم- د. ماهر أحمد السوسي
نائب عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية
بدأنا الحديث في الحلقة السابقة عن الآثار المترتبة على فريضة الزكاة في تعزيز جانب القيم والأخلاق الفاضلة في نفس المرء المسلم، وكان مصدر حديثنا هو قول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، تلك الآية التي يتبين من خلالها وجوب الزكاة على كل مسلم تتوفر فيه شروط الوجوب المعروفة فقهاً، وذكرنا كيف تكون الزكاة تطهيراً للنفس الإنسانية.
حيث تعمل على تخليصها من بخلها وشحها وتقتيرها، هذا في جانب الأغنياء، وكذلك فهي تعمل على تطهير نفوس الفقراء من الحقد والضغينة والحسد من ناحية، وهي من ناحية أخرى تنظف المجتمع من مجموع الجرائم التي يكون للفقر دور فيها، كالرشوة والسرقة وتخريب أموال الآخرين بالاعتداء عليها أو إتلافها ....
ونواصل اليوم استلهام هذه الآية الكريمة، فنتحدث عن الشق الآخر لمشروعية الزكاة، وهو قوله تعالى: (وتزكيهم بها)، حيث تزكية النفس مطلب شرعي، لا يفلح المسلم إلا إذا قام به، أي زكى نفسه، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، إذاً فلاح الإنسان مرهون بتزكيته لنفسه كما ورد في الآيات السابقة، وتزكية النفس هو حملها على الأخلاق الفاضلة، والآداب المحمودة، والرقي بها إلى أعلى الدرجات بالطاعات والأعمال الصالحة.
ومن خلال الآية الكريمة فإن الزكاة هي تزكية للنفس؛ ويكون ذلك إذا أدى الغني حق الفقير في ماله، فإنه بذلك يعود نفسه على البذل والعطاء، وهذه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث نقل في الأثر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود من الريح المرسلة، وأنه ما ردّ سائلاً قط، فالبذل والعطاء سنة من السنن التي ينبغي على المرء المسلم أن يعود عليها نفسه، وكذلك بأداء الزكاة يتعود المسلم خلق الكرم، فينظر إلى غيره من المحوجين والمعوزين، باستمرار، لا عندما يحين وقت زكاة ماله فقط، وهذا يعني استمرار العطاء والبذل، ثم أن تزكية النفس بالزكاة تعني مدّ يد العون إلى الغير، وهذا خلق التعاون الذي أمر به الإسلام مطلقاً بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، ذلك أن الأغنياء هم جزء من المجتمع فلا بد أن يكونوا أعضاء فاعلين فيه، بمساهمتهم بما عندهم، ومن خلال ذلك يتضح لنا أن الزكاة لا تنظف النفس الإنسانية من أدرانها فقط؛ بل إنها تعمل على النهوض بهذه النفس، وترقيتها، والسمو بها إلى المنازل العلا.
ونضيف إلى ما قلناه تلك الطريقة المهذبة في دفع الزكاة لمستحقيها، ثم تصرف المستحقين عند أخذ الزكاة، ذلك أن الله تعالى يذكر بعض آداب إعطاء الزكاة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى)، حيث بينت الآية أن دافع الزكاة لا يجوز له أن يمتن على الفقير بأن يشعره بأنه خير منه، أو أن له فضل عليه بإعطائه الزكاة، أو أن يده هي العليا ويد الفقير هي السفلى، هذا يؤدي إلى إحباط العمل، وأن هذه الصدقة غير معتبرة، وأنه لا أجر لها عند الله تعالى؛ بل إن الغني ينبغي عليه أن يتلطف عندما يدفع الزكاة، فلا تعرف يساره ما دفعت يمينه كما ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم، دلالة على أن دفعها لا يكون في أي خدش لكرامة الفقير بحال من الأحوال.
وكذلك فإن الفقير حينما يأخذ الزكاة فإنه يدعو للغني بأن يتقبلها الله تعالى منه، ويدعو له بالبركة وزيادة ماله، حيث ورد في الآية (وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم)، أي ادعُ لمن يعطي الزكاة حتى تكون تلك سنة يتأسى بها الفقراء، وهذا يعني أن الإسلام قد و ضع نظاماً فريداً لضبط العلاقة بين المزكين ومستحقي الزكاة ما عرفه تشريع آخر.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





