السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

لماذا يخاف "زياد" من هلال العيد؟!

الخميس, 09 سبتمبر, 2010, 18:10 بتوقيت القدس

سيد إسماعيل

كان آخر يوم من رمضان يطل على أسرة محمد زياد (48 عاما)، دون أن يدري الرجل ماذا يستطيع أن يفعل لتفادي أنياب الفاقة التي تحيط بأسرته من كل جانب، فيما يستقطع هو ما تبقى من قُوَّته ليجلب القوت لعائلته عبر العمل في كسارة كـ"الباطون"، تنتزعه من بين أولاده بدءا من بعد صلاة الفجر، إلى حين اقتراب موعد أذان المغرب، مدركا أن هموما أخرى ستلاحقه إضافة إلى هم تأمين الطعام، مصاريف العيد الباهظة، وموسم المدارس الذي يستعد ليطل برأسه بعد ذهاب الشهر الفضيل، دون أن يمتلك الإمكانيات التي تساعده على استقبال أي من الحدثين بنفقاتهما الجسيمة.

الحياة "تحت الصفر"
قابلته يومها عند اقتراب موعد أذان المغرب، وقد كان بملابس العمل شديدة الرثاثة والمغمورة بكاملها بالتراب الممزوج بعرقه الطازج، إذ بدا محمد منهكا تماما بفعل يوم شاق من العمل في رمضان، قبل أن يبادرني هو قائلا: "المعذرة، هذا هو الوقت الوحيد الذي أستطيع رؤيتك فيه". لقمة العيش صعبة يا أستاذ. إذ إنني أب لأسرة جميع "منتوجها" من البنات، أي أنه لا يوجد معيل لهؤلاء "الولايا" سواي! ولو أتيتني في الأيام العادية لما رأيتني قط، إذ إنني أتوجه إلى عملي بعد صلاة الفجر، أبقى فيه حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل لأضاعف دخلي من العمل بـ"الكسارة"! ".

مقابل ثلاثين شيكلا فقط، يستمر محمد في العمل منذ ساعات الصباح الأولى ولا يتوقف إلا بعيد أذان المغرب، في ظل حرارة الصيف العالية التي زادت عبأه في العمل. لكن محمد اعتاد على الشقاء على مدى ربع قرن خلال عمله داخل "الخط الأخضر" كعامل في ميدان "القصارة" الشاق، ثم صار ما يعرف بالـ"معلم" في هذا المجال هناك، قبل مجيء انتفاضة الأقصى، حيث تمكن بشق الأنفس من بناء مستقل بطابقين لأسرته الكبيرة، وإن كبل نفسه بالديون.

يقول محمد: " كم كنت سعيدا حيث شيدت منزلي وأسكنت فيه بناتي السبع وأمهن، قبل أن تنال الحرب من كل تعبي خلال لحظات، وتدمره عن آخره. وقد كنت خائفا عليه كخوفي على نفسي، إنه شقاء عمري الذي ضاع داخل الخط الأخضر. لكن القصف الكثيف والمستمر على منطقتنا الحدودية جعلنا نرحل من البيت دون أن نأخذ منه أي شيء. كنا آخر من غادر المنطقة إلى مدينة جباليا فرارا من القذائف التي بدأت تهوي علينا كالمطر خلال الحرب...".

بالكاد تمكنت أسرة محمد من التعرف على موقع بيته، بعد انتهاء العدوان على غزة، في حي السلام شمال قطاع غزة: لقد صار البيت الذي كان على ارتفاع طابقين مجرد أطلال لا نفع منها وقد عجنت محتوياته مع أحجاره بشكل استحال معه أن يستخلصوا منه أي شيء كان حتى الملابس، فيما بعثرت قوات الاحتلال البيوت يمنة ويسرة بقية بيوت الحي عن أماكنها، ليصبح المشهد كله مأساة معقدة شملت عشرات الأسر التي أضحى الشارع مأواها الوحيد تقريبا، لكن كارثة محمد كانت في أنه لم يكمل بعد تسديد ديون بناء هذا المنزل.

تحت الأطلال..
كان الكلام هذه المرة لزوجة محمد، التي كانت في أواخر الثلاثينيات من عمرها، إلا أن أعباء الحياة وأهوال الحرب الأخيرة وما بعدها أضافت سنوات أخرى لهذا العمر: " أعطتنا بعض الجهات مبلغا من النقود كي نتدبر أمرنا ونسكن بالإيجار إلى أن يفرج الله الكرب، لكنني طلبت من زوجي أن يسدد ديوننا بهذا المال، لأنني كنت مقتنعة تماما بأننا لن نستطيع تسديد هذه الديون قط إن لم نسددها وقتها، ولما سألني: أين نسكن إذن؟ قلت له ببساطة: تحت أطلال بيتنا! ".

وبالفعل، استمرت عائلة محمد في السكن تحت تلك الأطلال التي آوتهم صيفا وشتاء لعام كامل، إذ كان صعبا للغاية على الأسرة احتمال السكن داخل خيمة كانت "غنيمة سهلة" للرياح، كما أنها لم تكن تقيهم من حر الصيف بأي حال من الأحوال! وقد كان السكن تحت أطلال البيت خطرا للغاية، لدرجة أن وزارة الأشغال العامة سلمتهم ثلاثة إخطارات بإخلاء المكان، إلا أن عائلة محمد لم تستطع تطبيق أمر الإخلاء!.

كانت نبرة زوجة محمد غريبة حقا وهي تكمل سرد مأساة أسرتها، إذ إنها كانت تتحدث بهدوء ودون انفعال ظاهر، وكأن هذه القصة حدثت لأناس آخرين: " جاءت مجموعة من الوزارة يومها وطلبت إخلاء أغراضنا القليلة على وجه السرعة لأنهم أرادوا إزالة الأطلال بشكل كامل ونهائي من المكان نظرا لخطورتها، واكتشفنا فيما بعد أن الحق كان معهم إذ إنهم وجدوا عبوتين لقوات الاحتلال تحت الركام لم تنفجرا، فيما كنا ننام عليهما طوال اثني عشر شهرا!".

التقطت الزوجة شيئا من أنفاسها، قبل أن تتابع قائلة: "كان الجو يومها عاصفا، حتى أن الريح انتزعت خيمتنا وألقت بها على الأرض مرات ومرات، فيما لم يملك زوجي أمام رحلة تشردنا الجديد سوى أن يطلق العنان لدموعه أمامي أنا وأطفاله، وهو الذي لم يذرف دمعة واحدة على بيته المهدم! استطعنا بعدها إقامة خيمة أشد متانة، كما أننا حصلنا على غرفة صغيرة لست أدري كيف نجحنا جميعا في "التكدس" داخلها كالسردين داخل المعلبات!".

"نحن محرومون من الفرحة!"
بنى الزوج خيمته المتينة لأسرته من الحديد الذي تحصل عليه من أطلال بيته، فيما وجد بعد فترة من بقائه عاطلا عن العمل وظيفته الجديدة كعامل داخل "كسارة الأحجار": "كنت أرى أطلال البيوت التي كانت تأتينا لنقوم بتكسيرها وإعادة استخدامها كبديل عن "الحصمة" في صناعة أحجار البناء. وكنت أدرك تماما أن بيتي كان واحدا من هذه البيوت. رحت وقتها أفكر وأتعجب: إن بيوت هؤلاء القادرين على شراء الأحجار ومواد البناء تبنى من ركام بيتي وبيوت البائسين أمثالي! نحن الذين لا مأوى لنا سوى الخيام، أو "الكارافانات" (الحاويات) والغرف العطنة على أفضل تقدير!".

ثم مال محمد بجلسته أكثر باتجاهي، فيما ازدادت تجاعيد وجهه كدليل على ما يعتمل داخله من "غليان" على واقعه وبؤسه، وهو يقول: "منذ مرور شهرين على انتهاء الحرب وحتى هذه اللحظة لم نتلق أي قدر كان من المساعدات. لاشيء على الإطلاق! تخيل هذا؟! وكأن مأساتنا قد انتهت! أنا لا أريد شيئا من أحد سوى أن يعيدوا لي بيتي، وبعدها لن أبالي فلنا رب هو الرزاق الكريم! لقد مررنا بظروف لا يمكنك تخيل كارثيتها، لكنني أستطيع أن أتحمل، ولكن ما ذنب أطفالي الصغار؟! قل لي؟! ".

ابنته ريهام (12 عاما) عبرت بخجل عما تجده من معاناة، حيث قالت: " يمر رمضان للعام الثاني على التوالي دون أن أتذوق "القطايف" التي حلمت طويلا بطعمها. أما الطعام فصرنا لا نرى اللحوم المجمدة على مائدتنا إلا نادرا، بعد أن كانت "محرمة" على بيتنا، فكل شيء قد اختلف بعد الحرب، فألعابنا جلها مكسرة، إن وجدت، أما فرحتنا بالعيد فلا أخفي عليك أنها منقوصة حتما ".

أما أختها هبة (10 سنوات)، فكانت أكثر جرأة في التعبير عما تلاقيه من مآس في حياتها: " كل ما أريده هو أن أشعر ببهجة العيد مثل بقية الفتيات الأخريات، فمنذ انتهاء الحرب، ونحن لا نجد سوى القليل من الملابس لنلبسه طوال الوقت تقريبا. كم أتمنى أن أرتدي ملابس جديدة لأحيا مع فرحة العيد أسوة بالجميع! إلا أنني أدرك جيدا أن والدي لا يستطيع تحقيق حلمي هذا.. ".

أما أمهما، فتقول: " لا أستطيع المرور على أقربائي وبناتي المتزوجات، لأن ذلك سيكلفني شراء علبة من البسكويت أو الشيكولاتة لا أستطيع توفيره. ولا أملك أنا ومن هم مثلي من المهدمة بيوتهم سوى "تصبير" أبنائنا، والنظر بصمت لبقية الناس وهم يمرحون خلال العيد، تاركين إيانا نهبا لمشاعر الإهمال والأسى! كل ما أريد قوله هنا أن يتذكر كل شخص يتمتع بفرحة العيد أن هناك آلاف العائلات مثلنا محرومة تماما من التمتع بهذه الفرحة، ولا ندري إلى متى؟؟.. ".

المصدر: فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(1) تعليق
(1) عبد الباسط - المواصي 2010/09/12 00:02

تخفيض الرواتب إلى 2500 شيكل كحد أقصى يساهم مساهمة فعالة في حل مشكلة محمد زياد وأمثاله ورحم الله عمر بن الخطاب الذي كان أول من يجوع وآخر من يشبع, وفتح القدس وهو لا يلبس من الثياب إلا المرقع وهل نحن نسير على نهجة؟ وهل سيقبل بنا أن نكون جيرانا له في الجنة؟ أم أنه كان طالبا للآخرة ونحن نطلب الدنيا مناصب, سيارات, رواتب, مناسف؟ أسئلة أتمنى الإجابة عليها من المسؤولين الذين أحبهم وأسأل الله لهم صلاح الحال ومن العمل ما يرضي ربي عنهم. والسلام على كل صادق أمين.

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق