السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

الصحفيّ والطبيب والشرطيّ..

لأجل محبيهم.. مهن لا تعرف العيد

الإثنين, 13 سبتمبر, 2010, 19:35 بتوقيت القدس

غزة- هدى بارود

تقدمت بخطواتها للأمام مُتمهلة، تريد أن تقف بين الناس لدقائق تسأل كلُاً منهم عن عيده في اليوم الأول كيف هو؟ وفي ماذا يقضيه؟.. فهي بصدد إعداد تقرير مصور حول أجواء العيد في غزة المحاصرة للعام الرابع على التوالي.

كانت "الكاميرا" ترافقها أينما ذهبت، والميكرفون في يدها يقف منتصبا كـ"دليل" واضح على شخصيتها.. أصحاب المحلات والمارة وأولئك المغادرون لزيارة أرحامهم في العيد استقبلوها بترحيب يشكون لها حالَ غزة أو يشيدون به.

جعلت من المارة والمشترين خلفية لتقريرها المصور، وصارت تنقل الصورة الحقيقية للوضع، مُبشرة بصمودِ أهل غزة وثباتهم.. وفي الخاتمة قالت :" هنادي نصر الله.. تلفزيون القدس، غزة- فلسطين"..

"الفسيخ".. ثم العمل!
هنادي نصر الله المراسلة التلفزيونية "للقدس" بعد أن أجرت بعض اللقاءات الصحفية وأنهت التقرير المُصور عن أجواء العيد في غزة لأجل القناة التلفزيونية التي تعمل لصالحها وقفت تنظر إلى الناس بحنين فهي تشتاق بشدة لأهلها، تلك العائلة التي تركتها في البيت مغادرة إلى عملها.. فلو كان باستطاعتها لقضت يومها كاملا معهم دونما تقصير، ولكن لأن مسئوليتها الدينية والاجتماعية والإعلامية تجاه عملها تحكمها، اضطرت إلى قضاء اليوم الأول من عيدها برفقة الناس في الشارع.

الكثير من المشاعر المتناقضة تنتابني في العيد، فطعم فرحة العيد مع الأهل تختلف، خاصة وأن الجو العائلي أكثر دفئا وحناناً من أي جو آخر، ولكن ظروف العمل في كثير من الأوقات تحكم على الإنسان بترك ما هو قريب من قلبه الصحافية نصر الله


ابتسامتها العريضة ارتسمت على وجهها وهي ترد للناس السلام وتتبعه بلطف "كل عام وأنتم بخير.. عيدكم مبارك"..بذات التحية ردت نصر الله على "فلسطين" التي استضافتها واثنين آخرين لاقتسام فرحة العيد وإياهم، خاصة وأنهم أصحاب مهن تُلزمهم قضاء أيام العيد بعيداً عن ذويهم.

قالت عن حنينها لأهلها في اليوم الأول للعيد بعد أن أخذت وقتها في استجماع كلماتها والحديث :" لا شك أن طعم فرحة العيد مع الأهل تختلف، خاصة وأن الجو العائلي أكثر دفئا وحناناً من أي جو آخر، ولكن ظروف العمل في كثير من الأوقات تحكم على الإنسان بترك ما هو قريب من قلبه"، وأضافت :" الكثير من المشاعر المتناقضة تنتابني في العيد، خاصة وأنه عليّ تعويض والديّ ولو قليلا عن ساعات الابتعاد.

اتفقت نصر الله مع أختها على الاستيقاظ باكرا وتحضير الفطور، غير متناسية طبخ "الفسيخ"، تلك الوجبة التي تحبها في اليوم الأول من عيد الفطر، تقول :" استيقظ باكرا أول أيام العيد أصنع الطعام وأشارك أهلي فيه، وبعد ذلك أغادر متجهة إلى عملي".

في الطريق تحتار نصر الله في نظرات الناس التي تراقبها كأنها تسأل :" ما الذي يدفع فتاة للخروج من بيتها الساعة الثامنة صباحا وفي أول أيام العيد".. تقول :" لا أشعر بالضيق لتصرفهم، وأحاول أن أواسي نفسي في بعض التفسيرات، فلا امرأة بالفعل تخرج من بيتها في ساعات الصباح الباكرة في أول أيام العيد لتعمل، أو حتى تزور أقاربها".

مشاعر نصر الله في أول أيام العيد يضربها التناقض، بين شوق لأهلها والتزام وواجب في عملها، خاصة وأن اكتظاظ العمل الصحفي في اليوم الأول يُجبر المراسلين التلفزيونيين على وجه الخصوص على الخروج لمشاركة الناس في الأسواق والأماكن العامة نظراً لأن طبيعة العمل تتطلب منهم نقل رسائل إعلامية مباشرة عبر المحطات التلفزيونية، وتقارير يومية كذلك.

أثناء عملها تُركز نصر الله بحيث يغيب عن بالها أن ما تعيشه اليوم هو أول أيام العيد، ويخطر لها أنه يوم إجازة رسمية قطعتها لإتمام عملها، إلا إذا لفت انتباهها بعضُ مشاهد لعائلات فلسطينية يجتمع أفرادها في "الملاهي" أو المتنزهات، وقتها فقط تشعر بالحنين لأهلها وتتمنى لو أنها كانت معهم أو أنهم معها.

وحال انتهائها من العمل، تفتقد عائلتها كثيراً، ولا يسعفها في إخماد نار شوقها غير اتصال تلفوني به تشعر أنها في البيت، تقول :" إذا ما أنهيت تقريباً واسترحت، شعرت بالشوق الكبير لأهلي، شوقٌ لا يخمده غير اتصال تلفوني، أو العودة للمنزل".

ما يخفف من شوق نصر الله إيمانها بأن ما تقوم به هو تضحية وإيثار لأجل المواطن الفلسطيني وفلسطين، ولأنها غير متزوجة اعتبرت أن "مشكلة" مغادرة أسرتها في اليوم الأول للعيد بسيطة، مقارنة بخروج المتزوجات للعمل فيه، مؤكدة أن سعادتها غير "منقوصة"، فهي إن تركت عائلتها ليوم، عاشت فرحة العيد مع الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني فيه.

تُحل الشجارات "وديا"!!
ومثلها يرى مدير مركز شرطة الشجاعية الرائد علاء البطش أن عمله في أول أيام العيد واجب وطني "لخدمة أبناء غزة" رغم أنه يكون بحاجة قوية لمشاركة أهله وإخوته عيدهم.

عن يومه أول أيام العيد قال :" استيقظت مع الفجر وارتديت ملابسي العسكرية كاملة وانتظرت حتى موعد صلاة العيد، هناك صلى عدد كبير من أفراد الشرطة الفلسطينية خلف رئيس الوزراء إسماعيل هنية وبعد الصلاة انسحب كلٌ منا إلى منزله".

الهدف من وجود الشرطة في الشارع حماية المواطن والتخفيف من حجم أي ضرر يصيبه، وما الحل الودي الذي نتوصل إليه في كل خلاف إلا طريقة جيدة لحفظ بهجة العيد وعدم التنغيص على الناس الشرطي البطش


البطش هنأ أبناءه في العيد وقبلَهم مرفقا القبلة بالعيدية، وغادر بعد ذلك إلى عمله.. هناك الأجواء لم تكن أقل اختلافاً عن منزله، خاصة وأن الكثير من أفراد الشرطة كانوا على رأس عملهم ذلك اليوم.

احتفل مدير المركز معهم، وهنأ ما تبقى من "مساجين" جنائيين، بعد أن فرغت السجون من بعض الأسرى إثر مكرمة بالإفراج عنهم لقضاء أيام العيد في منازلهم.

لما جلسَ البطش في مكتبه وحيداً تذكر أبنائه وزوجته، وتمنى للحظة أن يكون معهم، إلا أن قطع تفكيره اتصال من زوجته تهنئه بالعيد وتطلب منه أن يتصل بأبنائه الذين يشتاقون له.

فعلَ البطش ذلك، وكلم واحدة من بناته واثنين من أبنائه وبلغهم السلام لأخوتهم، حتى قاطعته زيارة لـ"كبار" حي الشجاعية الذين تعودوا على زيارة مركز الشرطة لتهنئة أفراده بالعيد، حتى أذان الظهر.

وما إن انتهت صلاة الظهر غادر لمنزله يُحضر نفسه للاجتماع مع إخوته وأبنائه لزيارة رحمهم، قال :" اجتمعت وإخوتي الخمسة بعد صلاة الظهر وباشرنا زيارتنا لأخواتنا وعماتنا وخالاتنا وبعض القريبات والأقرباء ".

في الزيارة العائلية لم يفارق هاتف البطش المحمول يده، إذ إنه كان على اتصال دائم بمركز الشرطة، لمتابعة العمل وتوجيه الأفراد، خاصة وأن العدد العام للشرطة في يوم العيد يكون أقل من معدله الطبيعي، وتحدث بعض المشاجرات التي يكون من واجبه متابعتها.

علق على ذلك قائلا :" القليل من المشاجرات يفتعلها بعض الأشخاص في العيد، وبعض مشاكل الدراجات النارية، وأحيانا حوادث الطرق تحدث في بعض الأوقات أول أيام العيد، لذلك يجب أن أكون على اتصال دائم مع عملي وإن كنت في زيارة خاصة".

اعتمد البطش وأفراد مركزه سعة البال وهدوءه والحكمة في مواجهة شجارات ومشاكل الناس في العيد، فالحل الودي هو الطريق والسبيل الصحيح والمتبع تلك الأيام، عنها قال :" الهدف من وجود الشرطة في الشارع حماية المواطن والتخفيف من حجم أي ضرر يصيبه، وما الحل الودي الذي نتوصل إليه في كل خلاف إلا طريقة جيدة لحفظ بهجة العيد وعدم التنغيص على الناس".

أتابعهم بالاتصال..
يقتنص البطش ونصر الله بعض الوقت مع عملهم لأهلهم أيام العيد، على خلاف طبيب النساء والولادة د.ماهر عجور الذي يُعجزه ارتباطه بمواعيد العمليات الجراحية من التفرغ لأهله، إلا أنه يعوض ذلك بمتابعة "مُكثفة" على الهاتف.

قضاء العيد بين الأهل فيه راحة للبال وأحلى طعماً من تلك التي تكون في العيادة، خاصة وأن الإنسان يكون بين أبنائه ومحبيه، ويوفي التزاماته الاجتماعية دونما تأخير الطبيب عجور


قال :" وقت عملي لا أملك منه الكثير، فهو عادة ما يكون للمريضات لدي والمراجعات، خاصة وأن مواعيد العمليات لا يمكن تأجيلها، حتى وإن كانت في أول أيام العيد".. ولأن عجور اختار مهنته عن قناعة تامة يؤمن أن أي وقت يقضيه فيها هو التزام، وزكاة علم، لذلك فإن أي مريض عنده يوليه الوقت الكافي، ولا يهمل عائلته كذلك.

أبناء عجور الأربعة وبناته الثلاثة أكثر الناس تعلقاً به، فهو لا يتركهم حتى وإن خرج من منزله، خاصة أيام المناسبات والأعياد، ويتصل عليهم بدون مبالغة سبع أو عشر مرات يوميا، وفق قوله.

في أول أيام العيد اضطر طبيب النساء والولادة إلى تأجيل زيارته لأخواته المتزوجات إلى اليوم الثاني، غير متناسي زيارة إخوته الرجال ووالديه، وبنات أخواته، يقول :" نظراً لأني متابع لأدق الأمور، لا أهمل أبداً أي صغيرة وكبيرة تتعلق بالعائلة، خاصة في العيد فحتى إن أجلت زياراتي لا أتناساها".

ولأن الوقت والالتزام بالعمل تحالفا ضد عجور المشتاق لأبنائه، قرر أن يعوضهم عن "عيدهم" ببعض الهدايا والرحلات التي رتب لها وفق المتاح له من وقته خارج "عيادته" الخاصة، رغم أن ذلك لا "يكفي"..

ينعكس انشغال عجور على من حوله، فهو وبعد أن كان يشتري لأبنائه قبل العيد ملابسهم، أوكل المهام لزوجته إثر انشغاله، حتى أنه لم يشتر ألعاب العيد لأبنائه، واشتروها هم بأنفسهم.

وعن الفرق بين عيدين قضى أحدهما في عيادته والآخر في المنزل، قال :" بالتأكيد راحة البال في المنزل أحلى طعماً من تلك التي تكون في العمل، خاصة وأن الإنسان يكون بين أبنائه ومحبيه، ويوفي التزاماته الاجتماعية دونما تأخير".

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق