السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

السواتر الرملية تؤجل شهادة وفاتهم

ثلاثية الهلاك.. تستوطن أجساد سكان البِرك

السبت, 19 يونيو, 2010, 11:35 بتوقيت القدس

قطاع غزة- هدى بارود وآمنة غنام

لا تزال ذكرى أم محمد البراوي تحوم حول بركة مياه الصرف الصحي التي يطلق عليها "بركة الأكسدة" الواقعة في تل السلطان غرب مدينة رفح، التي غرقت فيها منذ خمس سنوات، حيث أصبح بعدها الصغار ينتبهون إلى خطورة اللعب بجوارها، وتحذرهم من غدرها القريب.

حال بركة تل السلطان كغيرها من برك المياه العادمة المنتشرة في مدن وقرى ومخيمات القطاع، التي عادةً ما يكون ارتفاعها إما أعلى من مستوى بيوتهم، كبرك بيت لاهيا، أو أقل منها انخفاضا كبركة عسقولة.

المرض والبعوض والموت غرقاً....هي ثلاثية الحياة المهددة بالخطر لكل من اختارت "الجغرافيا" له أن يسكن بجوار برك المياه العادمة، هذه المشكلة التي تمثل أرقاً "مستديماً" للمواطنين في مناطق شتى من قطاع غزة...جعلتهم لا يتوقفون عن الشكوى من أوضاع بيئية ليست لائقة صحياً وإنسانياً، بينما الجهات المسؤولة في المقابل تؤكد أنها تأخذ شكواهم على محمل الجد ولكن التقصير الكبير واضح...."فلسطين" من خلال التحقيق التالي تتغلغل في "زوم" المشكلة من كافة أبعادها لتفحص عن كثب وجه التقصير، ووجه الخطر عندما يقرع باب "الكارثة".

عتبنا على المسؤولين
تسارع أم محمد أبو عرمانة إلى إغلاق نوافذ منزلها الذي يطل على بركة تجميع المياه العادمة في تل السلطان، بإحكام، في محاولة يائسة منها لحماية بيتها من الروائح الكريهة التي تنتشر كالآفة.

وكأنها كانت جاهزةً "للكلام" عندما أخذت تبثّ شكواها قائلة:" بت أخصص جزءاً من مصروف البيت لشراء "ملطف الجو" ذي الرائحة النفاذة، كي احتال على رائحة "المجاري"، ولكن للأسف عبثاً تذهب كل محاولاتي، مما يضطرني إلى إغلاق جميع منافذ البيت حتى لا تخترق الرائحة أنوفنا".

بيد أن أم محمد شبانة فاض الكيل بها، بعد رحلتها مع مرض "الربو" منذ خمس سنوات، والذي تسببّ فيه مجاورتها "للبركة"، لتقول:" الرائحة القذرة تتعبني، وتزيد من مرضي، وتوتر أعصابي، والأهم من ذلك خوفي المستمر على أبنائي السبعة من الغرق أو المرض".

وتعاتب شبانة المسئولين بطريقة تثق من أنه لا فائدة من ورائها: "منذ زواجي وأنا أقطن في تل السلطان، وسط دائرة من الأمراض، تحدق بنا، ولا نشعر بتحركات ملموسة لمسئولين ومختصين لتخليصنا مما نحن فيه".
وتتساءل بامتعاض:"أين إجراءات الجهات المسئولة التي يمكن أن تشعرنا بأنهم مهتمون لأمرنا....هل من يجيبني؟!

ولم يكن حال شبانة وأبو عرمانة أقل حظاً من حال عائلة حسام النيرب، الذي قال إن الحشرات والبعوض والرائحة، والأمراض "شخصيات ثابتة في مسرحية معاناتنا التي لا نجد آذاناً صاغية لها".
يقلق منامنا
الوصول إلى المنطقة الوسطى والمدن الواقعة جنوبي قطاع غزة تتطلب المرور بوادي غزة، الذي يعتبر في القواميس البيئية الدولية من أكثر المناطق خصوبة إذا ما توافرت فيه العناية السليمة، لكن المار على الجسر الواصل إليه مجبر على إغلاق أنفه، بينما يدك تحتار في حكّ أي مكانٍ على جسدك، إذ يتنافس البعوض على امتصاص دمك، فمجرى الوادي يمتلئ بمياهٍ قاتمة تنتشر على جوانبه أكياسُ "القاذورات"، عدا عن جثث الحيوانات الملقاة على أطرافه، كالحمير والأغنام.

ومجرى المياه الطبيعية الذي يربط شرق فلسطين بغربها، نابع من جبال الجليل والنقب، وينتهي في البحر المتوسط، بطول يقارب 77 كم، أصبح اليوم "مركزا" لمياه الصرف الصحي التي تتجمع فيه يوميا من كافة محافظات الوسطى.

مكافحة لا تجدي
تتحدث أم إبراهيم أبو مزنة التي تجاور الوادي، بشيء من الضيق، ممسكةً بيدها أقراصٍ خضراء مدّورة:"أشتري الكثير من المبيدات الحشرية في كل مرة أزور فيها السوق، فأولادي بحاجة لما يحميهم من البعوض الذي ترك بأجسادهم بقعا حمراء كبيرة".

وتشير المرأة الغزية إلى أنها تضطر تشغيل القرص الأخضر ليلاً، واستبداله فجراً لحيلولة دون وصول البعوض إلى مكان نوم أبناءها.

وليس بعيداً عن سابقتها فإن جارتها الحاجة زريفة أبو حجير، تغطي شباك غرفتها في بيت ابنها بشالها الأبيض، ظنا منها أنه اللون الأبيض يطرد البعوض، معللةّ ذلك:" لا أؤمن بالمبيدات الحشرية، لأنها مكلفة جداً، ولا تعطي نتيجة ملموسة مع البعوض الشرس".

أما أبو قصي المبيض، غائر العينين، والذي يسير طريقاً طويلة ليصل إلى بيته في المغراقة، يقول: " شكل الوادي لا يتغير، فرغم وجود طيور أبو فصادة والبط البري في مياهه، إلا أن البعوض يتكاثر ".
غرق وفيضانات
وكانت قرية "أم النصر" شمال بلدة بيت لاهيا، غرقت بمياه بِرك الصرف الصحي، قبل ثلاثة أعوام، ما أسفر عن وفاة العديد من المواطنين، وتضرر عشرات المنازل.

وحادثة "أم النصر" سببّها ارتفاع منسوب المياه بشكل كبير في أحواض الصرف الصحي شمال شرق قرية أم النصر البدوية شمال قطاع غزة، وانهيار أحد السواتر الترابية الغربية للأحواض التي يعلو ارتفاعها ارتفاع المنازل.

وفي محطةٍ ثالثة في بيت لاهيا..كان أبو وضاح غبن يمسك ابنه الصغير الذي يحاول اللحاق ببعض الأطفال المتجهين لبرك الصرف الصحي التي تبتعد عن بيته مئات الأمتار، يقول:"بعد وفاة ثلاث أطفال غرقاً في إحدى البرك، بتُ أخشى على أبنائي، لذلك أمنعهم من الابتعاد أكثر من متر واحد عن البيت".

ويعيش أبناء غبن وجيرانهم في حصار مشدد يفرضه آباؤهم عليهم، لحين ردم البرك التي علا ارتفاعها إلى ما يقارب 15 متراً فوق منازل المواطنين، والتي تشكل خطرا مستمرا وخوفا دائما من انهيار سواترها وفيضان المياه من خلالها.

ولا يختلف الوضع في حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث تقع بركة عسقولة، وسط مبان سكنية، هي في الأغلب مدارس ومحال وبيوت، تدخلها المياه شتاء إذا ما على منسوبها في البركة.
وتقول صفاء عاشور:"انتهى الخوف تقريباً بعد إحاطة البركة بأسلاك تحمي الصغار من الوقوع فيها، ولكن بقاءها وسط حي سكني، وجهل الأطفال لخطورتها يبقي القلق قائماً".

مخزون جوفي ملوث
"موقع البرك وسط مناطق مأهولة بالسكان يجعلها "قنابل موقوتة"..هذا ما استهلّ به حديثه الدكتور عبد الفتاح عبد ربه أستاذ علم البيئة في الجامعة الإسلامية، الذي قال "بركة الشيخ رضوان، وبرك بيت لاهيا، وبركة حي الأمل، وبركة عسقولة، وبرك تجميع مياه الصرف الصحي التي تنفذ لها المياه العادمة، كلها قنابل موقوتة، وهي كذلك لما تحمله من أمراض وملوثات كيميائية، وبكتيريا كالأنتاميبيا، والجارديا والاسكارس والكريبتوسبروديام، التي أصابت ما يتجاوز 30% من السكان المجاورين للبرك".

وعن أهمية هذه البرك اعتبر عبد ربه "البرك في القطاع معظمها محطات معالجة للمياه العادمة، كمحطة الشيخ عجلين، ومحطة بيت لاهيا ومحطة تل السلطان"، مستدركاً:"لكنها تستوعب أكثر من سعتها مما يجعل المعالجة فيها متدنية".

وأكد أن مشكلة محطات المعالجة تكمن في تلويثها لحوالي 90% من المياه الجوفية في القطاع، "إذ تقوم المحطات على خزانات جوفيه غنية بمياه أصبحت غير صالحة للاستعمال الآدمي، لذلك يحتاج القطاع كله لشراء مياه الشرب".

وتابع: " 10% من المياه فقط تعد صالحة، ومناسبتها للاستعمال الآدمي تكمن في خلوها النسبي من عناصر التلوث التي تصل إلى أضعاف أضعاف ما حددته الجهات العلمية لسلامة المياه، في معظم خزانات المياه الجوفية في القطاع".

وأشار إلى أن المياه المُعالجة في محطات معالجة المياه في القطاع، تستخدم في ري الأراضي الزراعية، مما يزيد حجم المحصول ويساعد على نموه، لاحتوائها المواد العضوية المستخلصة من الفضلات البشرية".

وحذر من خطر المزروعات التي تسقى بمياه مُعالجة، لما تسببه من أمراض للإنسان، نتيجة تعلق البكتيريا والطفيليات أو بيوضها في جذور النبات، والأرض، مطالباً بإيجاد حل للمواطنين المجاورين للبرك "وإن كان بإمكانهم التأقلم مع الوضع".

تهديد للحياة البحرية
ويقول: "إنه بالإضافة لخطر المياه العادمة على صحة الإنسان، والنبات، فإنها تشكل أيضاً خطراً كبيرا على الحياة البحرية، التي تشكل المصب النهائي لمعظم البرك ومصارف المياه العادمة في القطاع".

وذكر أستاذ علم البيئة أن البحر يستقبل 80 كوباً من المياه العادمة الخام، أو المعالجة جزئياً بشكل يومي، تغير لون البحر ورائحته وتحمل الكثير من الأمراض للسمك والناس.

ولفت الانتباه إلى أأن نمو الطحالب الخضراء في المناطق التي تصب فيها مياه الصرف الصحي، مع استحالة عيش الأسماك حولها نتيجة وجود ملوثات كيميائية أخرى فيها، محملاً مسؤولية تلوث البحر وموت الثروة السمكية، للجامعات الفلسطينية، ووزارة البيئة.

جهود رسمية
غير أن أصوات المواطنين والعلم لم يكن ذبذباته مرتفعة ليعي المسئولين حجم الكارثة، إذ يبرر عبد الرحيم أبو القمبز مدير إدارة الصحة والبيئة في بلدية غزة، بأن المجلس البلدي يأخذ شكاوى المواطنين على محمل الجد، منكراً حدوث أي حالات غرق في البرك الموجودة في غزة.

وأضاف:" لولا مشروع بركة الشيخ رضوان، لغرق حي الزيتون في الشتاء"، مشيدا بدور بركة الصداقة في حي التفاح وبركة عسقولة، واللتين تستوعبان 25 ألف م3 و18 ألف م3 على التوالي، من مياه الأمطار، التي أعاقت لسنوات عديدة حركة المرور في المناطق التي تشرف عليها".

ويؤكد أبو القمبز استعداد بلدية غزة بالشكل المناسب لاستقبال فصل الشتاء، موضحاً:"نظفنا آلاف مصافي الأمطار في الشوارع الرئيسية والفرعية، مع بداية الصيف، لاستقبال الشتاء، وشفطنا ما تجمع من مياه في البرك، بعد أمطار مايو، وأعدنا تأهيل البرك لموسم الشتاء القادم".

وتابع:"العمل يجري على قدم وساق لاستصلاح الأراضي المحيطة بالبرك، وزراعتها بالأشجار المثمرة"، مشيراً إلى أنه تشّكل الأشجار حول بركة عسقولة وبركة الشيخ رضوان، سواتر وحاجزاً لمنع الأطفال من الاقتراب والغرق.

برك مجففة وطفافة
ومن جهة أخرى أكد يوسف غالية، مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية بيت لاهيا، تجفيف بلديته لعدد من برك بيت لاهيا، مشيرا إلى بقاء 7 برك رئيسية فيها، وواحدة "طفافة"، تتجمع فيها المياه الفائضة من البرك السبعة.

وقال:"تخلصت بلدية بيت لاهيا من برك صرف صحي، تقام على مساحة 250 دونماً، على شكل أحواضٍ عشوائية، تنتشر على مساحة 450 دونماً من الأراضي الصالحة للزراعة والتي تخفي تحتها خزان مياه جوفية عذباً، شمال بيت لاهيا، كما حولنا مياه الصرف الصحي من برك بيت لاهيا، إلى برك أخرى مقترحة شرق مدينة جباليا، ويصلها حوالي 16 أو 18 ألف لتر مكعب يوميا، وذلك كخطوة احترازية، وخوفاً من انهيار برك أخرى، وحرصا منا على سلامة المواطنين".

وأكد على ضرورة الاستفادة السليمة من مياه " المجاري"، أو التخلص منها بطريقة سليمة، مشيرا إلى الكمية الكبيرة التي تستقبلها برك بيت لاهيا، والتي تبلغ حوالي 20ألف كوب من المياه العادمة، تعالج منها 5آلاف كوب يومياً.

مخططات صهيونية
وأرجع غالية وجود برك بيت لاهيا فوق خزان مياه جوفية، إلى الإدارة الإسرائيلية، التي أنشأتها عام 1975، فوق خزان جوفي غني بالمياه العذبة الصالحة للشرب.

ولم تكن برك بيت لاهيا وحدها تغطي خزان مياه جوفية، فبرك تل السلطان، "التي بنتها الإدارة المدنية الإسرائيلية أيضاً"، تشرف على خزان مياه جوفية، تلوثت مياهه بتسريبات المياه العادمة، والمواد العضوية..

ونتيجة الحاجة إلى برك بيت لاهيا، والازدياد المضطرد لمياه الصرف الصحي، لم تجد بلدية بيت لاهيا حلاً سوى تدعيم حواف البرك بالتراب، حتى تزداد علوا ويتجاوز ارتفاعها منازل المواطنين في المناطق المشرفة عليها.

يتابع غالية :"قدمت البلدية عدداً من الخطط للتخفيف عن برك بيت لاهيا، ولكن الاحتلال أفشلها جميعها، إلى أن استفدنا من دعم السويد، في بناء أحواض ترشيح بتكلفة 13 مليون دولار"، واصفاً ما تحمله البرك من أمراض بـ "المصائب" التي تعاونت البلدية مع وزارة الصحة للتخلص منها، "في ظل الحصار المفروض على غزة، وشح المواد".

وبين أن البلدية حاولت ضخ المياه العادمة في برك بيت لاهيا إلى البحر المتوسط أو إلى وادي بيت حانون لكنها فشلت، وفي النهاية تم تنفيذ مشروع تحويل المياه إلى برك جديدة.

وكما أرّقت مشكلة الرائحة والأمراض والبعوض المواطنين، كان لعمال البلدية نصيب من الأرق، "فارتفاع تكلفة المبيدات الحشرية، وفشل بعض المشاريع، جعل البلدية في حيرة من أمرها، إلى أن نفذ مشروع تحويل المياه"، حسب غالية.

وتخشى البلدية من "خلل ميكانيكي" غير محسوب، وانهيار في البرك، يؤدي إلى قتل الناس والمواشي وتدمير الأرض والزراعة، وإن كانت تعمل ما بوسعها لدرء هذه الأخطار.
تكثر التصريحات ويبقى المواطن يعاني ما بين رائحة المياه العادمة، وعدم مقدرته على إيجاد حل جذري، فيلتزم الصمت كاتماً أنفاسه تحت ضغط تلك الرائحة، ويوجِّه قائمة بأسئلة لا تنتهي، على رأسها:"إلى متى سيستمر الحال على ما هو عليه؟! بينما تبقى برك المياه العادمة متخفيةً تحت مسميات يصفها المسؤولون بأنها برك تجميع مياه الأمطار، بينما الواضح أنها "برك للمجاري والصرف الصحي"، لتبقى شكاوى المواطنين مرفوعةً لأصحاب الأمر تنتظر الإجابة.

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق