غزة - خاص
كان مشهداً لفتَ انتباهي بكافة تفاصيله.. مشهدٌ "استغربتُ من كونه انتقاداً لاذعاً لوضع المواطنين في دولةٍ عربية.. على شاشة القناة ذاتها التي تتحدث باسم الدولة..
كان شاباً "عربياً" وُلِدَ في الولايات المتحدة الأمريكية أرسله والده "المسن" المغترب للدراسة في "مسقط رأسه".. وقد حكى له مراراً عن نقاء هوائها.. وطيب مائها.. وهدوء أهلها.. وأقنعه بالدراسة في جامعتها بشرط أن يتواصل معه برسالةٍ يكتبها له كل شهر، فوافق الشاب.. وغادر البلاد.. وصُدِمَ بواقعٍ مرير "لم يرد أن ينقله لوالده الذي بات يحلم بأرضه... وكل جميلٍ دافئٍ فيها"..
وكانت الرسالة الأولى..
"والدي العزيز.. أبلغك أنني مسرورٌ جداً في إقامتي هنا.. أصحو صباحاً فلا أشم –كما أخبرتني- إلا رائحة الزهور (بينما في المشهد تظهر أكوام القمامة).. آخذ حماماً سااااخناً جداً يريح أعصابي (وفي المشهد تبدو المياه مقطوعة).. ولن أنسى أن أشكرك على نصيحتك لي بزيارة هذه البلاد التي لم أجد أهدأ من أهلها (وفي المشهد يتشاجر اثنان لسببٍ تافه).. أما الجامعات.. والشركات... فلا تقبل أبداً "الواسطة".. وحتى المسئولين.. لا يرتشون أبداً.. أخلاقٌ ودينٌ وفضائل.. (وفي المشهد يظهر عكس ذلك كله)..
الجرأة المطروحة مقصودة والرقابة غافلة عمداً.. في محاولة من السياسات العليا لإسكات الرأي العام المشتعل على صفيح ساخن جراء الأحداث الأخيرة المتطورة والمتلاحقة سياسيا في المنطقة..والمنتج يحاول جاهدا استنباط الذوق العام، ليختار من خلاله الموضوعات التي يطرحها، وهذا الأمر يسري كالمخدر لتهدئة الرأي العام بينما الغرض منها إدرار الربح المادي عليه، تماما كمن يضع السم في العسل
أن يُنتقد مسئولوا دولةٍ "بنظام حكمٍ اشتراكي بعثي" فهذا أمر ليس بالهيّن.. ورغم ذلك.. بقي هذا النقد مجرد "عرضٍ" لما في سريرة المواطن في تلك الدولة.. "نقداً خجولاً".. "خائفاً" متوارياً وراء أبواب "اللفظ" الذي يحمل أكثر من معنى..
بين.. وبين
يعتقد المخرج عبد الرحمن الحمران من غزة، أن هنالك بعض الأعمال الدرامية العربية الجريئة والجيدة التي تستحق المتابعة والاهتمام عبر ما تزرعه من فضائل في السلوك الإنساني.. إلا أنه يجد أنه من الصعب الحكم على الدراما العربية بشكل عام، فهي كما يقول: "بمثابة شاهد على التاريخ العربي المعاصر بكل تفاصيله، لكنها ليست بمعزل عن سياسة تكميم الأفواه وفرض الرؤى السياسية للأنظمة.. إضافةً لأطماع المنتجين في الكسب المادي".
ويضيف: "رغم جرأتها في طرح قضايا اجتماعية حساسة، إلا أنها مازالت تفتقر لنفس الجرأة في طرح القضايا السياسية.. وإن حدث تكون "مداعبة للسياسة لا متمردة عليها"، مشبهاً إياها "بمن يعيش في المعتقل السياسي"، يجب أن يكون مطيعا ويحسب ألف حساب لردود الفعل، مشيراً أن الأعمال الجريئة التي كانت تنتقد السياسات، والأنظمة، والظلم، تبقى أسيرة داخل سجون الرقابة لسنوات طويلة..
هوية لا يستهان بها
ويرى الممثل إياد جربوع أن الدراما العربية أصبحت جزءا لا يستهان به من الهوية الثقافية لأي مجتمع متحضر.. لكنها لم تعد بذلك التوهج الذي كانت عليه في السنوات الماضية، فهي كما يقول:" طغى عليها الطابع التجاري وأصبح اهتمام صناعها بتحقيق الربح المادي السريع، يسبق حرصهم على تقديم رسالة هادفة".
وينوه جربوع أن الدراما لها ايجابيات وسلبيات في محاولتها للتعبير عن قضايا الشارع العربي الاجتماعية والسياسية منها على حد سواء، مشيرا لما تحويه الدراما العربية من تأثير كبير وواضح في انعكاس السلوك العام للمجتمع، والخاص للشباب. "هذا وإن دل فإنه يدل على اقتناع الشارع وتأثره بها بغض النظر عن إطار هذا التأثير سلبيا كان أو ايجابياً"، على حد قوله.
سمٌ في عسل
أما الممثل "الفلسطيني" راجي النعيزي فيفسر الجرأة المطروحة بأنها مقصودة وأن الرقابة غافلة عمداً.. في محاولة من السياسات العليا لإسكات الرأي العام المشتعل على صفيح ساخن جراء الأحداث الأخيرة المتطورة والمتلاحقة سياسيا في المنطقة، مؤكدا كما سابقيه على سلبية اهتمام المنتج بالمردود المادي وحسب، دون اكتراث فعلي بقضايا المجتمع وهمومه.
ويوضح النعيزي أن المنتج يحاول جاهدا استنباط الذوق العام، ليختار من خلاله الموضوعات التي يطرحها، واصفاً هذا الأمر: "إنه يسري كالمخدر لتهدئة الرأي العام بينما الغرض منها إدرار الربح المادي عليه، تماما كمن يضع السم في العسل".
وشدد النعيزي على أن كل أشكال الدراما الحالية لا ترقى للمستوى المطلوب الذي يأمله الشارع العربي حقيقة. مدللا بقوله:" يكفي أن نعلم أنها مقيدة بمادية المنتج ومصلحة الحكومة حتى نعترف بفشلها".
وحول ما ينقص الدراما لتكون -كما يأمل المواطن- يرى النعيزي أن ما ينقصها هو: "أن تفتح صيدلية الضمير المغلقة أبوابها، وتقوم بصرف العلاج للمرضى"، مع عدم اعترافه بوجود تأثير فعلي لها، حيث أنه يعتقد: " لو كان ما يعرض ذو فائدة أو أن له قيمة من التأثير لما كان عُرض وطرح أصلاً".
جرأة ووضوح
من جانبها أكدت الصحفية والكاتبة منال خميس أنه خلال السنوات الأخيرة برزت الدراما بشكل جريء في طرح الفكرة، وتناول المضمون بموضوعية، من خلال قضايا حساسة لم تتجرأ على طرحها من قبل، ولامستها بشكل دقيق، وبمعالجات مختلفة: كالأوضاع السياسية، والعلاقات الخاصة، والحب، والايدز، والشذوذ، وكثير من القضايا التي كان مسكوتاً عنها.
وتقول خميس:"حين نطرح مسألة السلب والإيجاب في قضية تأثير الدراما فليس جميع ما يطرح مردوده ايجابي فهناك أعمال جادة طرحت مشاكل وناقشتها باحترام، وعززت الجوانب الايجابية فيها. وفي المقابل هناك من ناقش القضايا بعدم موضوعية، إما بمبالغة في الطرح وتطرف في المعالجة، أو بسطحية واستهتار". مشددة على أهمية دور الآباء وتحديد ما يشاهده الأبناء من الدراما وفق ما يتناسب وأعمارهم، ويخدم قضاياهم، ويسليهم في الوقت نفسه. فهناك الكثير، على حد وصفها، من المشاهد والإسقاطات التي قد تصبح عامل تحول سلبي في بناء الشخصية، خصوصا إذا كان هذا العمل موجهاً لفئة عمرية معينة فما يناسب الراشدين لا يتناسب مع الأطفال.
تنوير لا تزوير
د. عبد الخالق العف يصر على أن هناك تقدماً كبيراً في الدراما "السورية" على وجه الخصوص، بينما الكثير من الإسقاطات التجارية في الدراما المصرية –على حد قوله-، منوهاً أنه على الدراما أن تعالج الفساد السياسي والمشكلات الاجتماعية دون تلميع للنظام والواقع. وأن مهمتها تنوير المشاهد العربي لا تزوير الحقائق.
ويرى د. العف أنه لا يزال هناك قمع وتحكم من قبل النظام الحاكم وهو في الأغلب "يسر عدوا لكنه لا يسر حبيبا". موضحاً أن "ما يطرح الآن على أنه جرأة في التناول وتسليط أضواء على مسكوت عنه ليس بالقدر الكافي لمحو عتم الفساد الحادث".
ويشدد د. العف على ضرورة وجود نية حقيقية جادة لتغير الاستبداد التجاري سواء على القطاع العام أو الخاص. منتقداً بعض الأعمال الجريئة في العرض لا الطرح بقوله: " إن الجرأة في الطرح لا تعني الإسفاف مطلقا فهناك حدود وضوابط لا بد من أن تحترم فالمشاهد عموما يستمرئ الواقع كتلفزيون الواقع والقياس عليه كثير ".
وبالنسبة لمدى التأثير يرى د. العف أن للدراما الحالية تأثيراً إيجابياً وآخر سلبياً. ولكن لا بد من صدق النوايا لتغيير السلبي فيها مع حشد الطاقات وتوافر الإرادات.
المصدر: فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





