محمود عبد الرحيم
رحل عمرو موسى عن الجامعة العربية، وبعيدا عن تقييم أدائه سلبا وإيجابا، و مدى إمكانية وصف مواقفه بالمتأرجحة غالبا، والمنسجمة كثيرا مع إرادة الحكام لا الشعوب، والتي خطها الأحمر القرار الأمريكي، إلا أن الشيء الإيجابي البارز في رصيده كأمين عام للجامعة هو طرحه "رابطة دول الجوار"، التي كانت في صيغتها الأولى قبل تحفظات كثير من الدول العربية عليها، خاصة مصر ودول الخليج، تعني بالأساس التحالف العربي مع القوى الإقليمية ذات التأثير والتماس جغرافيا وسياسيا واستراتيجيا، بل وثقافيا مع العالم العربي كتركيا وإيران، اللتين تستطيعان أن تمثلا الرافعة للوضع العربي، وتحدثان مع العرب ليس فقط توازناً مع الكيان الصهيوني رأس حربة المشروع الامبريالي الغربي في المنطقة، وإنما تفوقاً نوعياً على كافة الأصعدة، وتحويل حالة التنافس والصراع التي تغذيها تل أبيب، خاصة باتجاه إيران إلى مساحة للتكامل والتعاون وتعظيم المصالح المشتركة.
وإن كان لي أن أنصح أمين عام الجامعة العربية الجديد نبيل العربي، فهو أن يتبنى هذا المشروع، ويقاتل من أجل إنفاذه على الأرض، وليس الانشغال بلعبة "السلام" العبثية مع الكيان الصهيوني، وحديث المفاوضات الذي ما إن ترفع واشنطن يدها عنها، حتى يتبناه الأوروبيون لملء الفراغ و مواصلة الحركة في ذات المكان، وإلهاء الفلسطينيين عن خطوة الاعتراف الأممي بدولة فلسطين ذات البعد الرمزي في الأساس.
صحيح أني انزعجت من حديث العربي عن أن عودة العلاقات المصرية الإيرانية متروك للبرلمان المصري القادم، كما لو كنا إزاء عدو أو دولة في حالة حرب تحتاج استئناف العلاقة معها إلى تصديق من ممثلي الأمة، عقب ضغوط خليجية معلنة، وإبداء استياء من استقبال القاهرة مسئوليين إيرانيين والحديث بإيجابية عن طهران، وكنت أتصور أن تطبيع العلاقات قاب قوسين أو أدنى بعد الثورة المصرية ورحيل وزير خارجية نظام مبارك المتصهين، لكني سأبني على تصريحات العربي الأولى، وأراهن على مهاراته الدبلوماسية، ورؤيته السياسية الناضجة، وقدرته على تجاوز هذه الضغوط، مدعوما بروح جديدة تأخذ في الاعتبار البعد الشعبي في ظل ربيع الثورات العربية، وتوق الشعوب إلى تحالفات جديدة تراعي مصالحها، لا تخصم منها كما هو الحال في الارتباط المذموم مع تل أبيب وواشنطن، ونهج التبعية والانبطاح الذي لم يعد له مكان في هذه الحقبة الثورية، "حقبة الشعوب".
وأظن لو قمنا باستطلاع رأي الشارع العربي من المحيط للخليج حول استبدال التطبيع "الإسرائيلي" بالتطبيع مع إيران، ستكون النتيجة لصالح إيران حتى من قبل شعوب دول الخليج أنفسهم.
أما عن تركيا، فقد اكتسبت شعبية واسعة عربيا، خاصة منذ حرب الكيان الصهيوني على غزة، ومواقفها المتتابعة إزاء تل أبيب، و إزاء الديكتاتورية العربية إبان الثورات العربية المتوالية، ولا توجد حساسية تجاهها حتى رسميا، ربما لوضعيتها الخاصة بحكم عدم وجود "فيتو أمريكي" على تحركاتها، واتخاذها مواقف ضد (إسرائيل)، لكنها لا ترقى لحالة العداء.
وما أود أن الفت إليه النظر أن هذه المهمة الصعبة بحق، ليست فقط منوطة بنبيل العربي كأمين عام للجامعة العربية، وإنما بالدولة القائدة مصر التي يُفترض بها بعد ثورتها المجيدة أن تعيد تحالفاتها وتستعيد دورها، وتحدد دوائر الحركة حسب المصلحة الوطنية والقومية، وبالتأكيد ستتبعها وتدعمها بقية الدول العربية حال القيام بهذه الخطوة الشجاعة، باعتبار مصر القاطرة لأمتها العربية.
وثمة إشارات ايجابية نأمل أن تثمر ونرى لها صدى على الأرض، من قبيل استضافة رئيس بعثة المصالح الإيرانية في تليفزيون الدولة المصرية في حوار مطول لأول مرة، وزيارة وفد شعبي مصر لطهران، وما يشيان به من تحول في النظرة لإيران والقطيعة غير المبررة لها التي يجب أن تنتهي بأسرع ما يمكن، هذا بالترافق مع فتح حوار استراتيجي بين كل من القاهرة وأنقرة، وأيضا زيارة وفد شعبي يتقدمه شباب الثورة.
ولا شك أن تزامن هذه الإجراءات ترسم صورة متفائلة ، وتعد خطوات مهمة على الطريق الصحيح، نرجو ألا يعرقل مسارها قوى الشر في الداخل والخارج.
Email:mabdelreheem@hotmail.com
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





