د. أغر ناهض الريس
اصطحبت عائلتي أول أيام عيد الفطر إلى فعالية نظمتها الجالية المسلمة في شمال لندن لنشعر ببهجة العيد التي نفتقدها في غربتنا. وما أشد فرحتي إذ وجدت الفعالية على قدر كبير من التنظيم والترتيب مع وجود العديد من ألعاب الأطفال الآلية منها والبسيطة بالإضافة إلى ركوب الخيل والطعام الشرقي والألعاب النارية. بدت الجالية المسلمة بأطفالها وكبارها في غاية السعادة وهي ترتدي ملابسها التقليدية المتنوعة وتحافظ على هويتها وتراثها.
تذكرت حينها كآبة عيدي الأول في لندن قبل خمسة عشر عاماً إذ مرت أيامه وكأنها أيام عادية من غير أي مظاهر احتفالية، مارست فيها الجالية المسلمة أعمالها اليومية وكأن شيئاً لم يكن، أما بالنسبة للإنجليز فلم يكن عيد المسلمين مناسبة تستحق الذكر. أما في أيامنا هذه فلأعياد المسلمين حضور قوي في المجتمع البريطاني إذ تكاد لا تخلو منطقة أو محل تجاري من تهاني للمسلمين بعيدهم، حتى أن رئيس الوزراء كاميرون ظهر ولأول مرة على قناة الإسلام البريطانية ليحيي المسلمين في عيدهم ويرجو لهم أفضل التمنيات كجالية مؤثرة في المجتمع البريطاني. وجدت نفسي عندها أتساءل عن سبب هذا التغيير الكبير في حضور المسلمين خلال عقد من الزمن.
فعلى الرغم من أن وجود المسلمين في بريطانيا يرجع إلى تاريخ تأسيس المملكة المتحدة في القرن الثامن عشر إلا أن عددهم أصبح ملحوظاً منذ خمسة عقود فقط عندما هاجر عشرات الآلاف من المسلمين من الدول التي كانت تتبع للإمبراطورية البريطانية إلى بريطانيا ليستوطنوا فيها ويزداد عددهم بمعدل عشر المرات أسرع من غيرهم ليصل الآن لقرابة ثلاث ملايين مسلم.
إلا أن تأثير الجالية لم يكن بقوة حجمها خلال العقود الأربعة الفائتة، إذ إن المهاجرين الأوائل اكتفوا بلعب دور بسيط في المجتمع البريطاني. ومع ظهور أبناء الجيلين الأول والثاني ممن ولدوا في بريطانيا وترعرعوا فيها بدأ حضور المسلمين يزداد قوة وتأثيراً. وعلى الرغم من انتمائهم الواضح إلى المملكة المتحدة المتمثل في تحدثهم بلغتها والتزامهم بقوانينها ونظمها، إلا أن تمسكهم بدينهم وتراثهم كان بقوة انتمائهم. ولم يرض هؤلاء بالدور البسيط الذي لعبه جيل آبائهم فاحتلوا أماكن مرموقة في وظائف حيوية على طول البلاد وعرضها كالطب والمحاماة والتجارة.
وإذ أضحى وجود المسلمين واضحاً وبقوة، أصبحت القوى السياسية تخطب ودهم كما أخذت المؤسسات الاقتصادية الضخمة تأخذهم في عين الاعتبار، فغدت بضائعهم كاللحم الحلال والتمر في رمضان توجد في أكبر المتاجر البريطانية.
إنني اليوم إذ أنظر إلى التحول الذي طرأ على المسلمين في المملكة المتحدة كأنموذج للمسلمين في الغرب أرى مستقبلاً واعداً تنظم فيه الأجيال القادمة صفوفها وطاقاتها لتلعب دوراً فعالاً في الحياة السياسية والاقتصادية واعدة بمستقبل أفضل للمسلمين وقضاياهم ليس في الغرب فحسب بل في العالم الإسلامي أجمع.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





