خالد وليد محمود
نظرة متأنية على توزيع مراكز الأبحاث العربية كفيلة أن توحي للمراقب بأن وضع هذه المراكز ما زال ضعيفاً؛ فضلاً عن انخفاض عددها وقلة تفاعلها مع البيئة المحيطة بها، وعدم وجود قاعدة بيانات تضم مراكز الأبحاث في الوطن العربي، والتي لا نعرف أعدادها بشكل دقيق ولا توجد إحصائية رسمية بهذا الشأن، سواء عن مراكز الأبحاث الرسمية أو الأهلية.
وهي، على أي حال، قليلة جداً بالنسبة لكثافة السكان، وقياساً بالحاجة إليها في مجتمعات نحب أن نسميها بالمجتمعات النامية. ويبقى أن هناك وعياً آخذاً بالتشكل بضرورة وجود مثل هذه المراكز، وإدراكاً متنامياً بضرورة استقلاليتها عن توجهات السلطة المركزية وإملاءاتها والميادين "الآمنة" التي تختارها لإجراء الأبحاث والدراسات حولها. وأسست، في السنوات القليلة الأخيرة، بفضل بعض الناس المغامرين، مراكز في هذا البلد العربي أو ذاك، حاولت تقديم دراسات جادة في ميادين اقتصادية واجتماعية عديدة، ولكنها تبقى محكومة بعاملين أساسيين، فقر الإمكانات المادية التي تتيح لها القيام بعمليات مسح شاملة، وتفريغ أو توظيف فرق العمل اللازمة، أو تكليف باحثين بإنجاز أعمال ميدانية أو نظرية في مواضيع معينة.
والعامل الأساسي الآخر، أن بعض هذه المراكز، الذي يبدو مستقلاً ظاهرياً، محكوم باعتبارات أيديولوجية تحول بينه وبين طرح قضايا معينة قد تمس تحزبه لهذا الفكر أو ذاك، أو لهذه السلطة أو تلك. والأمثلة معروفة ولا داعي لذكرها. ومن هنا لم تمارس هذه المراكز تأثيرها المطلوب.
ويبدو أن تخلف الدول العربية في مجال البحث العلمي انعكس بصورة أو بأخرى على هذه المراكز، إضافة لعدد كثير من المعيقات والتحديات التي تواجه تلك المراكز، منها البيئة الخارجية المحيطة بعمل مراكز الأبحاث، والتقييدات على حريات عملها والتي تتفاوت من بلد إلى آخر، سيما فيما يتعلق بحريات تسجيل مراكز الدراسات واتساع هامش الحرية الممنوحة لها في آليات العمل، وكذلك مشكلة الاستدامة بالدرجة الأساس، إلى جانب مشكلة العشوائية في العمل وضعف آليات التعاون..الخ.
وما يلفت الانتباه أن هذه المراكز كانت لفترة زمنية ماضية مجهولة الدور والوظيفة ولم تكن تملك أي دور ثقافي، ورغم ذلك؛ فرضت ظاهرة مراكز البحوث وجودها واتسع نشاطها وزاد حراكها عربياً، واستناداً لقاعدة البيانات التي قام الباحث بتجميعها وتتبع فيها نشأة مراكز الأبحاث وتطورها، يتضح أن أول مركز أبحاث عربي تم إنشاؤه في الخمسينيات وتحديداً عام 1952 وهو معهد البحوث والدراسات العربية الذي كان يرتبط بالجامعة العربية في القاهرة، ومن ثم تم تأسيس المركز القومي للبحوث عام 1956، وجاء بعده مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عام 1968 وبعده مركز دراسات الوحدة العربية عام 1975. ومنذ ذلك التاريخ، راحت تنتشر مراكز الأبحاث في العالم العربي بشكل واضح، ويلاحظ أن تلك المراكز كانت في البداية مراكز أبحاث أكاديمية ترتبط بالجامعات أو بمؤسسات حكومية، ومن ثم لحق بها تأسيس مراكز أبحاث خاصة غير حكومية وغير ربحية تبحث في المجالات السياسية، الاقتصادية، الاستراتيجية، الزراعية، الصناعية، الهندسية، التربوية..الخ.
كما يتضح من خلال التعرف على مراكز الأبحاث العربية خاصة تلك التي نشأت في عقد السبعينيات والثمانينيات تحديداً أن جزءاً منها جاء لتلبية الحاجة إلى دراسة حالة الصراع العربي الإسرائيلي وبرزت الحاجة إلى تشخيصها والتعامل معها وفق أسس علمية مدروسة. وجزء من تلك المراكز خاصة التي نشأت في تسعينيات القرن الماضي تأسست واستفادت من جو الحرية في بلدانها وأوكلت إليها بعض الاستحقاقات وأنتجت أعمالاً ومشاريع بحثية.
ويرى العديد من المراقبين بأن أسباب هذا التطور لمراكز الأبحاث ودوافعه يختلف من بلد لآخر، كما هي من مركز لآخر، وقد صاحب هذه الظاهرة تزايد المؤتمرات العلمية والأكاديمية التي تبحث في مختلف شؤون الحياة المحلية والإقليمية والدولية في ظل التغيرات الرئيسية الجارية في منطقة الشرق الأوسط.
هناك العشرات من هذه المراكز المنتشرة في العالم العربي يستدل عليها من خلال المؤتمرات والندوات التي تعقدها في مجالات عديدة سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، الاجتماعي أو الإعلامي، الاستراتيجي، الأكاديمي....الخ، مما يدفع بضرورة التفكير بجدية في كيفية تفعيل آليات ووسائل الاستفادة من هذه المراكز والمؤتمرات وتطويرها لمصلحة تحقيق الفاعلية الأكبر لمؤسسات صنع القرار وتوفير فهم أعمق وأدق للتطورات والتحديات التي تجابه الدول العربية من خلال محاولة هذه المراكز باستقراء البيئة الإقليمية والدولية التي تحيط بهذه التطورات والإسهام في زيادة وعي الرأي العام العربي بالتحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة.
إن أهم واجبات وأدوار مراكز الدراسات والأبحاث في الوطن العربي هو الغوص في أعماق التركيبة العربية الاجتماعية والثقافية، وتحليلها وعرضها أمام الشمس من أجل قراءتها قراءة سليمة..فأين المراكز من هذا الدور ؟.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





