د. عصام عدوان
تنتشر عبر العالم مجموعة كبيرة من المنظمات الدولية ذات الطابع الإغاثي والإنساني والثقافي. وتحظى مناطق الصراع والنزاع باهتمام خاص من قبل هذه المنظمات، نظراً لازدياد الحاجات الإنسانية فيها، ولاعتبارات أمنية واستراتيجية أخرى. والأراضي الفلسطينية، ومنها قطاع غزة، واحد من هذه المناطق التي استحوذت على اهتمام عدد من المنظمات الدولية، مما يضيق المقال عن تعداد أسمائها واهتماماتها وسيرتها.
ومع كل التقدير لجهود هذه المنظمات الدولية في تخفيف معاناة شعبنا وتقديم الإغاثة والمساعدة اللازمتين، وهي جهود لا ينكرها أحد، إلا أنني سأسلط الضوء في مقالتي هذه على بعض الأهداف الخفية التي تسعى بعض هذه المنظمات لتحقيقها. الأمر الذي يوجب وضع هذه المنظمات الدولية والعاملين فيها، وسلوكها تحت المجهر من قبل السلطات المعنية. ومن هذه الأهداف الخفية:
تكوين قاعدة بيانات: فمعظم هذه المنظمات تقدم خدمات متنوعة تحصل من خلالها على معلومات داخلية عن كل مستفيد، ومع الزمن، ومع تنوع مجالات الخدمة، يتم تكوين قاعدة بيانات معتبرة عن الشعب الفلسطيني، يتم على أساسها تحديد مستوى تطور المجتمع، ومجالات احتياجاته وكمياتها، الأمر الذي يتيح للجهات الموجِّهة لهذه المنظمات الاستفادة منها على المستوى الأمني (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي)، فضلاً عن اشتراط (إسرائيل) في بعض الأحيان على بعض هذه المنظمات بتزويدها بتلك البيانات التي تجمعها من المجتمع الفلسطيني مقابل السماح لها بمباشرة عملها داخل الأراضي المحتلة، مما يجعل الأراضي المحتلة باستمرار تحت سمع وبصر الاحتلال وبشكل محدَّث.
وبعض المنظمات الدولية تحصر خدماتها في المناطق الحدودية، والتي تسميها بالمناطق المهمشة. وفي كل مشروع تموله تقوم بجمع بيانات وافية عن سكان تلك المناطق. وإذا علمنا أن جهاز (أمان) (الإسرائيلي) المخابراتي معني بجمع بيانات سكان المناطق الحدودية، والعمل على اختراقهم، فعند ذاك يمكننا الربط بين ما تقوم به هذه المنظمات الدولية في المناطق الحدودية وبين أهداف الاحتلال الاستخباراتية. وتشترط هذه المنظمات على شريكها المحلي بأن تباشر عملية إدخال البيانات والاحتفاظ بالنسخة الأصلية من نماذج البيانات، الأمر الذي يفتح تساؤلات عدة حول جدية هذه المنظمات في دعم المجتمع المحلي وتعزيز دور وقدرات المنظمات الأهلية المحلية للقيام بهذه المهام عوضاً عنها.
بعض المنظمات الدولية تقدم منحاً دراسية. ويقوم المتقدم بطلب المنحة بتعبئة نموذج مكون من 15 صفحة في المتوسط تتضمن معلومات وافية عنه وعن عائلته (اجتماعية، فكرية، اقتصادية، سياسية، جغرافية). ومقابل تقديم 15 منحة مثلاً؛ تحصل على 15,000 طلب منحة في الأراضي المحتلة. وتتنوع المستويات التعليمية المستهدفة ما بين البكالوريوس والماجستير والدكتوراة وأبحاث ما بعد الدكتوراة، بحيث تتضاعف هذه الأعداد. وعلى الرغم من القيمة العلمية المهمة لهذه المساعدات التعليمية، إلا إن الخطورة تكمن في حجم المعلومات الهائل التي تطال كل المجتمع تقريباً، وضمن تحديث سنوي من خلال تنويع المنح وتكرارها. يتم الاحتفاظ بكل البيانات التي يتم جمعها بعد إدخالها إلى الحواسيب لدى الجهات المانحة، ويُحتفظ بها لسنوات طويلة.
وإذا علمنا أن المخابرات الأمريكية قررت قبل خمسة عشر عاماً أن تستفيد من الكم الهائل من المعلومات المتاحة والسهلة، وبنسبة تصل إلى 80% أو أكثر، فإنه يصبح مفهوماً ما أهمية هذا الكم من طلبات المنح، وهذا الكم من البيانات الذي تتضمنه نماذج طلبات المنح. ومن جانب آخر، فإن الدول المانحة تستقطب هؤلاء الطلبة لإفادة مجتمعها وليس مجتمعهم، فهم قد يستقرون في البلد المضيف فيخدمونه، أو يعودون لموطنهم بعد سنوات وبعد أن يلتقطوا من الثقافة الغربية ما يجعلهم جسوراً لها في بلدهم، وقد يتطور الأمر ليصبحوا ضمن منظومة عمل الغزو الفكري.
وأما بقية ملفات المتقدمين للمنح السنوية، فتقدم معلومات مهمة ومجانية عن المجتمع الفلسطيني، يُستخدم بعضها في تكوين صورة عن اتجاهات تطوره، وعن بعض النشطاء أو الذين سينشطون في المستقبل في العمل السياسي والعسكري وخلافه.
وبعض المنظمات الدولية يتخذ موظفوها الدوليون العمل الإغاثي وسيلة لتحقيق الرفاهية لأنفسهم، فيخصصون نسبة تتراوح بين 20% - 60% من قيمة مشروعاتهم لصالح نفقاتهم الإدارية وسفرياتهم وبدلاتهم.
وبعض هذه المنظمات يشترط لتقديم مساعداته للمنظمات الأهلية المحلية ألا تتبع لجهة سياسية معينة، وألا يكون ضمن مجلسها الإداري أو التنفيذي أشخاص متهمون بأنهم ذوو توجهات سياسية غير مرغوب فيها من طرفهم.
الأمر الذي يندرج ضمن سياسة استعمارية قديمة جديدة تهدف إلى تعزيز الموالين لها في الوسط الفلسطيني على حساب مصالح الشعب ومصلحة الوطن. وهو يعني في الوقت نفسه أن هذه المنظمات تتدخل في الشئون الداخلية للمجتمع الفلسطيني على طريقتها، فتدعم فئة دون أخرى، وتسهم في توجيه المجتمع الفلسطيني باتجاه خياراتها السياسية المرتبطة غالباً بالاحتلال.
وبعض المنظمات تجمع تبرعات دولية باسم الشعب الفلسطيني وفقرائه، ثم تقوم بتوظيف أعداد متزايدة من الموظفين الدوليين برواتب وبدلات عالية جداً، دون أي محاسبة من أحد، ليسألهم عن جدوى هذه التعيينات، ولماذا لا تكون من بين أبناء الشعب الفلسطيني ليستفيد الشعب من التبرعات التي تجمع له وباسمه.
وهناك العديد من المنظمات الدولية التي ترسل باحثيها الميدانيين لجمع البيانات من داخل مساكن الفلسطينيين من خلال زيارات ميدانية، يتم خلالها تعبئة نماذج وأخذ معلومات، وفي أحيان كثيرة تتم في غياب صاحب البيت من خلال سؤال أهله أو أولاده. ثم تتعدد هذه المنظمات وتكرر زياراتها للبيت الواحد بغية استكمال المعلومات وملاحظة الفروق. وهكذا يصبح المجتمع الفلسطيني نهباً لاستراتيجيات توضع في الدول الكبرى وهي ذات أهداف غامضة ومريبة، وتحصل على مبتغاها بدون مقابل، مستغلة حاجة عموم السكان للمساعدات بأنواعها.
وبعض المنظمات الدولية يدخل موظفوها الدوليون ويخرجون من الأراضي الفلسطينية دون رقيب ولا حسيب، ولا يتعرضون لأي محاولة تفتيش، ولذلك يتجرأ بعضهم على إدخال مواد مسكرة بكميات كبيرة تتجاوز احتياجاته الشخصية بكثير. وبعضهم يُدخل أموالاً نقدية في حقائب على غير التقاليد المتبعة في عمليات نقل الأموال عبر البنوك المعتمدة، الأمر الذي يثير شبهات أمنية كبيرة حول هذه السلوكيات.
إن على السلطات المسئولة في الأراضي الفلسطينية واجبات كبيرة تجاه متابعة كل المنظمات الدولية العاملة في الداخل تحت سلطتها. ولا يجوز مطلقاً السماح بتجاوزات بذريعة الخشية من توقف عمل هذه المنظمات ومن ثمّ خسارة المجتمع الفلسطيني لأحد أوجه دعم وتعزيز صموده.
لأن هذه المقولة عارية عن الصواب. فقد اتضح من خلال ما استعرضناه من بعض الأهداف الخفية لهذه المنظمات، أنها هي المستفيد من عملها في الأراضي الفلسطينية، سواء على المستوى الأمني، أو المستوى الشخصي لموظفيها. إن الحاجة تقتضي سن قانون واضح من المجلس التشريعي يقنن عمل المنظمات الدولية ويفرض عليها شروطاً للعمل بما يحقق المصلحة الفلسطينية، ويحول دون تحولها إلى شكل من أشكال الوصاية الدولية، أو الاختراق الدولي للمجتمع الفلسطيني.
ولا بد من تحديد الآليات بدقة ووضوح، ووضعها موضع التنفيذ بعد إخطار هذه المنظمات بتقاليد العمل الواجب اتباعها في الأراضي الفلسطينية. وعلى حركات المقاومة، التي تشكل الحصن المنيع لشعبنا، أن تضطلع بمهامها أيضاً في متابعة هذه المنظمات الدولية وموظفيها، وتخصص لهم جزءاً من اهتماماتها بما يحصِّن المجتمع الفلسطيني من أي سلبيات قد تجرها عليه.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





