السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

ابتغاءاً للأجر.. وإكراماً لـ"ماضيه المشرّف" تزوّجته ووضعَته في "بؤبؤ العين"

في حكاية "نَهَلة" "معه"..عذاباتٌ يَلينُ لها الحديد!

السبت, 28 يناير, 2012, 15:29 بتوقيت القدس

كتبت - أسماء صرصور

يا لها من أقدار..ويا لحياةٍ فيها من الحكايات ما لاَ يُصدق..فهي مفارقةٌ أن تحسدها أخواتها على زواجها برجلٍ هو أقرب إلى طفلٍ في تصرفاته منه إلى رجل، بينما كل واحدة منهن تندب حظها على زواجها بشخص سوي الجسم والعقل ولكنه بعيدٌ كل البعد عن "المعاشرة بالمعروف"!

ستُ سنواتٍ هي عمر زواجها منه، وإلى أين يسير بها مركب الصبر؟!.. هي لا تعرف لكنها بقضاء الله وقدره راضيةٌ جدًا عن حالها، بالرغم من الدموع المتناثرة بين الحين والآخر، والتي تسكبها سرًا حسرةً على حظها، أو لعلها تكون مسكنًا لها تعينها على إبقاء المركب طافيًا بعيدًا عن الغرق!

صاحبة القصة سنطلق عليها اسمًا مستعارًا في السطور القادمة، ولتكن "نهلة" لحساسية الوضع الذي تعيشه، ولكن رغبةً من "فلسطين" بإلقاء "بقعة ضوء" على حياتها وافقت على الحديث معنا في يومٍ غابت شمسه، وانخفضت درجة حرارته، حيث استقبلتنا "نهلة" في منزلها الجديد، ولخلوه من الأثاث، كان نصيبنا طوال ساعة كاملة أن نفترش "فرشة أسفنجية"، ومع رشفات من الشاي بدأت حديثها لنا عن اللحظة التي دخلت فيها عالم زوجها المقاوم "مع وقف التنفيذ".

رضاكِ من أين؟!
تقول نهلة: "كنت أبلغ من العمر سبعاً وعشرين سنة، وأعمل في مصنع للخياطة لعدم رغبتي في الالتحاق بالجامعة، وفي عصر أحد الأيام زارتنا والدة منير، وحين رأتني أعجبتها".

وتمضي في حديثها لنا وبعض الذهول يأسرني:"أخبرتني والدته بنضاله من أجل فلسطين وأن نهاية عمله أفقدته القدرة على أن يكون إنسانًا عاقلاً بل إلى الطفولة هو أقرب الآن، ومع ذلك بمجرد أن قالت: "إنه "منير" – وهو اسم مستعار له – وافقت بلا تردد لعلي أكسب الثواب بخدمة رجل قدم لوطنه".

وتكمل: "أخذت تخبرني أن زوجته الأولى تخلت عنه بعد الإصابة، وأنه ينسى كثيرًا، ولا يمكن له أن يتحمل المسؤولية وأن كل شيء سيكون على عاتقي، وأما عائلتي فكان قرارها نابعًا من قراري لا إجبارًا لي ولا اعتراضًا على رغبتي".

وبضحكة لربما استعانت فيها لتتابع حديثها بكبرياء.. تابعت: "في غرفة صغيرة في بيت العائلة قبل ست سنوات تزوجت، ولكن بعد الزواج تفاجأت كثيرًا بحالته، وأدمنت البكاء وما كان يصبرني سوى وقوف عائلته إلى جانبي في كل صغيرة وكبيرة"، فكانت ردة فعلي على كلامها سؤالها: "لو عاد الزمن إلى الوراء هل توافقين مجددًا على الزواج منه؟!".

لم أكد أنهي تساؤلي حتى كان ردها جاهزًا بلا لمحة تردد واحدة: "سأبقى على موقفي من الزواج منه مرة ثانية وثالثة ورابعة فهو سيبقى في عيني "منير" القائد البطل وسأرغب دومًا أن أنال شرف رعايته".. شعرت ساعتها أني سأكمل اللقاء معها وأنا فاغرة الفم طوال الوقت فمن أين لها هذه القوة والرضا بحالها؟!.. من أين؟!.

لا يكف عن تكرار السؤال
كيف لها أن ترضى بزوجٍ هو في عمره العقلي طفل وهي من تتحمل كل مسؤولية البيت.. هي من تذهب للشؤون الاجتماعية لتصرف راتبًا..هي تتسوق لشراء الخضراوات..هي التي وقفت أمام عائلته ترغب ببناء شقتها والاستقرار فيها دون تشطيبها كاملاً..وهي من يستدين من أخواتها وأخواته لتكمل ما ينقص البيت؟!.

وكيف لها أن تتحمل تعامله الطفولي معها..وقد غدت هي أماله أكثر منها زوجة ؟! كيف لها أن توقف أسئلته المتلاحقة، فالنسيان يعني أن يسألها السؤال الواحد في ربع ساعة أكثر من سبع مرات؟! وفي حال كان في ضيافتها أحد..يأتي "منير" كالأطفال ويجلس معهم دون الانتباه لهم ويأكل الضيافة.. فتنفعل هي ويطالبها الحاضرون بالهدوء رفقًا بحالته.

ولكن في كل لحظةٍ تنهار فيها "نهلة" تتذكر ماضي "منير" الذي ما ينفك عن الحديث عنه ورغبته في أن "يكر ويفر مجددًا ويستشهد في سبيل الله" ويحدثها بحبه لها، وهو يشكو ممن علق في "ذاكرته المؤقتة" من أي شخصٍ سبب له إزعاجاً.. وتخفت حدة ألمها عندما ترى ما تعانيه أخواتها من أزواجهن ذوي العقول والأجسام الصحيحة.. فتحمد الله سرًا وعلانيةً أن رزقها الله بزوج إن غابت عافيته لم يتوقف لسانه عن ذكر الله طوال الوقت حتى لمن يقدم له الإساءة!

يلعب معهم
سؤالٌ آخر راودني: "هل يمكن لـ "منير" أن ينساكِ أو ينسى أولاده"، فتجيب: "هذا الشيء الوحيد الذي لا يمكن له أن ينساه بل ويفتخر بي أمام الكل لوقوفي إلى جانبه ويبقى يتحدث عني إلى أن أطالبه بالسكوت.. ولكنه لا يسكت كطفلٍ متمرسٍ في الإلحاح".

وأما عن أطفالها... ثلاث بنات وولد.. أكبرهم طفلة لم تتجاوز من عمرها السنوات الست، فهم لا يدركون حالته ووفق "نهلة" "منير" شديد التعلق بهم وهم أيضًا لا يكادون يفارقونه لحظة واحدة وكلامه مطاع وطلباته مجابة منهم كأي أب في أي أسرة، بل إنه نظرًا لحالته الصحية فكثيرًا ما يشاركهم اللعب كأنه واحد منهم!.

جلسة مع منير
فضولٌ ما انتابني لأطلب من "نهلة" أن يجلس "منير" بصحبتنا قليلاً.. لأرصد عن كثب تصرفاته مع المحيطين به.. فأرسلت أطفالها يأتون به، ليأتي بكل هدوء ويجلس معنا والابتسامة تعلو محياه ولسان حاله لا يفتأ يذكر الله ويحمده عقب كل كلمة يتفوه بها.
عن الماضي تحدث.. كيف أنه يذكر علاقاته مع زملائه في المقاومة والجهاد، ولكن رغم حالته الصحية إلا أن الحذر بقي سيد الموقف، رافضًا أن يخبرنا ماذا كان يفعل، أو يتعرض لمواقف جهادية، حتى زملاؤه لم يذكر منهم سوى رفيق عمره الذي استشهد كأن خصلة السرية والكتمان ما زالت تقبع في إحدى حنايا ذاكرته المشتتة!.

حاولت "مسايرته" وهو يكرر الأسئلة ذاتها علي، بالإضافة لطلبه المتكرر لي بشرب "الشاي".. ولكن أروع ما فعله والذي وقر في نفسي أن استأذن منا ليدخن "سيجارة"، فهو بطريقةٍ ما أدمنها ولكنه تأدبًا رفض أن يدخنها إلا بعد موافقتنا!.

لقد كان أمامي شخصٌ هو بعمر الطفولة لما تعرض له من إصابة..ولكن أفعاله كلها تصرخ بقول واحد: "ما زال بداخلي ذاك "المنير" الذي تعرفونه.. فقط أحتاج إلى القليل من المساعدة!!".. فأي شخص سليم العقل والجسد لا يطلب إذنًا ليدخن سيجارة، بل إن غيره من الناس من لو أصابته شوكة محدثةً خدشًا له لأرغى وأزبد وهاج وماج.. وما كان لسانه رطبًا بذكر الله كل هذا الوقت، وما كان يسعى لأن "يكر ويفر مجددًا ويستشهد في سبيل الله"!

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق