غزة- صفاء عاشور
"أنتظر الموت, هذا كل ما أفعله الآن في حياتي"، بعيونٍ ذابلة وجسد نحيل وصوت تخنقه العبرات ردت علينا أم نور بتلك العبارة البائسة, وهي تشير إلى قميصها الذي أصبح فارغاً من ثدييها بعد استئصالهما، وهذه السيدة هي واحدةُ من عشرات النساء المصابات في قطاع غزة ممن اكتشفن مرضهن بعد فوات الأوان.
تساؤلات عديدة تطرحها نساء مصابات وأخريات يسيطر عليهن الخوف حول طبيعة المرض وأسبابه، وطرق اكتشافه، وأساليب العلاج، وكيفية التعايش مع أمراض صامتة قاتلة، وسبل الوقاية منه، ونسبة انتشاره في قطاع غزة؟! "فلسطين أون لاين" يفتح ملف يعد من أشد الأمراض تهديداً لصحة النساء ..
حميد أم خبيث؟!
تقول أم نور: " أعيش حالةَ من القلق على مصيري وأبناء من بعدي فالأطباء يشتبهون حالياً في إصابتي أيضاً بسرطان الدم, والذي يشعرني بحالة يأس كبيرة هو رفض زوجي لتقبل مرضي، مما يزيد من حالتي سوءاً".
تنظر أم نور (29 عاماً) إلى بناتها بشفقةٍ وحزن: " ليس لهن من بعدي إلا الله، كم أتمنى أن أبقى إلى جانبهن".
لكن أم محمد كانت المصادفة وحدها هي التي جعلتها تعرف بمرضها، حيث بدأ الإعياء عليها واضحاً وهي تتحدث عن تجربتها، قائلة : " إصابتي بدملٍ في صدري كشف المرض.. لكن الحمد لله لقد كشفت العينات الطبية أن الورم حميد.. لقد كانت فترة التثبت من المرض أصعب ما مر في حياتي".
وتشير إلى أن الأطباء وضعوها تحت المراقبة لمدة ثلاثة شهور، للتأكد من عدم عودة الورم السرطاني بعد استئصاله.
وأعلن أخيراً، شهر تشرين الأول/أكتوبر كشهرٍ عالمي لمكافحة مرض سرطان الثدي, الذي يعتبر السبب الثاني لوفاة النساء بالسرطان بعد سرطان الرئة في العالم, إلا أن نسبة الوعي عند النساء بهذا المرض قليلة جداً خاصة في قطاع غزة, وعدم الاهتمام بإجراء الفحص الذاتي والكشف المبكر يزيد من الأعداد المصابة به.
زوجي السبب
وإذا كانت أم محمد راضية عن قضاء الله وقدره فإن أم علاء تبدو على عكس ذلك، حيث تلقي اللوم على زوجها باستمرار لأنه علّمها التدخين الذي اعتبره الأطباء السبب وراء إصابتها بسرطان الثدي.
تقول المرأة بغضب:" زوجي هو السبب.. تعلمت منه التدخين, وبعد إصابتي بالمرض واستئصال الثديين تركني وسافر إلى الخارج ليعمل هناك ويتزوج من أخرى, وأنا هنا جالسة لوحدي أربي أبنائي الستة".
وتضيف متأهبة للبكاء:" حالتي النفسية أصبحت سيئة جداً.. معاملتي لأبنائي سيئة.. وأجد في التدخين وسيلة للهرب!".
أسباب المرض
لكن ما أسباب هذا المرض؟ يقول الدكتور خليل حمدان رئيس قسم الأورام في مستشفي الشفاء:" ليس كل ورم يصيب المرأة هو سرطان وليس كل سيدة يكون لديها كتلة فهي تعاني من سرطان الثدي".
ويضيف:"سرطان الثدي كباقي أنواع السرطانات الأخرى، وغير معروف السبب حتى الآن، فقط هناك حديث عن عوامل مساعدة".
وأشار حمدان إلى أن أكثر الحالات المحتمل إصابتها بهذا المرض هن النساء اللاتي مرضن سابقاً بسرطان الثدي فاحتمالية عودته تكون كبيرة, كما أن الوراثة تلعب دوراً في الإصابة بالمرض من خلال وجود نساء في العائلة مريضات بسرطان الثدي كالأم أو الأخت فهذا يزيد من احتمالية الإصابة.
ويحذر الطبيب المختص من أن السمنة والاستهلاك العالي للدهون، والكحول والابتعاد عن الرضاعة الطبيعية والتعرض للمواد الإشعاعية وزيادة هرمون الإستروجين، وما سبق ذكره عواملُ مساعدة على الإصابة بسرطان الثدي.
ذهب إلى القول:" هناك فئات معرضة لخطر الإصابة وهن النساء اللاتي لم ينجبن أطفالا بتاتاً أو أنجبن في سن متقدمة, والنساء اللواتي يبلغن مبكراً كأن تأتي الدورة الشهرية للفتاة قبل سن 11 سنة".
ونوه إلى أن احتمال الإصابة بالمرض تزداد مع التقدم في السن فهو لا يصيب صغار السن وغير شائعٍ تحت سن الأربعين.
الوقاية والفحص الذاتي
ويؤكد رئيس قسم الأورام على أن تجنب العوامل السابقة قد تدفع وتكون ركناً أساسياً للشفاء التام، مبيناً أن المرأة تستطيع أن تقوم بفحص ذاتي لنفسها كل شهر بعد انتهاء الدورة الشهرية " وإذا ما أحسبت بأي تكتل في ثدييها عليها مراجعة الطبيب على الفور".
كان السؤال الأهم هو كيف للأطباء والمراكز الجراحية أن تتعامل مع هذا المرض أو غيره، يجب الطبيب حمدان مطرقاً رأسها :" للأسف لا يتوفر في قطاع غزة مراكز جراحية متخصصة، وجميع الأورام السرطانية يقوم باستئصالها أطباء الجراحة العامة".
ومضى يقول:" الجراحة هي العلاج الأول لسرطان الثدي شرط اكتشاف المرض في وقت مبكر، وثانياً العلاج الكيميائي وهذا العلاج يُعطى في حال وجود غدد ليمفاوية مصابة بالمرض, أما النوع الثالث فهو العلاج بالإشعاع والغرض منه تقليل احتمال رجوع الورم إلى المكان، وكل مريضٍ له خاصية في العلاج الذي يُعالج به وحسب احتياجه".
صمتها أودي بحياتها
ويتحدث د.حمدان عن أصعب الحالات المصابة بسرطان الثدي والتي مرت عليه طوال فترة عملة في قسم الأورام في مشفى الشفاء، قائلاً: " أذكر فتاة عمرها 35 سنة غير متزوجة, عانت من مرض سرطان الثدي ولم تعلم أحد من أهلها، وبعد أن ساء وضعها الصحي وأُحضرت إلى المشفى تفاجئ الأطباء بأن المرض قد أتى على الثدي كاملاً تاركاً قرحة كبيرة".
ويعزو الطبيب حمدان صمت الفتاة عن مرضها إلى الخجل أو الخوف من تشخيص المرض الذي يمكن أن تصاب به, قائلاً:" الطبيعة السيكولوجية للمرأة ترفض الذهاب لإجراء فحصاً طبياً خشية سماع خبر مفاجئ, بالإضافة إلى قلة ثقافة المرأة بخصوص هذا المرض وعدم وجود وعيٍ لديها.
محاربة السرطان
"برأيك ما هي أهم احتياجات القطاع لمواجهة المرض؟"...يجيب الدكتور حمدان أن قطاع غزة يحتاج إلى وجود برنامج مُنظم لعملية الكشف المبكر عن الأورام، وعلى وجه الخصوص أمراض أورام سرطان الثدي، وأورام القولون، وأورام عنق الرحم, وهذه الأمراض حساسّة، والكشف المبكر عنها قد يؤدي إلى نسب عالية من الشفاء".
وأشار إلى ضرورة وجود مركز متخصص لعلاج جميع الأورام السرطانية, وهذا ما نسعى إلى تحقيقه الآن .
رمز الأنوثة
ولا يكتفي هذا المرض باستنزاف الحياة من حامله، بل إنه يترك آثاراً نفسية واجتماعية قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى هدم أسر بكاملها.
في هذا الشأن تقول جواهر بركات الأخصائية الاجتماعية في مشروع دعم وتأهيل المرأة في برنامج غزة للصحة النفسية إن المرأة تصاب بخوف شديد لمجرد سماعها أو الشك بإصابتها بسرطان الثدي، لسبب رئيسي وهو " أهمية الثدي لدى المرأة كعضو رئيسي يشعرها بالأنوثة".
وتحذر بركات من أن تستسلم المرأة للخوف الذي يمنعها من زيارة المراكز الصحية لإجراء فحص طبي دوري، مشيرةً إلى أن الكثير من السيدات يحاولن تناسي الآلام خشية اكتشاف المرض، الأمر الذي يضاعف المخاطر الصحية، وفرص استئصال الثدي ذلك أن المرض اكتشف في مرحلته الأخيرة.
العلاقة الزوجية مهددة
وتشير الأخصائية بركات إلى أن العلاقة الزوجية قد تتأثر بسبب وساوس الزوجة من رفض زوجها لها في حال استئصال الثدي, وتشعر في تلك الحالة بأنها لم تبقى جميلة في نظر زوجها" منوهةً إلى أن هذه الوساوس قد يقضي على الأسرة اجتماعياً.
وتحث بركات العائلة على تقديم الدعم النفسي والمعنوي للأم أو الزوجة, خاصة في فترةً إجراء الفحوصات، وبعد الشفاء إذ تبقى مخاوف عودة المرض تراود أفكار السيدة.
وتشدد الأخصائية النفسية على أهمية الدور الذي يلعبه الزوج في التأثير على الوضع النفسي لزوجته المصابة باعتباره أقرب الناس إليها، وهو الأحرى به الوقوف بجانبها ومساندتها عاطفياً.
جهود لتدارك المرض
لكن ما نسبة وعي النساء الفلسطينيات بخطورة سرطان الثدي، تقول سما رزق منسقة مشاريع الصحة الإنجابية:" ثمة حملات توعية إلا أن المشكلة أنه لا يوجد جهاز للكشف عن مرض سرطان الثدي".
وأوضحت رزق أن وزارة الصحة تعمل على طباعة كتيبات ونشرات توعية توزع في المراكز الصحية، إضافة إلى وجود مُعلقة تعلم المرأة كيفية الكشف الذاتي من خلال إرشادات وخطوات الفحص الذاتي.
وتقول الدكتورة سوسن حماد مديرة دائرة صحة وتنمية المرأة في وزارة الصحة إن الأخيرة تعمل بالتعاون مع دائرة صحة المرأة إلى إجراء مسح طبي شامل للنساء اللاتي يبلغن من العمر 35 عاماً فما فوق في قطاع غزة.
ومضت تقول:" سنعمل على خطين متوازيين، عبر المسح طبي شامل حتى وإن كن لا يشتكين من أي أعراض للمرض, كما ستقوم مراكز تنظيم الأسرة بعمليات الفحص المبكر للسيدات ومن يشتبه في إصابتها ستحول إلى المشفى للتأكد من خلال التصوير الإشعاعي الطبقي".
ونوهت حماد إلى أن الصحة ستراعي الخصوصية الاجتماعية المحافظة دون التسبب بأي حرج لهن، وحثت جميع النساء على التعاون مع هذا المشروع.
أرقام وإحصائيات
وحسب الدراسات والإحصائيات التي وردت من قسم الأورام في مستشفي الشفاء فإن
- كل 8 من كل 10 أورام تصيب النساء هي أورام حميدة وليست خبيثة.
- 8% من النساء الإصابات بسرطان الثدي تحدث تحت سن 30.
- 6.5% من النساء المصابات بسرطان الثدي تحدث ما بين 30-40 .
- باقي الحالات تكون في سن 50 فما فوق.
- سرطان الثدي موجود في الإناث والذكور ولكن في الذكور غير شائع, و كل 100 حالة إصابة سيدات يقابلها إصابة رجل واحد.
- ويوجد 3 حالات في قطاع غزة مصابة بسرطان الثدي عند الرجال.
- من مجمل الحالات المصابة بالسرطان في قطاع غزة 16% من الحالات مصابة بسرطان الثدي.
- سرطان الثدي في السيدات يمثل 33% من الحالات بمعني كل 3 حالات سرطان من الذين يعالجون في مستشفي الشفاء فيهم حالة سرطان ثدي.
- هناك 120 حالة إصابة جديدة يتم اكتشافها سنوياً بمرض سرطان الثدي في مستشفيات القطاع.
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





