لمى خاطر
أخشى أن تلك الأيام التي كانت فيها بيانات الفصائل الفلسطينية تفرد حيزاً واسعاً لدعوات التصعيد ضد الاحتلال قد ولّت إلى غير رجعة، وأن يكون الخطاب التعبوي الذي كان ملازماً لتصريحات ومواقف القادة والناطقين قد غدا شأناً ثانوياً لا يُستحضر إلا في حالات خاصة جداً.
وأحسب أن القضية الفلسطينية لم يسبق أن مرّت بمثل هذا الجمود الذي تعانيه الآن، حتى باتت القضايا التي كانت على الدوام عامل استنهاض للهمم كالقدس والأقصى وجرائم الاستيطان مجرد مادة إخبارية، ولا تتجاوز ردة الفعل الفصائلية عليها أكثر من حديث الإدانة والشجب من ناحية، ومطالبة جهات أخرى في النطاقين العربي والغربي بتحمّل مسؤولياتها من ناحية أخرى!
ولعل من حقنا أن نتساءل اليوم أين ولماذا غاب ذلك الخطاب التعبوي التحريضي الذي يفترض أن يظلّ ملازماً أدبيات أي حركة تحرر ما دام وطنها تحت الاحتلال؟! ولماذا باتت تخلو البيانات والتصريحات المعلقة على جرائم الاحتلال بحق القدس والأراضي المصادرة في الضفة من دعوات المواجهة والتصعيد اليومي، ومن محاولة الدفع باتجاه إبقاء ثقافة الاشتباك مع الاحتلال.
لقد صارت كل متعلقات جرائم الاحتلال من اعتقال ومصادرة للأراضي واعتداءات مباشرة على الناس وتهويد للقدس مجرد روتين يتم تكرار تغطيته الإعلامية بالنسق نفسه الذي لا يتجاوز توصيف المشهد، فيما لا يتجاوز سقف الخطاب الفلسطيني تجاهه أكثر من حدود الإدانة والاستنكار. وهو الأمر الذي ساهم في إماتة هذه القضايا وجعلها تتراجع عن واجهة الاهتمام المحلي والعالمي، لأن جمود أي قضية يبعث على نسيانها وتجاهلها، وهذا ما حصل مع تفاصيل القضية الفلسطينية التي دخلت طوراً يفتقر للتفاعل، فخبا وهجها، وتراجع الاهتمام الجدّي بها.
إن واقع الضفة الغربية المحتلة يقول إنها ما زالت مستباحة بالكامل لجيش الاحتلال ومستوطنيه رغم كل أوهام الدولة الفلسطينية، ورغم أكذوبة مشروع بنائها الذي غُيبت المقاومة بأشكالها كافّة لأجله، فيما كانت المحصلة مجرد كيان حكم ذاتي حارس للاحتلال لا يملك أن يبدي حتى الاعتراض على انتهاكات عدوه واستباحته اليومية للمناطق التي يفترض أنها خارج نطاق سيطرته، أما القدس فحالها لا يحتاج وصفاً وتحليلاً.
فبأي حقّ إذاً تُغيّب دعوات المقاومة وضرورة استمرارها عن الخطاب الفلسطيني الفصائلي؟ ولماذا لا تجد حتى (المقاومة الشعبية) تطبيقاً عملياً على الأرض أو على الأقل دعوات مباشرة وصريحة لها، مع تأصيل جادّ لمفهومها والنطاقات التي يفترض أن تشملها بدل أن تتحول إلى مصطلح هلامي يفسّره كل طرف بما يحلو له ؟، فمفهوم المقاومة الشعبية في عرف حركة فتح يختلف عن مفهومه بالنسبة لحماس أو حتى بالنسبة لبعض تيارات اليسار، فحين يقول عباس إن كل الخيارات يمكن أن تصبح في لحظة ما واردة باستثناء الانتفاضة فهو يعني أن المقاومة الشعبية التي يتغنى بها لن تكون مقاومة، بل مجرد حراك مغرق في سلميته وإنكاره لأي مظهر للتماس مع الاحتلال، ولو كان برشقه بالحجارة!
ما زلنا نرجو ألا تكون بقية الفصائل وعلى رأسها حماس مضطرة لمجاملة حركة فتح في هذه القضية أو النزول عند مفهومها المضلل للمقاومة الشعبية. فمهما تغيّرت الظروف من حولنا علينا أن ندرك أن ثمة شأناً مهماً يفترض أن يبقى شغل الفلسطيني الشاغل وهو إدامة حالة الاشتباك مع الاحتلال في مناطق تواجده واستيطانه، وعلى تخوم القدس وفي أكنافها. وإن كانت المقاومة المسلحة قد تعذّرت في هذه المناطق نتيجة الاستهداف المركّز لها، فلا يجوز أن ينسحب الجمود والشلل على مظاهر الاشتباك الأخرى. ولا أن تتجاهل الفصائل الفلسطينية مسؤوليتها على هذا الصعيد، فهي حركات مقاومة وتحرّر قبل كلّ شيء.
ليس لدينا أدنى شكّ بأن تنازل الاحتلال أو رحيله مرهون فقط بالمقاومة المسلحة، لكنّ غيابها نتيجة ظروف موضوعية يجب ألا يفرز غياباً لكل أشكال المقاومة الأخرى، أو إغفالاً لأهمية الجانب التعبوي والتحريضي، والإبقاء على روح المواجهة ونَفَسها. ولعلّ التجربة قد أثبتت بما فيه الكفاية بأن التفاعل الخارجي مع القضية الفلسطينية يتناسب طردياً مع حجم التفاعل في ساحاتها الداخلية، وتحديداً ما يتعلق بمواجهة الاحتلال.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





