د. يوسف رزقة
لم تكن زيارة رئيس الوزراء إسماعيل هنية لقطر مجرد زيارة سياسية تبحث في قضايا السياسة المهمة؛ وإن كانت قضايا السياسة الفلسطينية والعربية حاضرة بقوة، لأن قضايا الحياة اليومية المدنية لأهلنا المحاصرين في غزة كانت المنافس الأكبر للموضوعات السياسية التي تم طرحها في المقاربات الثنائية.
لا يمكن لـ(هنية) أو لغيره أن يزور قطر دون مقاربة لمشكلة الكهرباء التي تؤرق كل بيت من بيوت قطاع غزة الجريح المحاصر، لقد جاء الحديث عن الكهرباء مع المستويات الرسمية القطرية صريحاً، وقارب الحلول الممكنة ودور مصر الشقيقة في حل المشكلة ورفع المعاناة، ودور جامعة الدول العربية مجتمعة، ودور بعض الدول منفردة في المساهمة في حل هذه المشكلة التي تسيء للمسئولين العرب.
لا أحد يود أن يقفز عن المسئولية التي تقع على عاتق دولة الاحتلال كما يحددها القانون الدولي، لأن غزة ما زالت تحت الاحتلال قانوناً وإن خرجت منها قوات الجيش الصهيوني، ولكن لا يود أحد أن يقف موقف المتفرج على (1.8 مليون نسمة) وهم يعانون من جراء انقطاع الكهرباء لفترة (8-12) ساعة يومياً في كل محافظات قطاع غزة.
الاحتلال الصهيوني يتعمد تصعيد الأزمة لأسباب عديدة، ومقاربة الحلول معه غير ممكنة، وفي مصر فائض كهرباء يمكن الإفادة منه في غزة في مقابل عائد مفيد لمصر، وفي هذا الإطار يمكن لقطر ودول الخليج ان تسهم في تغطية التكاليف المالية، وحين تضيء غزة بلا انقطاع لن يتغير القانون الدولي الذي يحمل الاحتلال المسئولية.
لم تكن الزيارة سياسية فحسب؛ ولم تكن المقاربة المدنية تقتصر على مشكلة الكهرباء فحسب، بل تناولت الزيارة (مشكلة الخريجين، والبطالة) وكشفت عن آثارها الضارة، وقاربت الحلول الممكنة فنياً وسياسياً ووطنياً، فغزة تستطيع أن تزود قطر والخليج العربي بكفاءات من خريجي الجامعات والمعاهد في كافة الاختصاصات العلمية والتقنية والإنسانية، وبأعداد كبيرة من العمالة الماهرة في العمران والصناعة والزراعة، وأحسب أن دول الخليج في حاجة إلى هذه الكفاءات التي تحمل إلى جانب العلم والخبرة الحب لقطر ودول الخليج عامة. وقد وجدنا آذاناً صاغية وقلباً مفتوحاً ونحن نشرح مشكلة العاطلين عن العمل ومشكلة الخريجين وتلقينا وعداً بمتابعة المسألة والبحث في آليات العمل والإفادة من الخريجين والعمل.
ومن القضايا المدنية التي قاربتها الزيارة مسألة تشجيع الزراعة في فلسطين وحماية المزارع من خلال فتح باب التصدير للمنتجات الزراعية فائقة الجودة التي ينتجها المزارع الفلسطيني في غزة، وبحثنا معهم في آليات إعطاء أولوية للمنتج الزراعي الفلسطيني القادر على المنافسة وسمعنا منهم كلاماً مبشراً ونأمل أن يترجم إلى عمل من خلال المتابعة.
ومن الأوجه المدنية التي قاربتها الزيارة مع ذوي الاختصاص مسألة تشجيع الاستثمار الفلسطيني والخليجي والعربي في فلسطين وفي غزة على وجه التحديد، وتحدنا عن أهمية عقد مؤتمر دولي حول الاستثمار في غزة تستضيفه دولة قطر، بالمشاركة مع جهات الاختصاص في غزة، وقد لمسنا من خلال لقائنا برجال أعمال من قطر ورجال أعمال من فلسطين يقيمون في قطر رغبة كبيرة وشجاعة كافية لإقامة مشاريع استثمارية لا تستهدف الربح الذاتي إنما تستهدف دعم الاقتصاد الفلسطيني ودعم الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال..
وتحدث عدد من المستثمرين عن إقامة مدن سكنية ومستشفيات متخصصة ومؤسسات تجارية ومشاريع تستوعب أيدي عاملة وكل الأسئلة كانت تدور حول الأمن والمعوقات اللوجستية، لتتعرف عليها من أجل التعاون المشترك للتغلب عليها، والقفز عنها بما لا يعوق العمل المنتج، وأحسب أن الأسر الفقيرة والمتضررة كانت تحظى باهتمام المسئـولين ورجال الأعمال والمؤسسات والمهتمين بالشأن الفلسطيني، لذا قلنا ونقول إن الزيارة جمعت بين السياسة وبين متطلبات الحياة المدنية، وإن انعطافة مهمة نحو الاقتصاد والحياة المدنية قد تحققت في قطر، وستنمو من خلال زيارات أخرى لدول أخرى في الخليج.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





