رام الله- علاء الريماوي وسامر البرغوثي
تحتل الجامعات العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص مواقع متدنية على قوائم تقييم الجامعات العالمية في كل عام.
ويرى أكاديميون وباحثون أن الجامعات الفلسطينية بحاجة إلى عملية جراحية كبيرة على مستوى تدعيم البحث العلمي وفصل الجامعات عن الانتماء الحزبي والعشائري، وتعزيز دور الرقابة عليها.
أشبه بالمدرسة
ويرسم أستاذ فيزياء الفضاء في جامعة القدس عماد البرغوثي صورة سيئة لأوضاع الجامعات الفلسطينية، حيث ينتقد عدم اهتمام الجامعات في البحوث والكتب والمجلات الجديدة، وعدم الاكتراث بالمحاضر والطالب.
ويشير البرغوثي إلى أن إحدى الجامعات الأمريكية تنفق على البحث العلمي لوحدها أكثر ما ينفق العالم العربي عليه، ويقول:" ما أنفقه العالم العربي على البحث العلمي في عام 2003 يساوي 1.1 مليار دولار، بينما أنفقت (إسرائيل) 6.1 مليار دولار، أي ما يعادل 5.5 ضعف ما ينفقه العالم العربي".
ويرى أن المؤسسات الأكاديمية غير مهتمة بالطالب والمحاضر أو حتى قاعات المحاضرات والمختبرات والمكتبة، وقال:" أعضاء هيئة التدريس في معظمهم تحولوا طوعاً إلى مدرسين، وقاعات المحاضرات غير ملائمة للدراسة".
الجامعات العربية والإسلامية أنفقت على البحث العلمي عام 2003 مليار دولار فقط بينما أنفقت (إسرائيل) في نفس العام ستة مليارات دولار
عماد البرغوثي
ويضيف البرغوثي في لـ"فلسطين":" إن المختبرات الجامعية تمثل نموذجاً آخر لمعاناة الجامعات، فالأجهزة بالية ومهترئة، والكتب في الجامعات قديمة, ونادراً جداً ما تجد كتباً حديثة، أما المجلات العلمية فهي غير موجودة، إضافة إلى أن عدد أيام الدوام قليلة".
ويشير البرغوثي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي هو المستفيد الأول من الأبحاث المشتركة القليلة التي تنفذ بين الطرفين، "لأن هذه الأبحاث جزء من مشاريع هدفها تطوير المجتمع الإسرائيلي وخدمة (إسرائيل)".
ويقول :" إن المشاريع لا تقدم شيئا للمجتمع الفلسطيني ولا للمؤسسات الأكاديمية سوى مجموعة من الدولارات لبعض أعضاء هيئة التدريس من المطبعين".
ويجد البرغوثي في ذلك فرقاً كبيراً مع الجامعات العالمية التي يصفها بالكيان المتحرك الذي يقوم أساساً على الأشخاص الذين ينتجون المعرفة ويخرجون طلبة لديهم مهارات بحثية متميزة.
وبحسب تصنيف مجلة "أخبار التعليم العالي للجامعات العالمية"، فإن الباحث في هذه الجامعات يتم الرجوع والاعتماد على أبحاثه أكثر من 100 مرة كل سنة، لكن أبحاث أعضاء هيئة التدريس في العالم العربي وفي فلسطين نادراً ما يتم الرجوع إليها، وفق البرغوثي.
ويشير إلى أن العديد من الجامعات توافق وتضغط على أن يكون العبء الدراسي للمدرس حوالي 18 ساعة بالفصل الدراسي، " وهذا يسعد الجامعة لأنه يقلل من المصاريف ويسعد الأستاذ لأنه يحصل على عمل إضافي، وبعض الجامعات تفتخر بأن عدد الأساتذة غير المتفرغين أكثر من المتفرغين، وهذه كلها جرائم بحق التعليم".
وحصلت جامعة القدس على المرتبة الثامنة عشرة عربياً، والمرتبة الثانية فلسطينياً، وذلك في تقييم دولي من بين أفضل 100 جامعة عربية، والمرتبة2831 على مستوى جامعات العالم، وذلك حسب موقع "الأكاديمية الاسبانية لتقييم الجامعات".
وتم التصنيف اعتماداً على مجموعة من المقاييس أهمها: عدد الأبحاث العلمية التي يصدرها أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة، وقدرة الجامعة على استقطاب أعضاء هيئة تدريسية إليها، إضافة إلى مستوى الجامعة الأكاديمي.
شهاداتٌ مطعونٌ بصحتها
في السياق ، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية عبد الستار قاسم أن هناك بعض التقدم الذي تعيشه الجامعات الفلسطينية، قائلاً:"
ويقول لـ"فلسطين" :" على مستوى الكادر التعليمي, هناك نخبة من العلماء الكبار الذين لا يستهان بهم، ولكن انتشار المدرسين الحاصلين على شهادة الدكتوراة بشكل غريب بدأت تنتشر في جامعاتنا".
هناك نخبة من العلماء الكبار الذين لا يستهان بهم ولكن التأهيل العلمي غائب وتكدس الطلبة في بعض الكليات سببه أن أصحاب المعدلات المتوسطة لا يستطيعون الدراسة إلا في كليات محددة هذا بخلاف الواسطة والفساد منظومة التقييم
د.قاسم
وذهب إلى القول: " إن هناك جوانب مشرقة في أداء الجامعات، لكن وللأسف التدريس لدينا تقليدي"، مشيراً إلى أن كثيراً من أرباب العمل ينتقدون نتاج الجامعات من الكفاءات التي تضخ سنويا إلى السوق.
ويتابع: " التأهيل العملي في الغالب غائب، وبعض الكليات يتكدس فيها الطلبة لسبب بسيط هو أن المعدلات المتوسطة لا يمكن لها الدراسة إلا في هذه الكليات"، لافتاً إلى أن هناك درجات تمنح بالواسطة ونجاحات تسجل من خلال المحسوبية.
ويشدد على أن " الفساد في هذا الموضوع كبير، ولا يوجد منظومة حقيقية للتقييم، والمؤشر البسيط مشاريع التخرج كثير منها مضحكة للأسف ونتاج البحث فيها نسخ من غير ترابط".
البيئة الجامعية
ويعتبر قاسم أن الجامعات الفلسطينية عبارة عن "مزارع حزبية في الغالب يسيطر عليها التسييس، وهذا ما جعل اللون الواحد هو الحاكم في هذه المؤسسات، وللأسف إن وجدت جامعة غير حزبية وجدتها عائلية فتخرج من بلية إلى نكبة"ـ على حد وصفه.
وينتقد قاسم أداء مجالس أمناء الجامعات، ويقول :" نحن أمام مجالس أمناء فاشلة في كثير من الأحيان، لا خطط واضحة ولا رقابة، ورئيس الجامعة يتعامل معها كمزرعة خاصة تدر سمناً وعسلا، وحين السؤال عن الإمكانيات التي يمكن لها أن تبقيه في مكانه, قيل الاعتبارات السياسية وانتماؤه القبلي".
وحمل الدكتور عبد الستار قاسم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الجامعات الفلسطينية إلى "منظمة التحرير وفصائلها"، ووصفهم بأنهم أساس المشكلة، ثم "السلطة الفاسدة التي تحتاج إلى العمل الكثير حتى نستطيع القول إنها جاهزة لتحمل مسؤولية الشعب"، وفق ما قال.
مجالس الأمناء فاشلة في كثير من الأحيان، لا خطط واضحة ولا رقابة ورئيس الجامعة يتعامل معها كمزرعة خاصة تدر سمناً وعسلاً واعتبارات بقاؤه في مكانه سياسية وقبلية
د.قاسم
ولم يعف قاسم القوى السياسية من المسئولية قائلا :" للأسف لا يُرى لها أثر في هذا المجال والتسييس للجامعات هو الجريمة الأكبر".
العصبية القبلية
بدوره، يلاحظ الباحث محمود الفطافطة أن الجامعات الفلسطينية أصبحت تركز كثيرا على التخصصات التي لا تكلف كثيرا ولا تحتاج إلى بنية تحتية كبيرة بهدف جمع مبالغ أكبر من الرسوم.
واستدل على ذلك في حديثه لـ"فلسطين" بأن هناك العديد من برامج الدراسات العليا تحتوي على مئات من الطلبة، ومن المفروض أن يقوم هؤلاء الطلبة بإعداد رسائل ماجستير لإنتاج المعرفة وخدمة العلم والمجتمع، ولكن معظم طلبة الدراسات العليا يتم توجيههم نحو الامتحان الشامل".
ويضيف: " إن الجامعات الفلسطينية مصنفة ومقسمة إما حزبياً أو دينياً أو عشائرياً، وهذا التصنيف غير موجود في العالم بأسره مع بعض الاستثناءات، وذلك دليل تدني مستوى جامعاتنا".
قضيتان
في سياق آخر، يرى الدكتور خالد علوان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية أن الأزمة الجامعية الفلسطينية تتمحور في شقين أساسيين، الأول الأزمة الإدارية ومجالس الأمناء، والثاني في الأزمة السياسية.
واعتبر علوان أن مجالس الأمناء ضعيفة جداَ في معظم الجامعات الفلسطينية، وقال :" تعتمد فقط على الحزب السياسي والجانب المادي في قيامها واستمرارها"، مؤكدا أن قوة الإدارة تعني قوة الجامعة وتفوقها حتى لو كانت الإمكانيات المادية مغيبة عن القوة.
مستوى الطلاب سبب رئيس في تراجع الجامعات وحد من تطورها، إلا أن العامل الأهم في التراجع هو الضياع الأخلاقي الذي نواجهه مع شباننا وبالأخص الطلبة الجامعيين
د.علوان
وأشار علوان في حديث لـ"فلسطين" إلى الأزمة السياسية التي صبغت كل الجامعات الفلسطينية بهذه الصبغة " التي مالت إلى الضعف والترهل في المستوى الأكاديمي من خلال تسييس الجامعات وتلوينها تحت قبضة الأحزاب السياسية".
ويضيف علوان:" الصبغة السياسية تشمل كل جوانب حياتنا, فمن خلال التدريس الذي عايشته في أكثر من جامعة فلسطينية وعلى مدى أكثر من عشرة أعوام وضحت لي رؤية ثابتة أن السياسة تشمل كل الجوانب الحياتية من أخلاق ودين ونشاط في التحصيل الدراسي".
ويتابع: " المستوى الطلابي أثر بشكل كبير على تراجع الجامعات وحد من تطورها، إلا أن العامل الأهم في التراجع هو الضياع الأخلاقي الذي نواجهه مع شباننا وبالأخص الطلبة الجامعيين".
العلاج صعب
البروفيسور في جامعة القدس الشيخ المفتي حسام الدين عفانة قال لـ"فلسطين": إن الضعف ينتاب جامعاتنا من جوانب عديدة كالمناهج والهيئة التدريسية والبحث العلمي والقضايا الإدارية والمالية.
وقال :" إن بعض جامعتنا تعتبر مدارس ثانوية كبيرة، فإذا نظرنا إلى المناهج المقررة فهي تحتاج إلى تطوير ومواكبة للتقدم العلمي الحاصل في العالم المتطور، وإذا ألقينا نظرة فاحصة على واقع الهيئة التدريسية لوجدنا أن كثيراً منهم لا يطورون قدراتهم وإمكاناتهم العلمية وأن كثيرين منهم لا يشعرون بالأمان الوظيفي".
وأضاف: " إن إثقال أعضاء الهيئة التدريسية بالأعباء يحول دون توجيه اهتمام جاد بالبحث العلمي الرصين، وضعف شروط قبول الطلبة في مختلف التخصصات واعتماد سياسات فضفاضة في تقييم الطلبة وعدم وجود رقابة فاعلة".
وشدد على أن " العلاج ليس سهلاً وخاصة في ظل الأوضاع الصعبة التي نعيشها, ولكن يمكن التخفيف من المأساة من خلال إعادة النظر في التعليم المدرسي بشكل جذري من حيث المناهج والمعلمين والإمكانات و وضع معايير جديدة لقبول الطلبة في الجامعات".
المصدر: فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





