السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

حينما تصير الزوجة "زوجاً" يكدح من أجل لقمة أبناءه..

نساءٌ تشتكينَ ضيق الحال و"بلادة" الرجال!

الثلاثاء, 06 إبريل, 2010, 07:56 بتوقيت القدس

غزة-هدى بارود

على ظهر كرسيٍ وضعته أمام ماكينتها السوداء القديمة، اتكأت الأربعينية سليمة كمال واضعةً يدها اليمنى على قلبها الذي تسارعت دقّاته.. وفي يدها الأخرى أمسكَتْ بثوبٍ أزرق اللون لم تنتهِ من تفصيله بعد.. وقالت بنبرةٍ لاهثة :"كان قرار زواجي أكبر خطأ ارتكبته طوال حياتي، فبدلاً من أن أجد معيلاً.. صرتُ أنا المعيل"!

ليست الحاجة "كمال" وحدها المرأة التي قُدّر عليها أن تكون بمقام "الزوج والزوجة" معاً في سبيل استمرار زواجها.. فكثرٌ هنّ اللواتي اضطررن إلى مزاولة أعمالٍ تشترك في صعوبتها وحاجتها لـ "نفَسٍ طويل" وصحةٍ "تهدّ الجبال" بغية إعالة زوجٍ "لا يعمل" وأولادٍ تاهوا "نظرياً" بين واجبات (الأم... والأب)..

من أجل السترة
تعلّمت صاحبة القصة أعلاه مهنة الحياكة منذ نعومة أظفارها، فحظها القليل في الدراسة دفع والديها إلى تعليمها حرفة تتماشى مع قدراتها وتخدمهم في مصنع الحياكة الذي امتلكوه حينذاك، فعملت فيه خمسةً وعشرون عاماً تأخر خلالها "قَطْر زواجها" حتى وصلت إلى سن الأربعين.. فقرر إخوتها تزويجها إلى من يطرق الباب أولاً!

وجاء ذلك اليوم.. وتزوّجها رجلٌ يكبرها بعشر سنوات، ويمتلك قطعة أرض صغيرة، وله من الأبناء أربعة وزوجة، عن ذلك قالت الحاجة "كمال" :"وافقتُ بعد أن بدأت أستسلم لفكرة العنوسة، فاكتمل شيب شعري، وترهل جسدي وانحني ظهري، وبدأتُ أتمرد على إخوتي الذكور وزوجاتهم اللواتي يعاملونني خادمة بلقمة يومي"، موضحةً أنها تأملت أن يكون "أبو خلف" (المتقدم لخطبتها) سنداً يعينها في حياتها الباقية... ولكن..

توقفت سليمة عن الكلام وابتلعت ريقها، وبدأت تحرك أصابعها بشكلٍ دائري على فوهة كأس ماء نصف ممتلئ، مطلقةً العنان لعقلها كي يغيب عن "واقعها المرير"، ثم تابعت حديثها ممتعضة :"عشت في بيت زوجي برفقة زوجته الثانية وأبناءه، فكثُرت بيننا المشاكل، وبدأت ألاحظ على زوجي علامات الكسل والبخل من رفضه أي فرصةٍ للعمل"، فما كان منها –تضيف سليمة- إلا أن قررت –وبعد شهرين من زواجها فقط- العودة إلى عملها في الحياكة بعدما بدأت نقود البيت تنفذ، "على أمل توفير ثمن منزلٍ صغير تستقل فيه عن ضرتها وأبناءها".

عشت في بيت زوجي برفقة زوجته الثانية وأبناءه، فكثُرت بيننا المشاكل، وبدأت ألاحظ على زوجي علامات الكسل والبخل من رفضه أي فرصةٍ للعمل"، فما كان مني إلا أن عدت لعملي في الحياكة بعدما بدأت نقود البيت تنفذ


وبدأت العمل مُستغلةً غرفة نومها، بعد أن استعارت من إخوتها ماكينة قديمة تعمل عليها ليل نهار، "وانتقلت إلى البيت الذي حلمت به بعد عامين من زواجها برفقة زوجها " الكسول".

لم تتوقف معاناة سليمة عند هذا الحد، فأعباء زَوجها تراكمت، وزادت حاجتها للمال لتهيئة بيتها الجديد، شرحت ذلك بقولها :"عملت ما يقارب 15 ساعة يوميا كي أوفر المال لزوجي وبيتي، حتى ضَعُفَ نظري، وتجرأ زوجي أكثر فصار يأخذ كل ما أحصده لزوجته الثانية وأبناءه".

وتابعت باكية :"كنت أحتفظ بالمال في دُرج ماكينتي الصغيرة ليلا، ولما استيقظ لا أجدُ شيئا، حتى خفت أن أكون مصابة بمرض النسيان، فقررت تغيير المكان الذي أُخزّن فيه المال، حتى أفاجأ بزوجي يصرخ ويضرب بيده الماكينة سائلا عن المال، فخفت وأعطيته له، فتعوّدَ هذه السياسة"، معقبةً –وقد أجهشت بالبكاء- :"أصبحت أعمل لجيبه ولأبنائه، وأتسوّل حاجتي من إخوتي".

خبزت وزينت ..ودرَّست
وفي الوقت الذي استسلمت فيه سليمة لوضعها الذي لن يتغير على ما يبدو، رفضت أم عايش أن تكون ضحية سهلة لزوجها الذي يرفض العمل منذ إغلاق معابر قطاع غزة وكساد تجارته، فهي منذ توظيفها كمدرسة رسم في مدرسة خاصة، تخصص لزوجها مائة دولار كمصروف جيب فقط، من رابتها الذي لا يتجاوز الأربعمائة، "بينما الباقي تنفقه على أبناءها الخمسة وتغطي فيه احتياجات بيتها ونفسها".

بعد أن ترددت وأعادت التفكير في الحديث لـ مراسلة "فلسطين" قالت:"تزوجت بعمر العشرين، ولم أكن قد أتممت دراستي الجامعية بعد، وانقطعت عن دراسة الفنون التي أعشقها، حتى ضاق بنا الحال المادي، وقررت العودة للدراسة، وبعت مصاغي لأدفع أقساط الجامعة،

وبعد التخرج حصلتُ على وظيفة مؤقتة في مدرسة تابعة لوكالة الغوث".

وضعت أم عايش راتبها لعامين متتالين في جيب زوجها ليصرف على المنزل، وتعود هو الركون والاعتماد عليها –كما أكدت- حتى انتهى عقد عملها، وتوقفت عن العمل، وقالت :"دبت الخلافات بيني وبين زوجي وصار يلومني على كل كبيرة وصغيرة، حتى أنه فكر في بيع أثاث المنزل لتأديبي والانتقام مني، فصرت أبحث كالمجانين عن مشاريع عمل، فمرة أعمل بخبز المُعجنات في بيتي وأبيعها لأصحاب المقاهي، ومرة أعمل في تزيين السلال بالأوراق الملونة لروضة الأطفال في منطقة سكني، حتى أفرجَ الله عليَّ وجُدد عقد عملي في المدرسة التي كنت أعمل فيها سابقاً".

أم عايش التي تكسو وجهها تجاعيد طويلة، وبعض الحبات البيضاء الصغيرة التي تتعلق ما بين عينيها ووجنتيها، قررت بعد عودتها للعمل، أن تتحكم في مجالات صرف راتبها، غير ناسية زوجها الذي يأخذ نسبة شهرية منه، متأملة أن يستجيب الله لدعائها أن يستعيد زوجها نشاطه وحبه للعمل.

تختلف القصص بتفاصيلها المريرة، ولكنها تتفق في الألم الذي تعانيه المرأة التي تُجبر على تأدية دوري الأم والأب لتنهض بحياتها من "وحل" الوضع الاقتصادي السيئ.

زرَعت الأرض
وليس أنسب دليل على كفاح المرأة من أجل بيتها وعائلتها من منال "بائعة الحليب"، تلك المرأة التي ترتع في دكانها الصغير المظلم منذ خمس سنوات تقريبا، تبيع طلاب المدارس صباحا "الخبز و"المارتديلا" وبعض "الشوكلاتة" و"الشيبس"..

كانت منال أكثر حذراً من سابقتيها أثناء الحديث.. رغم يقينها بأن قصتها "على كل لسان"، خاصة بعد أن باع زوجها البقرتان اللتان تملكهما..... ليتزوج بأخرى!!

في دكانها الصغير، "وبالسرّ" كان لقاء "فلسطين" معها، قالت بصوت مرتجف :"بدأت مشاكلي مع زوجي منذ وفاة والده وتقسيم الأرض بينه وبين إخوته، إذ كنت أحصل كل فترة على مبلغ من المال من عمي، كنصيبنا من الزراعة، ولكن بعد وفاته وتقسيم الأرض، عزف زوجي عن العمل فيها، فاغراً فاهُ للريح، فصرنا ننتظر الصدقات من إخوته والجيران، رغم وجود الأرض".

تابعت متحسّرة :"حاولت زراعة الأرض، فاستغليت القليل من مساحتها لزراعة الفول والنعنع والذرة، وتربية البط والدجاج، وكنت أبيع المحصول برفقة ابني في السوق الأسبوعي، حتى وفقني الله واستطعت شراء بقرتين اعتمدت على حليبهما في الإنفاق على بيتنا الصغير".
أمسكت منال على ما تحصل عليه من بيع الحليب، حتى استطاعت بناء غرفة صغيرة في آخر بيتها، كدكان لزوجها، "ليعمل فيه ويتخلص من خموله".

دكان منال رطب، ولا تتجاوز مساحته الأمتار الأربعة، لكنها تخزن فيه الكثير من البضائع الخفيفة كالمكسرات والبسكويت، وتقف فيه كالملكة يوميا، تستقبل طلاب المدارس ذهاباً وإياباً، لتربح من مجمل ما تبيعه يوميا، "حوالي عشرين شيقلاً.. وأحياناً أقل".

بثمن البقرات..
تابعت قصتها بأمل يُداري نفسه خلف صوتها الضعيف، بقولها :"بنيت الدكان لزوجي من تعبي وجهدي، ونَشطَ هو في أول شهرين من العمل، وبعد فترة قصيرة تراجع نشاطه، فأصبح نهوضه متأخرا، الأمر الذي أجبرني على العمل فيها صباحا ريثما يستيقظ، بالإضافة إلى عملي في إطعام الدواجن، وحلب البقرات، ونظرا لأني لم أنجب سوى ابنا واحدا، هو أصغر أخواته كان تذمّر زوجي أكبر".

توقفت منال ذات البشرة السمراء عن الحديث لبرهة وأكملت :"بحث زوجي عن أخرى لينجب الأبناء الذكور، وأنا رفضت الفكرة مطلقاً، لأنني لست عاقراً، ولا زلت بعمرٍ يمكنني فيه أن أنجب المزيد"، مستدركةً :"المشكلة كانت أنه لا يمتلك ما يؤهله للزواج بأخرى... فحتى مصروف البيت أنا التي توفره".

لجأت بائعة الحليب لأسلافها (إخوة زوجها) تستنجد بهم، ولما عرف زوجها بما تخطط له لـ "حرمانه من الأنباء" حسب إدعائه، ضربها وحبسها في البيت، وباع بقراتها "عقاباً لها" وتوفيراً لتكاليف الزيجة الجديدة التي كانت عروسها "نصف مجنونة"، وفق منال.

وشرحت ذلك بقولها :"رغم كل ما فعلته من أجله ومن أجل أسرته، ضربني وضرب ابنتي الكبيرة، وحبسني في الغرفة، ثم باع البقرات، وبعد شهر فقط كانت زوجته الجديدة في المنزل، وأنا الآن أصرف عليهم جميعا، زوجي وبناتي الأربعة وابني الوحيد وزوجي وزوجته وابنيه".

رغم كل ما فعلته من أجله ومن أجل أسرته، ضربني وضرب ابنتي الكبيرة، وحبسني في الغرفة، ثم باع البقرات، وبعد شهر فقط كانت زوجته الجديدة في المنزل، وأنا الآن أصرف عليهم جميعا، زوجي وبناتي الأربعة وابني الوحيد وزوجي وزوجته وابنيه"


عجزت النساء في القصص السابقة عن إسعاف نفسها والتغلب على ظروفها القاهرة، ولكن في حكايات أخرى، استطاعت الزوجات التأثير على أزواجهن ودفعهن للعمل، بالكلمة الحسنة والمعاملة الطيبة..

باستطاعتها تحقيق السلام
د. آمنة زقوت المحاضرة في قسم علم النفس في جامعة الأقصى، تعقيباً على القضية أكدت أن المرأة قادرة على تغير مسار حياتها بيدها، وإن كانت الظروف قد أجبرتها على تحمل مسئولية أكبر من قدرتها..، وقالت في حديثٍ لـ "فلسطين" :"تعودنا في مجتمعنا العربي، على عمل الرجل كصاحب القوامة على المرأة، وهذا دوره وواجبه، ولكن في ظل الحصار الذي يعيشه القطاع، وشُح فرص العمل، يُمكن تغيير الأدوار بصورة منطقية، وفق الضرورة".

وشجّعت المرأة العاملة بقولها :"المرأة في مجال العمل تمارس استحقاقاتها الإنسانية وحريتها الاقتصادية، وتحقق رضا نفسي، واجتماعي، فالحاجة المادية هي الأولى وفق الفطرة الإنسانية"، مستدركة :"حتى قوانين علم النفس وهرم ماسلو جعل قمة الإشباع هو الإشباع الفسيولوجي.. وحينما يكون رب البيت "الرجل" غير قادر على العمل.. لا ضير في أن تعمل زوجته".

واعتبرت د. زقوت أنه رغم رحلة النضال التي تخوضها المرأة العاملة لإرضاء ذاتها ومجتمعها، لا يجب أن تغفل عن دورها كزوجة في تحقيق السلام والهدوء في بيتها، قائلة "تملك المرأة مفاتيح سعادتها الزوجية، وإن كانت تُمارس دور زوجها بالإنفاق على الأسرة، فهي بتفانيها لسعادة بيتها يُمكنها أن تذيب الخلافات بينها وبين زوجها العاطل عن العمل".

وأضافت :"إذا عملت المرأة بنفس راضية دون أن تعاير زوجها وتشعره بالدونية والنقص، وتُمارس دورها كزوجة مخلصة، بالتأكيد ستنأى بأسرتها عن الخلافات، وأنا متأكدة بأن المرأة بذكائها قادرة على كسب زوجها، وتغير عناده إذا كان رافضا للعمل، وحفظ رجولته إذا جارت عليه الحياة وأجبرته الظروف على التزام البيت من دون عمل".

بالروح الطويلة..
ولفتت د. زقوت انتباه الزوجات العاملات إلى أهمية إغداق الزوج العاطل عن العمل بعبارات الرضا والقبول، لتخفف عنه إحساسه بالدونية، قائلة :"تستطيع المرأة أن تلغي الخلافات بينها وبين زوجها باستخدام عبارات جميلة، مثلا (لولاك الحياة صعبة، أنت سندي، ومن دونك لا استطيع تدبير أموري)".. حتى تشعره بأهميته وتشجعه على أن يكون فعلاً سنداً لها ولعيالها.

على الزوجة الوقوف إلى جانب زوجها ما استطاعت خصوصاً إذا رأته جاداً في البحث عن عمل أما إذا كان لا يعمل لأنه ببساطة لا يريد أن يتعب فعلى المرأة هنا أن تتخذ قرارها إما بالبعد أو الصبر، وإن صبرت يُحسب ذلك في ميزان حسناتها إن شاء الله


"على الأغلب تكون نفسية الرجل العاطل عن العمل مدمرة"، وتبعاً للحكمة القائلة "خذ عنقي ولا تأخذ رغيفي"، فإن د.زقوت ترى أن الرجل الذي لا يعمل يعيش دون عنق مجازيا، ناصحةً الزوجة "بالوقوف إلى جانبه ما استطاعت خصوصاً إذا رأته جاداً في البحث عن عمل "أما إذا كان لا يعمل لأنه ببساطة لا يريد أن يتعب فعلى المرأة هنا أن تتخذ قرارها إما بالبعد أو الصبر، وإن صبرت يُحسب ذلك في ميزان حسناتها إن شاء الله".

ونصحت د. زقوت النساء العاملات بالتحاور مع أزواجهن للوصول إلى حل الخلافات، قائلة " إذا اقترحت المرأة على زوجها أن تعطيه جزءً من الراتب كي ينفق هو على البيت، بإمكانها قتل شعور الظلم الذي يعيشه، وبالتالي سيعود عليها العطاء إيجابيا ومثمرا".

المصدر: فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق