غزة- آمنة غنام
بينما كنت ذاهبة إلى عملي كصباح كل يوم، كان لا بد للسائق أن يمر بـ " طريق البحر" لأنها أفضل وأقل ازدحاماً، وعندما اقتربنا من منطقة الميناء والمنطقة " السياحية " في مدينة غزة، لفتني منظر "الردم " الملون ما بين حجر أصفر وآخر أبيض وغيرها من ألوان الطيف، إلى جانب انغراس أكياس النايلون الملقاة بين ذلك الركام المشوه لنصف غزة الحيوي.
دفعني الفضول لأن أبحث أكثر عن سبب هذا المنظر القاتل لأي روح جمالية قد تتواجد في تلك المنطقة، لنعرف لاحقاً أن أصحاب الفنادق قاموا بجلب هذا الردم وبقايا المنازل المقصوفة، ليحموا منشآتهم من تقدم الأمواج التي أصبحت تنحر الشاطئ بتقدمها المستمر على اليابسة.
ولإلقاء الضوء على هذا الجانب أكثر، واستكمالاً لموضوع الشاطئ المتآكل والثورة البحرية التي باتت مهددة بسبب انجراف الرمال وترسبها, والذي طرحته صحيفة "فلسطين"، الأسبوع الماضي، اتجهنا إلى من عاشوا هذه التجربة وكانوا شاهدين على نحر شواطئ غزة.
مشكلة منذ زمن
وكانت البداية مع صلاح أبو حصيرة مدير مطعم السلام الذي أقيم منذ ما يزيد عن نصف قرن، والذي كان شاهداً على التغييرات التي طالت المنطقة فقال لـ "فلسطين" :" المشكلة الرئيسية التي أصابت المنطقة تركزت في بادئ الأمر في الميناء لتنتشر بعد ذلك على طول الساحل الغزي.
وتابع :" الرياح الغربية التي تهب على المنطقة الساحلية تؤثر على الأمواج وبالتالي تؤثر على الرمال التي تنقل بفعلها إلى الغرب في حين تبقى الجهات الشرقية غنية بالرمال وشواطئها ممتدة مسافة تتجاوز 50 م " مشيراً إلى أن مناطق " الشاليهات " غنية بالرمال في حين تفتقر المطاعم والفنادق لهذه الميزة.
وأوضح أبو حصيرة أن منتصف عام 2004 تعرض جزء كبير من مطعمه للجرف بسبب تقدم مياه البحر بصورة كبيرة ، تلك الأزمة التي تعرض لها مطعم السلام وغيرها من المطاعم والفنادق اضطرتهم لكي يتحركوا على وجه السرعة بجلب " الردم" من بقايا المنازل والمؤسسات التي تعرضت للقصف أو الهدم.
وتابع :" الردم والبقايا جلبناها على حسابنا الخاص وذلك لتدارك المشكلة ومحاولة إيجاد حلول سريعة لحماية أملاكنا من تقدم البحر بصورة مستمرة في ظل غياب أي تصرف حكومي سريع في هذا الأمر".
واستذكاراً لمرحلة تعود للسبعينات على أقل تقدير يوضح أبو حصيرة أن بلدية غزة في عهد الراحل رشاد الشوا قامت بجلب صخور كبيرة من جبال الضفة الغربية والقدس لجعلها كسارات للأمواج ، مشيراً إلى أن أصحاب المحلات والمطاعم في تلك الفترة ساهمت بقدر لا بأس به لاستحضار تلك الصخور.
وأضاف :" بعد أن جاءت السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة عام 94 كان هناك دائرة تحمل اسم " سلطة الأراضي"، والتي كان يترأسها فريح أبو مدين تدخلت لإزالة هذه الصخور باعتبار أنها موضوعة في أراضٍ حكومية، وبالفعل تم إزالتها واستغلالها في إنشاء الميناء " موضحاً أن تلك الصخور لم تكفِ سوى لمسافة تمتد 10 أمتار ، في حين تم إكمال الميناء بكتل حديدية بشكل " رجل غراب " نظراً لمنع السلطات الإسرائيلية إدخال الصخور لاستكمال بناء الميناء.
لم يكن " نفس" الاعتراض والمعارضة طويلاً ضد من أزالوا كواسر الموج فكان من يعترض مصيره أن يسجن بحجة أنه يعارض مشروعاً وطنياً ويتجاوز القوانين.
كما بيّن أبو حصيرة أن مشكلة تآكل شواطئ غزة هي مشكلة متجددة نتيجة تتابع الفصول فالأمواج شتاءً تقوم بسحب الرمال في حين تقوم بإعادتها في فصل الصيف، مشيراً إلى أن الحلول الجذرية لهذه المشكلة بحاجة لتمويل كبير ومعدات بنائية وإعادة هيكلة بناء تلك المنطقة واستغلالها كـ " كورنيش " سياحي.
من جهة أخرى, اعتبر أن وضع بقايا المباني في تلك المنطقة يدعم الحياة البحرية والسمكية ولا يعدمها, فالأسماك تبني منازلها بين الصخور وتكثر الشُعب التي تعيش عليها الأسماك، مؤكداً أن أصحاب المطاعم طرحوا على الجهات الحكومية المختصة استغلال المساحات المقابلة للمطاعم كمصايف أو كسو المنطقة المنحورة بالرمال من الجهات الشرقية، ولكن وزارة الاقتصاد بدورها أشارت عليهم بجلب الرمال من أراضي المحررات إلا أن جلب هذه الرمال يحتاج لتكلفة عالية.
إهدار للثروات
كما أوضح مدير فندق الكومودور مازن الصوان أن المشكلة الكبرى تتضمن في عدم استغلال هذا الشاطئ بأي شكل من الأشكال، فأصحاب المطاعم والفنادق طالبوا باستغلال هذه المساحات إلا أن البلدية وسلطة الأراضي مانعت ذلك وطالبتهم باستئجارها, في حين يعتبرها أصحاب المطاعم أنها أرض متممة لمنشآتهم ومن حق النزيل.
الردم والبقايا جلبناها على حسابنا الخاص وذلك لتدارك المشكلة ومحاولة إيجاد حلول سريعة لحماية أملاكنا من تقدم البحر بصورة مستمرة في ظل غياب أي تصرف حكومي سريع في هذا الأمر
صلاح أبو حصيرة
وتابع:"على الرغم من أننا لم نتضرر بشكل كبير من تآكل الشواطئ كما هو الحال بالنسبة للعديد من الفنادق والمطاعم, إلا أن هذا النحر يؤثر بالتدريج على المنطقة فيعدمها ويلغي أساسات الرمال والقاعدة الموجودة", مشدداً على ضرورة وقوف الجهات المسؤولة وقفة جادة لمحاولة إيجاد حل جذري لهذه المشكلة.
شهود على المشكلة
وفي السياق ذاته قال محمد شملخ ( 34 عاماً ) :" أنا أسكن في تلك المنطقة منذ عام 1990، وشهدت منطقة الميناء العديد من التغيرات ما بين العمران وما بين تقدم المياه تارة أخرى إلى جانب إقامة العديد من المنشآت والمؤسسات التي أقيمت في تلك المنطقة، وهذا كله يؤثر سلبياً على الشاطئ في تلك المنطقة، مع العلم أن البحر في غزة هو المتنفس الوحيد سواء للزائر أو المقيم".
وتابع:" الأمر لم يتوقف على هذا, فالجيران والذين يقطنون منذ زمن في هذه المنطقة أخبروني أن المنطقة تعرضت لمشاكل بيئية تتمثل في جرف الرمال من منطقة وتراكمها في منطقة أخرى إلى جانب إزالة الصخور التي كانت ككواسر للأمواج ", مشيراً أنه كان يتذكر تلك المنطقة في طفولته عندما كان يحضر مع جده أنها كانت بشكل أجمل مما هي عليه الآن.
وبين أن الجهات التي أزالت تلك الصخور وكواسر الأمواج كانت هي المتحكمة وكانت العديد من الأحاديث تدور عن أنهم قاموا بـ "سرقة" تلك الصخور وبيعها لجني الأموال من ورائها", مؤكداً أن الاحتلال لم يقم بإزالة تلك الكسارات لتقوم جهات فلسطينية بالاستيلاء عليها وترك الشاطئ على هذه الصورة!.
تدخل بشري وتآكل طبيعي
من جهته, أوضح نائب رئيس سلطة الطاقة والموارد الطبيعية م. كنعان عبيد أن مشكلة تآكل الشواطئ في القطاع بدأت تظهر عندما بدأ التدخل البشري في الطبيعة البحرية ،حيث تم إنشاء ميناء بحري على أطراف مدينة غزة وهو عبارة عن كاسر للأمواج بشكل عمودي على الشاطئ بطول ما يقارب 400 متر.
ونظراً للتيارات البحرية المتوالية التي تهاجم شاطئ بحر غزة ، قامت بسحب الرمال من الجهة الشمالية للشاطئ, في حين بقيت الجهة الأخرى تقريباً خالية من تلك الرمال التي جذبتها الأمواج الأمر الذي سبب بدوره مشكلة تآكل الشواطئ والآثار السلبية المترتبة عليها.
وتابع :" هذه المشكلة تضاعفت مع بناء اللسان البحري المقام في منطقة الميناء ", منوهاً إلى أن الاحتلال في وقت سابق كان يرغب في بناء ميناء غزة في منطقة الوادي ( وسط القطاع ) بسبب تلك الآثار الجانبية التي يسببها إنشاء اللسان البحري في مياه البحر على الجانب الإسرائيلي.
من جهة أخرى أشار عبيد أن هناك العديد من الحلول المقترحة لمحاولة حل تلك المعضلة التي يواجهها " نصف غزة الحيوي " من خلال تزويده بكميات كبيرة من الرمال والرواسب لتشبيع التيار المائي بالرمال التي يحتاجها دون نحره للشاطئ، مشيراً إلى صعوبة تطبيق هذه الطريقة لعدم وجود صحاري رملية أو معدات خاصة تقوم بسحب الرمال من قاع البحر وضخه في المنطقة المذكورة.
حلول مبدئية
فيما كان الحل الآخر يتضمن وجود كاسر أمواج عرضي بشكل خطوط متقطعة تكون موازية وعلى بعد مسافة معينة منه (50 إلى 100 متر) وعلى شكل خطوط متقطعة، بالإضافة إلى الألسنة البحرية وهي نظام لمقاومة التآكل في الشاطئ، وهي عبارة عن حواجز ركامية غالباً ما تكون من ركام الصخور وتكون عمودية أو مائلة على الشاطئ وامتدادها داخل البحر يشبه بشكل كبير الأصابع.
كما اعتبر عبيد أن الحل الأمثل في حالة التآكل المتواجدة في قطاع غزة، وخاصة في منطقة الميناء، هي إنشاء الألسنة البحرية التي من شأنها الحد من مشكلة تآكل الشواطئ في تلك المناطق، مشيراً إلى أنه في هذا المشروع استغلت الكتل الأسمنتية الناتجة من المباني المهدمة مع أخذ درجة أمان عالية عن التصميم النظري للسان إلى جانب أن توضع تلك الكتل في البحر بطريقة غير عشوائية وعليه تم تقسيم كتل اللسان إلى ثلاثة أقسام.
الجهات التي أزالت تلك الصخور وكواسر الأمواج كانت هي المتحكمة، والأحاديث تدور عن أنهم قاموا بـ"سرقتها" وبيعها لجني الأموال من ورائها (..) الاحتلال لم يقم بإزالتها حتى تقوم جهات فلسطينية بالاستيلاء عليها وترك الشاطئ على هذه الصورة!!
المواطن محمد شملخ
وبين أن القسم الأول هو عبارة عن كتل يتجاوز وزنها 2.5 طن كالقواعد الخرسانية الكبيرة وتستخدم هذه الكتل كطبقة حماية في النصف الأخير للسان، أما القسم الثاني يتراوح أوزانها ما بين 2.5 إلى 1طن ويستخدم في النصف الأول اللسان كطبقة حماية، والقسم الأخير عبارة عن كتل ذات أوزان أقل من طن من أعمدة وأحزمة أرضية, تستخدم كطبقة في قلب اللسان تكون مغلقة بطبقة الحماية مع العلم بأن مخرجات التصميم لقلب اللسان كانت لا تتجاوز 100 كيلو جرام.
تمويل مفقود
بدوره تحدث مدير عام الإدارة العامة للصحة في بلدية غزة م. عبد الرحيم أبو القمبز قائلاً :" ميناء الصيادين أثر بشكل كبير على تآكل الشواطئ خاصة مناطق شمال الميناء والسواحل قبالة مخيم الشاطئ، حيث إن هناك مناطق يزيد فيه الشاطئ سنوياً مترين، وفي المقابل هناك مناطق تتعرض للنحر والتآكل بشكل كبير".
وأوضح أن بلدية غزة تتابع هذا الموضوع منذ فترة ولكن مشروع إصلاحات الشاطئ بحاجة إلى تمويل كبير، إلى جانب أن البلدية تنتظر سماح السلطات الإسرائيلية إدخال الكتل الصخرية والإسمنتية لترتيب وتنظيم شواطئ البحر.
وأضاف :" قامت البلدية في وقت مسبق بوضع الشباك المعبأة بالحجارة كطريقة لحماية الشواطئ من التآكل إلى جانب بقايا وركام المباني المهدمة أو المقصوفة".
أخطار وحلول
وفي السياق ذاته أوضح الأستاذ المساعد بقسم البيئة وعلوم الأرض في الجامعة الإسلامية د. زياد أبو هين أن الأسباب الرئيسية التي تؤدي لتآكل الشاطئ تقدم وتراجع مياه البحر واصطدامها بالشاطئ التي بدورها سببت تعرية, التي تعمل على سحب الرمال إلى داخل مياه البحر.
وتابع :" هذا لا يعفي الإنسان من تحمل جانب كبير من المسؤولية, فالتقدم العمراني وتأسيس المنشآت تعمل على جرف الشواطئ وتآكلها بشكل ملحوظ"، مؤكداً أن إزالة المصدات وكواسر الموج التي أزيلت سابقاً لعبت دوراً كبيراً في زيادة هذا الانجراف، إلى جانب وضع الجدران أو الموانئ التي تتآكل من جهة وتترسب من جهة أخرى.
واستعراضاً للنتائج التي يسببها هذا النحر المستمر قال أبو هين :" هذا التآكل يؤدي إلى انعدام المنظر الجمالي والمواقع السياحية إلى جانب تقليل الثروة السمكية وانعدام أنواع عديدة من الأسماك " مبيناً أن الردم الذي استخدم لتعويض النحر يجب أن يخضع للدراسة حيث يحمل مواد كيميائية تسبب خللاً في النظام البيئي البحري.
وحول الاقتراحات لتطوير الشاطئ أوضح أبو هين أنه يجب خلق آلية عملية لإدارة جيدة للشاطئ وهذه الآلية يجب أن تشمل كل الوزارات المختصة كالإسكان والزراعة والسياحة والبيئة والبلديات.
المصدر: فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





