غزة-تسنيم الزيان
بعد يومٍ قضاه متنقّلاً بين قاعات المحاضرات في الجامعة، عاد "محمود" صاحب العينين الخضراوين خائر القوى يستجدي لحظةً يرتاح فيها.. ولكن هيهات.. فالساعة تقترب من الخامسة.. وأصدقاؤه وصديقاته في المنتدى الجديد الذي انتسب إليه مؤخراً يجتمعون في مثل هذه الساعة..
سريعاً أدخل كلمة السرّ خاصته، ثم بدأ يقلّب صفحات الشبكة العنكبوتية باحثاً عن موضوعٍ "خفيف" يشارك به، "أملاً في جذب أكبر عددٍ من الردود والراغبين بالتعرّف".. وبالفعل.. بدون سلامٍ أو كلام.. نسخ الموضوع في الصندوق الخاص، ثم بدأت الردود "عنيفةً" تصفه بقلة التهذيب، تبعتها تحذيراتٌ من قبل إدارة المنتدى "من تكرار المشاركة بهذه النوعية من المواضيع بعد ذلك".. فالمشاركة كانت "ساخنة" إلى درجة الوضوح.. فصارت صورته "أشدّ سوءًا من اسمه" كـ (عاشقٍ للبنات)..
على الرغم من أن معظم المشاركين في صفحات المنتديات، ينتسبون إليها بأسماءٍ مستعارة، إلا أن "الاسم" يعبّر في الأغلب عن شخصية صاحبه.. بينما –وعلى الرغم من أن صاحبها مجهول- تكون "الكلمة" سفيراً لأخلاقه.. وحتى وإن لم يعرف الناس "صاحب الموضوع".. فيكفي أن الأخير يعرف "ما يصفه الناس به".. فأي صفةٍ تلك التي تتمناها لنفسك إن كنتَ عضواً في منتدى.. التقرير التالي يناقش القضية:
من أجل الدعوة..
"اللهم توفني وأنت راضٍ عني" اسم مُستعار كان لافتا مُقارنة بـ" المُهاجر وعذبة الروح وسفينة المحبة وقاهر النساء" غرابته أوقفت "فلسطين" بُرهة للبحث عن معلومات اتصال بصاحبه..
أحمد مُرتجى صاحب " الاسم المُستعار" والذي يضيف " بريده " الالكتروني كوسيلة اتصال في صفحته الشخصية تحدثنا معه عن اختياره لاسمه وهدفه من ذلك، أجابنا بعد أن استقبل إضافتنا بعد دقائق من إرسال دعوة :"مُشاركتي في المُنتديات تتسم بالطابع الديني، ولم يكن أنسب من هذا الاسم لها، فأنا أمارس مهارتي الدعوية لله عز وجل بالتواصل مع بعض الشباب ودعوتهم لحفظ سور قرآنية وأحاديث شريفة"..
وأضاف :"غيرتُ بمشيئة الله تعالى الكثير من الشباب، الذين أصبح المسجد صاحبهم، والسور القرآنية والأحاديث كُنيتهم، واتسع أيضا إدراكهم بفضل الله للكثير من القضايا الاجتماعية و الدينية التي كانوا يجادلون فيها".
يُعبر أحمد عن سعادته لما حققه من "إنجازات" قائلا :"حمدا لله زاد عدد المُضيفين لبريدي الشخصي بهدف التواصل معي للنقاش ومُشاركتي بدعواتي للصيام الجماعي وقراءة القرآن، إذ أني أدعو لصيام كل اثنين وخميس أو قراءة أجزاء من القرآن الكريم في مُدة زمنية محددة، واستطعت بفضل الله أن أشكل مجموعة جيدة من القارئين والصائمين".
المُشتركون في الإنترنت هم من يحددون ميولهم وصفتهم في المواقع الإلكترونية، فإما يهتدون ويُهدون، أو يَّضلون ويُضلون، ومن يدعو إلى الله هذه الفترة هم قِلة ويُمكن القول أنهم ندرة
الشاب عفانة
واعتبر أحمد أن عمله " الدعوي " في ساحات الإنترنت لا يُفرق بين ذكر وأثنى رغم تحفظه في معرفة الفتيات لـ " جنسه"، يقول: " يطلب الشباب أن أؤكد لهم بأني رجل وأتواصل معهم عبر هاتف أو نُرتب للقاء، وأتجنب التعامل الفتيات حتى لا أجلب لنفسي ذنبا ما، فغرضي في النهاية تقديم النصح لا الوقوع في المعاصي".
إيجابية عمل أحمد "لا تعكس الوجه الكامل للانترنت"، وفق قوله فهو يُحارب ما يراه من سلبيات يُلاحظها في عالم الإنترنت، يقول: رغم إيجابيات المنتديات، إلا أنها تعكس بعض الجوانب السلبية، فالكثير من الأشخاص يرفضون إضافتي، ويعزفون عن الرد على موضوعاتي، وإذا ما ردوا تكون مشاركتهم رديئة ومُعادية، مما يجعلني أترفع عنها وأتجاوزها".
وسائل في بيئة معقدة
لا يختلف رأي أحمد عن آراء أغلب من حدثناهم من خلف شاشة "الكمبيوتر" إما برسائل خاصة على " المنتديات " أو بمحادثة مباشرة عبر " بريد" جديد سجلناه لهذا الغرض، ماهر عفانة واحد من المؤمنين بواجب الشاب الفلسطيني بالدفاع عن دينه وأرضه وتقويم سلوك أقرانه في بيئة الانترنت " المُعقدة".
قال لـ " فلسطين": " أشارك بأسوأ المواقع سُمعة على الانترنت، لا لغرض غير صحيح، ولكن مُحاولة لتخليص الشباب الفلسطيني من ورطة الوقوع في القضايا اللا أخلاقية وأحيانا العمل لصالح الاحتلال"، مضيفا: " tagged موقع إسرائيلي يُشارك فيه الكثير من الشباب الفلسطيني لُمشاهدة مقاطع الفيديو الخادشة للحياء على صفحاته أو للتحدث مع فتيات بقضايا ومواضيع تافهة".
ولفت ماهر في حديثه إلى أن إدارة ذلك الموقع وشاكلته تحذف مشاركات الأعضاء الذين يدعون للإسلام أو لتقوى الله، ويصل الأمر إلى إلغاء اشتراكهم فيها، قائلا : " أُلغيَ اشتراكي أكثر من مرة، وكُنت أعاود التسجيل من باب الواجب والرغبة بتخليص الشباب المُسلم من شرك الخطأ".
وأضاف: " شموع المحبة هو الاسم الذي اخترته لترغيب المُشتركون في المنتديات والمواقع بالتحدث معي، وفتح صدورهم وتقبلهم لآرائي، فأنا أطمح لأن تعم الفائدة على جميع المُشاركين، وأكثر ما أشارك فيه هي المواضيع الجديرة بالنقاش إضافة إلى الأحاديث النبوية الصحيحة والآيات القرآنية التي تُقوم سلوك المُسلم الصحيح".
وفي إشارة منه إلى " نُدرة " وجود أمثاله، قال: " المُشتركون في الإنترنت هم من يحددون ميولهم وصفتهم في المواقع الإلكترونية، فإما يهتدون ويُهدون، أو يَّضلون ويُضلون، ومن يدعو إلى الله هذه الفترة هم قِلة ويُمكن القول أنهم ندرة".
شبكة صداقات
في حين التزم أحمد وماهر بأسماء مُستعارة واحدة، تنوعت الأسماء التي تُشارك فيها "نهى" التي تطمح من مشاركاتها في المواقع والمُنتديات إلى تكوين أكبر عدد من الأصدقاء مختلفي الثقافة وطريقة التفكير.
تقول: " نظرا لضيق قطاع غزة والكبت الذي نعيشه نتيجة الحصار، وما آلت إليه حالتنا النفسية بعد الحرب أبحث عن الترفيه في كل مُنتدى، ولا أشارك بغير الأقسام الخاصة بالنكات أو النساء".
ارتكبت عدداً من الأخطاء لقد اشتركت في المنتديات بعد امتحانات التوجيهي، كنت قليلة الإدراك واندفاعي أوقعني في مشاكل تجاوزتها بأسماء مستعارة ولا أجد في البحث عن الترفيه خطأ ما لم أتجاوز حدود الأدب والأخلاق
الفتاة نهى
تعرف نهى أكثر من خمسين عربيا وفلسطينيا تخاطبهم مُباشرة عبر المحادثة، وتُشاركهم بعض ما تعرفه من معلومات عن القضايا العربية، وتُفرغ مساحة كبيرة في حديثهم للقضايا الفلسطينية على رأسها تهويد القدس".
ارتكبت نهى عدداً من الأخطاء في المنتديات، وتعرفت على بعض " السيئين" وفق قولها، لكنها تجاوزت أخطاءها بـ " أسمائها المستعارة"، تقول:" اشتركت في المنتديات بعد امتحانات الثانوية العامة، كنت قليلة الإدراك تلك الفترة واندفاعي أوقعني في بعض المشاكل التي تجاوزتها واكتسبت خبرة جيدة منها، ولا أجد خطأ في مشاركتي بأكثر من اسم مستعار، أو حتى المبحث عن الترفيه طالما لا أتجاوز حدود الأدب والأخلاق".
سحر "النكنيم"
في حين التزمت نهى بطرح القضية الفلسطينية، مُهتمة بتعميمها، كانت "نهار" تضع صورة ممثل هندي كصورة شخصية لها في "المنتدى" وتُرفق موضوعاتها بـ " أغاني عشق" كتوقيع، ولا تختلف شخصيتها في "بريدها" شيئا عن تلك في المواقع، فهي تُغير بين الفنانين والمُغنيين كصورة عرض، وتُسطر "النكنيم" بعبارات غزلية وأحيانا مليئة باليأس والألم..
تقول لـ " فلسطين" بعد مجادلة دامت ساعات حول "أنوثة المُتحدث من ذكورته" : " لي أصحاب على مستوى العالم، وبمُختلف الجنسيات، أتوافق مع أغلبهم في الصفات الشخصية، كالشكل والهِوايات، والعمر وأحيانا تاريخ الميلاد والبُرج القمري".
تقضى نهار أغلب وقتها في غرف المُحادثة تتعرف على الناس وتضيفهم إلى بريدها الشخصي، تقول: " أحب العلاقات السريعة، ومعرفة الناس بدقائق وتركهم بعد دقائق أيضا، ولا يمكن أن أؤكد لك شخصية صدق من أحدث فالكل يكذب، وأنا قادرة على التمييز وطالما لم تتجاوز علاقتي بالناس حدود شاشة الكمبيوتر، لا تؤثر على حياتي، لا مانع لديَّ من خوض تجربة التعارف"..
أحب العلاقات السريعة، ومعرفة الناس بدقائق وتركهم بعد دقائق أيضا، ولا يمكن أن أؤكد شخصية صدق من أحدث فالكل يكذب، وعلاقتي بالناس لا تتجاوز حدود شاشة الحاسوب.. لا مانع لديَّ من خوض تجربة التعارف
الفتاة نهار
وكحال " نهار" هناك البعض من يسعون للتعارف فقط، على خلاف من يضع نصب عينه هدفا وطنيا أو إنسانيا يعكس شخصيته ويُعبر عن ما يؤمن به، مُتخفين جميعهم خلف أسماء مُستعارة " تحميهم " أو " تساعدهم "..
انعكاس للشخصية
الاختصاصي النفسي د.درداح الشاعر رأى أن شخصية المُشارك باسم مستعار تُعكس من مشاركته، ولا يخفيها اسمه قائلا :" يهرب المُتخفي خلف اسم مستعار من المجتمع حوله، إذ يعتبر أن ما يقوم به هو خطأ يجلب له بعض المشاكل، بالتالي يبحث عن اسم بديل يداري نفسه خلفه، ويعبر عن شخصيته من خلاله أيضا".
وأضاف: " تعكس شخصية الإنسان الجوانب الأخلاقية و القيمية التي ينشأ عليها، وأحيانا تعكس تمرده على واقعه الذي يعتبره كثير الأخطاء، فيتحرر من تلك القيود والأخطاء تحت اسم مستعار ينقل رأيه وثقافته عبره".
حلوها ومرها
وعن إيجابيات المُنتديات، قال: " يمكن أن يحصل الإنسان على أفكار وآراء ومبادئ واتجاهات علمية أو ثقافية تثري ثقافة الشخص منها، وباستطاعته عبرها التواصل والاتصال مع العلماء والأدباء والمفكرين"، لافتا الانتباه إلى أنه يمكن مناقشة العديد من المواضيع المفيدة وطرح الآراء الجيدة باستغلال الأسماء المستعارة، وبالتالي تغذية المخ بالمعلومات المثرية والمساهمة في نشر الثقافة".
المنتديات لها إيجابيات وسلبيات كأي وسيلة، أما الاسم المستعار فهو يعكس شخصية ومشاركة صاحبه، والمتخفي يهرب من المجتمع ويداري نفسه خلف اسم وهمي إذ يعتبر أن ما يقوم به خطأ يجلب له المشاكل
د.الشاعر
وأضاف: " يمكن التواصل عبر المنتديات لنشر معلومات دينية أو ثقافية أو علمية تكون ذا مغزى واضح، وذات محور مهم للنقاش الأمر الذي ينشر ويوسع المعرفة لدى كافة الأشخاص المشاركين"، منوها إلى أن المشاركة السيئة وطرح المواضيع عديمة الفائدة في المنتديات أصحابها عادة يكونون بأسماء مستعارة.
وعن سلبياتها قال د.الشاعر: "يمكن للإنسان أن يهدر وقتا كبيرا وثمينا في ما لا يفيد وقد يحصل على بيانات وأفكار لا أخلاقية تتنافى مع مبادئه ومعتقداته وشخصيته, ومن كثرة الاندماج بتلك المنتديات يمكن أن يتشبع بأخلاقهم السيئة ويتخلى عن مبادئه"، مؤكدا على أنه يمكن اعتبار المنتديات سيفاً ذا حدين.
قائلا: "هي ذات جانب ايجابي إذا ما بحث المشترك فيها عن أمور أخلاقية وثقافية وعلمية واجتماعية، ويمكن أن يكون السيف قاطعاً وهادرا للوقت إذا ما بحث عن جوانب لا يميز فيها بين الجيد والضار, وبالتالي يتحول إلى مضيعة لا تثمر إلا عن ومضات سطحية لا قيمة لها ولا وزن ".
وأضاف: " أيضا الألفاظ والآراء التي يبديها الأشخاص يمكن لها أن تعبر عن المستوى الأخلاقي للفرد ويمكن أن يكون فيها خدش للحياء خاصة إذا أدلى الشخص بما يتجاوز الحياء"، موضحا أنه في كثير من الأحيان نرى الشباب والفتيات يشاركون ببيانات شخصية من الخطأ الإعلان عنها، لأنها تحمل الكثير من المضار والمشكلات التي تلحق بهم عبر المنتديات.
وبين الشاعر أن كثيراً من المشاركين لا يدركون مدى خطورة التمادي والانغماس في المنتديات والعمل على إبداء آرائهم في أي موضوع، متمما: " ما ألاحظه من مشاركات عبر المنتديات تكون فقط لملء الفراغ وهي من وجهة نظري فارغة وبدون فائدة، أما المواضيع القيمة والمفيدة فالتعليقات تكون قليلة جدا, وهو ما ينم على فراغ الوعي لدى الشباب في أغلب الأوقات".
المصدر: فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





