غزة - صفاء عاشور
جاءت الوالدة تركض بسرعة على صراخ أطفالها الثلاثة, الذين دب الخلاف بينهم بسبب شجارهم على الألعاب الجديدة التي اشترتها لهم في وقت سابق, فما أن بدؤوا في فتح الألعاب وتقاسمها بينهم, حتى حاز "محمد" الأخ الأكبر 12 عاماً على أجمل الألعاب وأفضلها, متناسياً حق أخويه الباقيين فيها.
جاءت الأم على وقع هذه المشكلة التي جعلت من أطفالها الثلاثة ينظرون لبعضهم البعض نظرات غضب واستياء, فما كان منها وبمشاعر الأم إلا أن تطلب من الأخ الأكبر "محمد" أن يتقاسم الألعاب مع أخويه الاثنين.
ولكن هذا الكلام لم ينل إعجاب "محمد" الذي بدأ بالصراخ والبكاء للتعبير عن رفضه لقرار أمه, فهو الذي كانت كل طلباته تجاب دون أي مناقشة وينال كل ما يريده, وكذلك كان موقف الأخ الأصغر "حسام" 8 أعوام من هذه المشكلة أيضاً.
أما الأخ الأوسط "يحيى" 10 سنوات فالتزم الصمت حول هذه المشكلة في انتظار قرار أمه الذي كان يتوقع أن ينصفه, ويجعله يتساوى مع أخويه الاثنين الأكبر والأصغر, ولكن الأم قامت بإعطاء "محمد" نصف الألعاب التي كان يريد أن يحصل عليها ليلعب بها, بينما حاز "حسام" على ربع ما تبقى من ألعاب قام هو باختيارها بعد أن اختار "محمد" ما يريده.
أنا الثانية في أفراد أسرتي وكذلك أنا الثانية في كل شيء لم أكن يوماً الأولى في سلم الأولويات عند أبي وأمي أو عند أي أحد من أفراد أسرتي أشعر بالغيرة كثيراً من أختي الكبيرة
ولكني لا أظهر هذه الغيرة لأحد
تجاهل للمشاعر
قامت الأم في هذه المشكلة بتحكيم مشاعرها في توزيع الألعاب على أطفالها, فرغم أنها تحب جميع أطفالها إلا أنها فضلت الأول والأخير على الطفل الأوسط, متجاهلة بدون قصد مشاعر "يحيى".
وبعد هذه القسمة جلس "يحيى" ينظر إلى أمه بنظرات غضب وحزن تعلو وجهه في الوقت ذاته, دون أن يتكلم بكلمة واحدة لعل وعسى أن تشعر أمه به وتعيد النظر في قرارها, إلا أنه فوجئ بأنها تسألهم بعد أن انتهت من قسمتها والتي رأت فيها أنها "عادلة":" هل أنتم راضون؟!" فأجاب محمد وحسام بصوت عال:" نعم" في حين أن يحيى بقي على موقفه بالتزام الصمت ونظرات الغضب تعلو جبينه دون أن يعبر عنها بأي طريقة من الطرق.
أريدها جديدة
تتشابه مشكلة "ريما" الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً مع مشكلة كل فتاة لم تكن الفتاة الأولى في عائلتها, وتقول حول هذه المشكلة: "أنا الثانية في أفراد أسرتي, وكذلك أنا الثانية في كل شيء, لم أكن يوماً الأولى في سلم الأولويات عند أبي وأمي, أو عند أي أحد من أفراد أسرتي, أشعر بالغيرة كثيراً من أختي الكبيرة, ولكني لا أظهر هذه الغيرة لأحد".
وبينت أنها دائماً تتجاهل معظم القرارات التي تتخذها عائلتها, كرد فعل طبيعي على تجاهلهم لأبسط طلباتها واحتياجاتها, مشيرة في الوقت ذاته إلى أنها تحاول لفت انتباههم بأكثر من شكل من خلال الاهتمام بدراستها والتفوق على أختها الكبيرة.
وحول أكثر ما تكرهه "ريما" بخصوص هذه الموضوع, هو إعطاء والدتها الكثير من ملابس أختها الكبيرة إليها لترتديها, بدلاً من أن تشتري لها ملابس جديدة تفرح بها, في حين أن الأخت الكبيرة دائماً تحصل على كل شيء جديد.
أكره أخي
وتختلف مشكلة الشاب "عبد الرحمن" عن المشاكل السابقة, فهو من وجهة نظره يتعرض لمضايقات شديدة من قبل أفراد عائلته, فهو الثالث بين إخوته وأخواته السبعة, يقول: "دائماً ما يقارنون بيني وبين باقي إخوتي وأخواتي ويقولون لي لماذا لا تكون مثل أخيك الأكبر سناً؟! فهو متفوق في الدراسة ويحصل على أعلى الدرجات في المدرسة وكذلك في الجامعة".
ويتابع: "أمي كانت دائماً تقارن بيني وبين أخي الكبير, حتى جعلتني أكره نفسي وأكره أخي الأكبر مني وأكره الجميع, تريد مني دائماً أن أكون مثله, من يكون هو حتى أكون مثله", مؤكداً أنه دائماً ما يغضب من هذه المقارنة وبسببها يتجنب أي لقاءات أو اجتماعات عائلية.
أمي كانت دائماً تقارن بيني وبين أخي الكبير
حتى جعلتني أكره نفسي وأكره أخي الأكبر مني وأكره الجميع
وأوضح عبد الرحمن أنه يفضل الجلوس وحيداً على أن يجتمع مع أحد يذكره بأن أخاه الأكبر أفضل منه, لذلك فهو يقضي معظم وقته خارج المنزل مع أصدقائه, وفي حال وجوده في البيت فهو يلتزم غرفته لا يخرج منها إلا في الضرورة.
الأساس في التربية السليمة
وحول هذا الموضوع, قال د. أسامة حمدونة، رئيس قسم علم النفس بجامعة الأزهر: "إن المشاكل يمكن أن تصيب الأطفال بشكل عام, وكل هذا يعتمد على معاملة الوالدين مع الطفل, فإذا كان الأب والأم واعين بشكل جيد لكيفية التعامل التربوي السليم مع الأطفال فهذا يضمن عدم وجود أي مشاكل نفسية مع الطفل سواء كان الأول أو الأوسط أو الأخير".
وتابع: "أما في حال لم يكن الأهل على دراية بالتربية السليمة للأطفال, فهذا سيسبب مشاكل للأطفال ليس للأوسط فحسب, بل للأول والأخير أيضاً, ولكن إذا أردنا أن نتحدث عن سيكولوجية الطفل الأوسط فهنا يختلف الموضوع".
وأوضح أن الطفل الأوسط له سيكولوجية مختلفة عن الطفل الأول وكذلك عن الطفل الأخير, فإحساسه بمعاملة الوالدين والواقع الأسرى قد يختلف حسب وضعه في الأسرة, ومن أحد العوامل التي تحدد الواقع الأسرى هو موقع الطفل بين إخوته وأخواته.
وبين أنه في أغلب المجتمعات العربية يحظى الطفل الأول بالرعاية والدلال الزائد لأنه أول الفرحة, والأخير يحصل أيضاً على نفس الشيء فالأخير على رأي المثل "آخر العنقود سكر معقود", وبالتالي يحصل الطفل الأول والأخير على الحب والرعاية أكثر من الوسط.
بؤرة الاهتمام
ونوه إلى أنه إذا لم يكن الأبوان واعين لهذه النقطة, فمن الممكن أن يتأثر الطفل الأوسط بمعاملة والديه وأسرته, فمن الممكن أن يرى نفسه أنه ليس بالشخصية التي تحظى ببؤرة الاهتمام من الوالدين مقارنة بالطفل الأول والأخير.
ويجوز من هذا المنطلق أن يكون بعض علماء النفس تحدثوا عن موضوع متلازمة الطفل الأوسط, فإحساس الطفل في أنه ليس في بؤرة الاهتمام قد يؤدي إلى ظهور بعض الأعراض غير السليمة أو الطبيعية في سلوكيات الطفل, وقد تكون نسبة المشكلات السلوكية عند الطفل الأوسط أكثر من الطفل الأكبر والأصغر نتيجة إحساس الطفل أنه ليس في بؤرة الاهتمام والرعاية باقي كالأكبر والأصغر.
وأشار إلى أن الأطفال الذين يولدون في المنتصف يشعرون دائماً بأن هناك أحداً يشاركهم في الحب والحنان والرعاية, فيكونون متعاونين بشكل كبير مع الوالدين, بالإضافة إلى أنهم يحاولون إثبات ذاتهم بشكل كبير وإبراز تفوقهم في عدة جوانب, كمحاولة للفت انتباه الآخرين.
إذا كان الأب والأم واعين بشكل جيد لكيفية التعامل التربوي السليم مع الأطفال فهذا يضمن عدم وجود أي مشاكل نفسية مع الطفل سواء كان الأول أو الأوسط أو الأخير
د. حمدونة
فلولا إحساسه بعدم وجوده في بؤرة اهتمام عائلته مقارنة بالطفل الأول والأخير, لما تولدت عنده هذه الدافعية من النشاط وإثبات الذات, في الوقت ذاته إذا كان شعور الطفل الأوسط في غياب اهتمام الوالدين متأصلاً وقوياً, يمكن للطفل أن يعبر عن هذه المشكلة برد فعل عكسي وسلبي قد يدفعه إلى الانعزال عن باقي أفراد الأسرة, بالإضافة إلى مشاكل سلوكية.
نصائح للوالدين
وأكد أن المحك الأساسي هو مدى اهتمام ووعي الوالدين بالطرق التربوية الصحيحة في التعامل مع جميع الأطفال حسب وجودهم وترتيبهم في الأسرة, علماً بأن تكون المعاملة متوازنة مع الكل وبمنطق واحد مع جميع الأطفال.
وبين أنه يجب إشعار جميع أطفالهم بأنهم يحبونهم ويهتمون بهم ويقدرونهم بشكل متساو، فبعض الآباء والأمهات يميلون إلى إعطاء الابن الأوسط الحظ الأقل من الاهتمام بشكل لا شعوري، مما يضع على عاتق هؤلاء الآباء والأمهات مسؤولية مراقبة سلوكياتهم تجاه أبنائهم.
ونصح الوالدين بمساعدة الطفل الأوسط على إيجاد ما لديه من مهارات ومواهب، فالطفل المبدع يكون أكثر ميلا لإيجاد هويته على نطاق عائلته ونطاق العالم من حوله, مشيراً إلى أن على الوالدين ألا يتوقعوا أن يبدع الطفل الأوسط في نفس مجال اهتمام أخيه الكبير أو الصغير, بل التذكر أن لكل شخص ميوله ومجالاته الخاصة للإبداع.
وأوضح أنه على الوالدين مدح جميع أطفالهم على ما يقومون به من أمور إيجابية وتشجيعهم على الاستمرار بها, مع تجنب المقارنة بينهم, والتوضيح لهم أن لكل واحد منهم مكانته الخاصة بالنسبة للوالدين.
المصدر: فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





