غزة - مصطفى حبوش
على مقربةٍ من مكتب بريد الرمال في شارع عمر المختار بمدينة غزة..كان محمد المصري يقف بانتظار سيارة تقله إلى منزله بعد أن أنهى معاملة في البريد..من بعيدٍ بدت علامات العصبية والتذمر على ملامح وجهه ممتزجة بعرقه الذي يتصببّ من شدة الاستفزاز أكثر مما تسببه حرارة الجو...
ولم يحتج محمد لقوة دفع لينفس عن غضبه، حيث جاءت إجابته رسالةً "شديدة اللهجة" ودّ منها أن تصل إلى المسئولين الحكوميين قائلاً:"الموظفون يتعاملون معنا بصورةٍ سيئةٍ للغاية، وبطريقة استفزازية غير لائقة تصل إلى عدم الاحترام .. يؤخرون المعاملات لأسبابٍ "تافهة"، وتعاملهم يشوبه العجرفة الزائدة والفلسفة التي في غير مكانها".
محمد هو واحدُ من مواطنين "كُثر" يشَكون من الأسلوبٍ غير اللائق الذي يتعامل به الموظفون لإتمام المعاملات الرسمية اليومية، إذ تعتبر هذه إحدى أبرز الإشكاليات في الدوائر الحكومية.
"فلسطين أون لاين" بحث في ملابسات هذه العلاقة، كي نعرف أين وجه الحق والاعتراض، وهل هناك مبالغة في ترسيخ هذه الصورة النمطية عن العمل الحكومي؟، وكيف لهذا السيل من الانتقادات أن يسهم في تصحيح الخلل؟ وكيف للمواطن أن يعلم مدى المساحات التي يجب أن يتحكم فيها بأعصابه، ويتروى قليلاً قبل أن يبني في داخله حواجز نفسية قد تؤثر على طريقة تعامله مع الأمور؟.
أسباب وجيهة
يستأنف المواطن محمد المصري، حديثه بتوترٍ تراجعت فيه نبرة الغضب: "أنا لا أتجنى لمجرد الاعتراض، عندما أقول إنهم يؤخرون معاملاتنا لأسباب غير مقنعة، فهذا ليس ادعاء، ذلك أن "حضرة" الموظف إما أن يؤخر مصالحنا لأنه يتناول طعام الإفطار، أو يتذرع بالصلاة!".
وفي سؤاله فيما إذا كان قد جرّب بأن يقدم شكوى ضد الموظفين، ابتسم ابتسامةً صفراء مضيفاً:" لم ولن أفكر في ذلك، لأني واثق بأن المسئولين لن يهتموا أو يتجاوبوا مع الشكوى، لأنهم لن يصدقوا كلام المواطن الغلبان" حسب تعبيره.
العكس هو ما يحدث
أحمد مهاني مدير مكتب بريد عمر المختار...كان حديثه منافياً تماماً لحديث بعض المواطنين، فكانت الصورة التي رسمها أقرب إلى "المثالية" :" الموظفين لدينا يتعاملون باحترام وأدب مع الجمهور ولا تصدر عنهم أي تصرفات تقلل من احترام المواطنين (...)، ونحن نبذل قصارى جهدنا لننجز معاملات الناس ".
وأضاف مهاني: " يريد المواطن أن يحقق مصلحته فقط (...) في كثيرٍ من الأحيان يأتي المواطن، ويجد أمامه طابوراً فيستاء ويرفض أن يلتزم بالدور"، موضحاً أن الناس يستفزون مشاعر الموظف والأخير يستوعبهم ويعاملهم باحترام.
" يقول المسئولون إن الإدارات الحكومية تعمل بقوانين الرقابة المباشرة وغير المباشرة وقانون العقوبات لضمان تقديم خدمات لائقة للجمهور، غير أن الأخير دائماً مستعجل!"
وبيّن مهاني أن الموظفين في أيام توزيع الرواتب يعملون تحت ضغط عمل شديد، ولذلك من الممكن أن يصدر عنهم بعض التصرفات الحادة ولكنها في ذات الوقت لا تسيء للمواطنين الذين في غالبهم لا يقدرون هذه الظروف القاسية.
وأكد على أن الموظف الذي يخطئ بحق المواطنين تتم معاقبته بتحذيره وإصدار قرار لفت نظر بحقه مما يؤثر على مستقبله الوظيفي، مشدداً على أن الناس كلهم سواسية كأسنان المشط بالنسبة للموظفين.
رقابة مفاجئة وسرية
لم يختلف رأي مدير دائرة الرقابة البريدية في قطاع غزة سليم حرز الله عن سابقه وقال: " إدارة البريد معنية بعلاقة قائمة على الحب والتعاون الدائم بين المواطن والموظف ونحرص أن تقدم تكون مقابلة الموظف للجمهور لائقة وتقدم خدمة في وقت قصير ومحدود ".
وأوضح حرز الله أن إدارته تتابع بشكل ميداني تطبيق الأوامر والتعليمات، وتصححّ أي انحراف أو خلل حال حدوثه، وتستطلع آراء المواطنين لمعرفة أداء الموظف وأسلوبه في التعامل مع المواطنين.
وأشار إلى أن وجود آليات للرقابة المفاجئة والسرية وغير المباشرة على عمل الموظفين، ملفتاً أنه في حال خالف أي موظف التعليمات يعاقب بحجم المخالفة وفق القانون.
بيد أن الملفت أن ملف "الواسطة" لا يزال حاضراً لدى كثير من الوزارات الحكومية، لكن حرز الله ينفي ذلك بالقول " ومن المستحيل تسهيل معاملة مواطن بما يعود بالضرر على آخر".
لولا حاجتنا إليهم
وعلى ما يبدو أن مكاتب البريد ليست وحدها المنتقدة من قبل الجمهور، فأمام مقر توزيع الطرود الغذائية التابع لوزارة الشئون الاجتماعية، اجتمع عدد من المواطنين يتحدثون في تعامل موزعي الكابونات السيئ مع الناس.
وقال أحدهم مخاطباً رفيقه: " إيش هاد يا راجل بعاملونا زي ما نكون بنشتغل عند أهاليهم (...)، ما حدا برحم في هالبلد يعني إذا ربنا قدر إلنا نحتاج لكيس هالطحين إلي بتجمله علينا فيه يعني خلاص يستعبدونا والله العظيم ظلم حرام إلي بعملوا ".
المواطن مسئول
مدير دائرة شئون الموظفين في وزارة الشئون الاجتماعية أيمن عبود نفى ما تحدث به المواطنون، وأكد أن وزارته تقدم خدماتها بصورة مثالية وموظفيها يتعاملون مع الجمهور بصورة ممتازة.
وقال عبود: " إن الناس يسعون إلى تحقيق مصالحهم ولا يأبهون لمصالح غيرهم (...)، ففي كثير من الأحيان يأتي المواطن ليتقدم لمساعدة معينة وتكون معاملته ناقصة لبعض الأوراق المطلوبة قانونياً فيرفضها الموظف ويطلب منه استكمال أوراقه، الأمر الذي يؤدي إلى احتجاج المواطن وقد يتجرأ ويصرخ في وجه العامل في الوزارة ".
وأضاف:" تحدث أحياناً مشادة كلامية بين الموظف والمواطن نتيجة لتعنت الأخير ورفضه لاستكمال الإجراءات القانونية "، مشدداً على أن "الشئون الاجتماعية" تعمل على تحسين أداء موظفيها وعلاقاتهم بالجمهور.
" مسئول: العملاء لا يلتزمون بالإجراءات الرسمية لإتمام المعاملات بطريقة قانونية وينتج عن ذلك حدة وتعنت في تعامل الموظف مع المواطن"
وأوضح عبود أن بعض الموظفين يتميزون بطباع حادة، ولا يستوعبون بعض العملاء، لذلك نعمل على التخفيف من هذه الطباع من خلال الدورات في فنون التعامل مع الجمهور.
وأشار إلى أن وزارة الشئون الاجتماعية تجري تقييماً سنوياً لأداء موظفيها يتضمن في بعض بنوده كيفية معاملة الموظف مع زملائه ومع الجمهور.
ولفت الانتباه إلى أنه لم تصل أي شكاوى رسمية من قبل المواطنين تتعلق بتعرضهم لمعاملة سيئة من الموظفين، وفي حال وصلت أي شكوى يتم التعامل معها بصورة قانونية ويعاقب الموظف المخطئ.
ونوه إلى وجود آليات متعددة للرقابة، منها تجول المدير بين المكاتب بشكل مفاجئ أو المراقبة بسرية دون أن يعلم الموظفون للتأكد من سير العمل على أكمل وجه دون أي نوع من التصنع، مشدداً على أن قضية الرشوة غير موجودة مطلقاً في وزارة الشئون الاجتماعية.
أصابع اليد ليست واحدة
من وجهة نظر المواطن لم تكن كافة الجوانب مظلمة، فللقمر أيضاً جانب مشرق... أحد المواطنين كان يجري معاملة في وزارة المالية، وعلى ما يبدو أن التعامل هناك كان مختلفاً، فعلامات الرضا الممزوجة بقليل من التذمر كانت واضحة على وجهه.
وقال وهو يهم بالخروج من بوابة الوزارة الرئيسية: " لم أجد سوى أطيب المعاملة هنا فالموظفون متعاونون إلى حد كبير، ويقومون بعملهم على أكمل وجه، الشيء الأصعب هنا هو الإجراءات القانونية الروتينية الطويلة، فالمواطن يضطر إلى الانتظار عدة أيام حتى تنتهي معاملته ".
لم يكن هذا رأي مواطن واحد، بل هذا ما أكده عدد من المواطنين الذين يتعاملون مع موظفي وزارة المالية وكانت جل آرائهم تتحدث عن تعامل جيد.
بالتأكيد لن يكون هذه المرة حديث المسئول والموظفين مختلفاً عن حديث المواطنين، حيث أكد موظف الخزينة العامة إبراهيم شراب أن التعامل مع الجمهور يسوده الاحترام والتعاون المتبادل.
وقال شراب: " في بعض الأحيان نعيش ظروف عمل صعبة، ونتيجة لذلك يتميز الموظف بالطبع الحاد، وفي حال تعرض لمضايقة من أحد المواطنين، فإنه يرسله لزميل آخر أو يحوله للمدير المباشر حتى يتعامل معه بصورة أفضل ".
قواعد إدارية
ويتحدث المختص في علم الإدارة والتنمية وفيق زنداح عن القواعد الإدارية وأسس التعامل بين الموظفين والعملاء (المواطنين) قائلاً: " الموظف المثالي يجب أن يكون مؤهلاً إدارياً ومهنياً وسلوكياً، ويعمل ضمن منظومة ومؤسسة منضبطة من الناحية الإدارية والقانونية حتى يستطيع أن يستخدم كفايته وخبراته ".
وأضاف: " الموظف أساساً وجد في وظيفته لخدمة الجمهور، وواجب عليه مهنياً وأخلاقياً أن يتعامل معاملة حسنة مع المواطنين"، مستدركاً " في المقابل على المواطن أن يكون على دراية بطبيعة عمل المؤسسة وأن يمنح الموظف فرصة لتقديم الخدمة ولا يكون عجولاً".
لأجل سمعة المؤسسة
وأوضح زنداح أن المعاملة الحسنة المتبادلة بين الجمهور والموظفين تثمر نتائج إيجابية منها تقديم خدمة أفضل للمواطن وتحقيق المؤسسة لأهدافها، وبالتالي كل هذا ينعكس على المجتمع بالتطور والنمو في شتى المجالات.
" مختص إداري : تمتع الموظف بصفات إدارية ومهنية وسلوكية ضمن منظومة منضبطة إدارية وقانونياً، وتفهم المواطن لطبيعة عمل المؤسسة والإجراءات الإدارية السليمة لإنجاز المعاملات كفيل بخلق علاقة سوية بين الجانبين"
وبين أن معاملة الموظفين السيئة تتسبب بنتائج سيئة للمؤسسة وضعف عام في تحقيق الأهداف وبالتالي الفشل في تقديم الخدمة للجمهور، لافتاً إلى أن تعامل الموظفين السيئ يشوه سمعة، المؤسسة ويؤكد فشلها.
وقال الإداري زنداح: "يجب أن تقيّم المؤسسة موظفيها بشكل دائم وتزيد من كفاياتهم وخبراتهم ومهاراتهم من خلال الدورات المتخصصة والترقيات الوظيفية (..) كفاية الموظفين تنعكس بالإيجاب على المؤسسة والمجتمع ".
وذهب إلى القول: " الجمهور دائماً على حق لأنه يسعى لتلقي خدمة ممتازة تشبع رغباته، وهذا حقه لع على المؤسسة (..) ومهما كانت المؤسسة مثالية وتضم موظفين أكفاء لن تستطيع تحقيق رغبات الجمهور بالصورة التي يريدها ".
ومضى قائلاً: " لا توجد فجوة بين المواطنين والموظفين، المسألة ذات علاقة بظرف موضوعي وذاتي، فالجمهور يطلب في كثير من الأحيان طلبات لا تستطيع المؤسسة تحقيقها، ولذلك يعتقد أنها لا تقدم خدماتها كما يجب ".
فن التعامل
ويرى زنداح أن ثمة موظفين مقصّرين بأداء عملهم، ويعتبرون جلوسهم على كرسي الوظيفة يعني التحكم "بعباد الله"، مشدداً على ضرورة أن يدرك الموظف أنه وجد لخدمة الناس وليس العكس.
" على الحكومة أن تطور المهارات الإدارية وخبرات موظفيها واعتماد سياسة التدريب المتواصلة وتوضيح طبيعة أهداف وسياسات المؤسسة لتتمتع بأداء أكثر قوة"
وحول السلوكيات التي يجب أن تتبعها الحكومة لتحسين أداء موظفيها وتوعية الجمهور، أوضح زنداح أنه يجب تطوير مهارات وخبرات الموظفين واعتماد سياسة التدريب المتواصلة وتوضيح طبيعة أهداف وسياسات المؤسسة، حتى يكون الأداء أكثر قوة وتستطيع المؤسسة تحقيق أهدافها
وبين أن على المؤسسات الإعلامية والثقافية والاجتماعية والحكومية أن تطور من وعي الجمهور وتعرفه بشكل أكبر على المؤسسات ودورها، وأنها وجدت لخدمته ويجب أن يتعامل مع موظفيها بصور أفضل حتى يتمكنوا من تلبية طلباتهم.
وتبقى هناك دعوة متوازنة لكلا الطرفين...بأن يجيد الموظف والمواطن فناً هو من أصعب وأجمل الفنون، يسمونه "فن التعامل"..لأن العلاقة الإيجابية بينهما ستؤثر حتماً على سير "المعاملة" بالشكل الذي ينبغي، فبالنسبة للموظف فإنه يقع على عاتقه أن يتحلى بالذوق وسعة الصدر في احتواء من أمامه من مواطنين تختلف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، أما المواطن فعليه أن يحترم الموظف الذي لجأ إليه لإنجاز مصلحته، وأن يتفّهم الظروف التي قد تعيق تحقيق ما يريده، لأنه وضع من أجله، أما إذا ما واجهته مشكلة في ذلك، فإن باب الشكوى يبقى مفتوحاً.
المصدر: فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





