غزة - تسنيم الزيان
كلنا يعلم أن تعلق الطفل بأمه بدرجة كبيرة يبدأ في مراحل حياته الأولى, لكن ماذا إن كانت أمه مضطرة للغياب عن منزلها لسببٍ ما كأن تكون عاملة؟، فإن هذا الطفل سيجد نفسه إما بحضانة أو عند جدته التي تبدو أكثر عطفا وحنانا عليه من أمه, فهي التي تخلصه قليلاً من رقابة الأم وتشددها برعايته وتوجيهه الذي قد يصل أحيانا إلى حد القسوة, وبذلك نرى أن الجدة أكثر ليناً من الأم في كثير من الأحيان والحالات، الأمر الذي قد يغضب الأم ويجعلها في حالة توتر عندما ترى سلوك أطفالها في تغير دائم وللأسف للأسوأ.. وذلك نتيجة الدلال الزائد من قبل الجد أو الجدة.
"فلسطين" التقت بعضاً من الأمهات العاملات واللواتي يعانين من تلك المشكلة وأعدت التقرير التالي:
في تغير دائم
تقول عبير عوض: "منذ فترة قصيرة لاحظت تغير سلوك طفلي وطفلتي اللذين أتركهما عند جدتهما "والدة زوجي" عند ذهابي إلى عملي، هذا السلوك الذي بات لا يعجبني مطلقا فهم يعملون على تدليلهما وتلبية كافة رغباتهما ظنا منهم أنهم بتلك الطرق ممكن أن يتخلصوا من طلباتهما المزعجة والمتواصلة"، موضحة أنها تقضي ما يقارب السبع ساعات وهي بعيدة عن أطفالها.
وأضافت ومعالم الحيرة تبدو على ملامحها: "لقد بدأت مشكلتي مع أولادي بسبب تجاوز جدتهم الدلال في التعامل معهم، فهي تعمل دائما على أن تلبي لهم كل رغباتهم دون حتى الاعتراض على ذلك، إلى جانب سكوت جدهم عن بعض الأخطاء والتصرفات التي يقومون بها، وذلك خوفاً من أن يفقد محبتهم داخله"، لافتة إلى أن بيت جدهم أصبح الملاذ الدائم والعنصر المشجع على الدلال، الأمر الذي يجعلهم أحيانا يتدخلون في تربية أطفالي وفي أمور لا أرغب من أحد أن يتدخل بها.
لقد بدأت مشكلتي مع أولادي بسبب تجاوز جدتهم الدلال في التعامل معهم، فهي تعمل دائما على أن تلبي لهم كل رغباتهم دون حتى الاعتراض على ذلك، إلى جانب سكوت جدهم عن بعض الأخطاء والتصرفات التي يقومون بها
المواطنة عوض
وبينت أن غيابها لفترات طويلة عن المنزل وعن أطفالها بسبب انشغالها في عملها هو ما دفع جدتهم وجدهم للتدخل في تربيتهم ، متممة: "وظنا من والدة زوجي أنها ربت أولادها من قبل فمن البديهي أن تقوم بتربية أولادهم ، ولكن من وجهة نظري فإن طرق التربية تختلف من جيل إلى آخر فما كان مناسبا في السابق هو غير مناسب في الوقت الحالي، وبسبب دلالها وحنانها الزائد أجد أولادي يلجئون إليها مباشرة ويطلبون منها ما يشعرون بصعوبة تلبيته لهم في المنزل!".
تعارض التربية
أما جيهان عودة, فتؤكد على أنها تشعر بالتعب كثيرا عندما ترى سوء تصرفات أولادها الذين تذهب بهم إلى بيت والدتها لتتركهم عندها ما يقارب طوال النهار.
تقول جيهان: "سلوك أبنائي لا يوصف بغير السيئ نظرا لأن والدتي لا تعاملهم إلا بالحنان والطيبة وتلبية كافة رغباتهم، وهذا ما يغضبني لأن تربية والدتي بدلالها تتعارض مع تربيتي التي أرغب أن أنشئ أطفالي عليها"، موضحة أن أبناءها يحبون الذهاب إلى بيت والدتها كثيرا نظرا لأنهم لا يسمعون كلمة ممنوع أبدا.
وأضافت: "أعاني كثيرا في الوقت الحالي من تعديل تلك التصرفات السيئة فما أصلحه في الليل تفسده أمي بالنهار، فهي بحنانها الزائد ودلالها المفرط تفسد تربية الأطفال لا تصلحها ، فما أمنعه عنهم في البيت لأنهم مضر لهم ولسلوكهم تلبيه أمي لهم في بيتها خوفا من "زعلهم" منها"، مشيرة إلى أن والدتها تتدخل كثيرا في تربيتها لأطفالها الأمر الذي يزعجني ويجعلني غير قادرة على التوفيق بين تربيتي وتربيتها وضبطي لسلوكهم.
أما والدة جيهان فترى أن ابنتها ترغب بتربية أولادها بحزم وقسوة ، مضيفة: " أنا لا أستطيع إلا التعامل معه بكل حنان ودلال ، فعندما يأتي أحفادي إلى منزلي فإنني أحاول قدر الإمكان تدليلهم وجعلهم يمرحون ويسعدون خاصة أن أمهم تغرقهم بالأوامر والواجبات والمتطلبات التي يجب عليهم أن ينفذوها دون نقاش أو تردد".
ولفتت إلى أنها تلاحظ في بعض الأحيان نوعاً من اللامبالاة والإهمال بتربية ابنتها لأولادها والسبب يعود إلى انشغالها الدائم بوظيفتها وعودتها منهكة من العمل، بالإضافة إلى قيامها بأعمال المنزل.
اختلاف الآراء
عبير أبو جراد عبرت عن حزنها وشعورها بانفلات زمام الأمور من يدها لعدم قدرتها على تربية أطفالها كما تريد، لافتة إلى أن أطفالها دائما عند بيت جدهم سواء كانت بالعمل أم لم تكن.
تقول عبير: "حتى أن زوجي يعارضني في تربيتي لهم ، فأحيانا أطلب منهم القيام بعمل ما، وسرعان ما أجد أن والدهم يطلب منهم القيام بنفس العمل ولكن بطريقة أخرى، الأمر الذي يغضبني ويجعلني على خلاف دائم معه"، مبينة أن جدتهم ترى أنها تقوم بتربيتهم على الوجه المطلوب فهي الحضن الدافئ لهم من وجهة نظرها.
حتى تكون شخصية الطفل متوازنة فإنه يجب أن يكون فيها نوع من اللين الممزوج بالقسوة
لذلك فإننا نجد أن للوالدين دوراً كبيراً بتربية الأولاد فهم يتعلمون منهم النظام والانضباط وتحمل المسؤولية
زوج عبير عندما سألناه عن رأيه في ترك أولاده في بيت والدته قال : "أمي ربتنا أنا وإخوتي تربية جيدة بدون أن تكون حنونة جدا ولا قاسية علينا، وها هي تعامل أولادي بنفس الطريق حيث إنها تمنحهم الكثير من الحب والحنان والعطف وتعمل على كسب محبة أطفالي الذين يلجؤون لها باستمرار".
ولفت إلى أنهم يلجئون لها لتحقيق ما يريدون لكن السلبي في هذا الأمر احتمالية أن يكونوا شخصيات غير مسئولة ومتقلبة لا تعتمد على نفسها.
وتقول عبير والحزن يملأ نبرات صوتها : "أطفالي يظنون أن جدتهم أحن عليهم مني، وذلك لأنها لا تتأثر بصراخهم عندما يلعبون ولا بضجتهم وهي دائما تتحدث معهم بلهجة حنونة لا تشعرهم بالخوف ولا بالرهبة ، وهم يرونها عكسي تماما، مؤكدة على أنها عندما تقوم بتوبيخهم فإنها لا تقصد سوى تقويم سلوكهم وتنشئتهم جيدا.
وأضافت: "عندما أعود من عملي لآخذهم إلى بيتنا، أجلس ما يقارب الساعة وأنا أقنعهم بالذهاب لبيتنا برفقتي بالإضافة إلى البكاء والصراخ المصاحب للعناد، فهم يتمنون الجلوس بمنزل جدتهم أكثر من الجلوس ببيت والدتهم ، لأنهم يشعرون أنهم غير مراقبين بل ويقومون بأي شيء يريدونه.. ينامون.. يأكلون.. يلعبون.. متى وكيفما شاءوا".
ولفتت إلى أنها تسعى جاهدة لتقويم سلوك أطفالها لأنها متأكدة من أن الدلال الزائد الذي تمنحهم إياه جدتهم سيجعل من شخصيتهم غير متزنة، متممة : " لقد تعودوا على ذلك الدلال حتى أنني لا أستطيع ضبط سلوكهم إطلاقا فكل مواعيد نومهم وأكلهم غير منتظمة وبحاجة إلى تفريغ تام من قبلي لإعادة النظام لهم".
لشخصية متزنة
من جهته, قال الاختصاصي والنفسي درداح الشاعر: "حتى تكون شخصية الطفل متوازنة فإنه يجب أن يكون فيها نوع من اللين الممزوج بالقسوة, لذلك فإننا نجد أن للوالدين دوراً كبيراً بتربية الأولاد فهم يتعلمون منهم النظام والانضباط وتحمل المسؤولية"، لافتا إلى أنه لا يمكن إنكار دور الجدة في التربية, فهي بالتأكيد لها نتائج إيجابية بتربيتها للأولاد وذلك عندما يكون هناك تفاهم وحوار بينها وبين الأم.
وأشار إلى أن الأسباب التي تزيد من رغبة الطفل في البقاء عند بيت جده هو الدلال والحنان الزائد الذي يناله منها، ورغبة منه في التحرر من الأوامر والمتطلبات التي يتلقاها مرارا من قبل والديه وخصوصا والدته التي ترغب في تربيته وتنشئته جيدا.
وتمم: "أيضا من ضمن الأسباب شعور الطفل بالراحة والانفلات والدلال الزائد الذي يحظى به من بيت جده، وثبوت فكرة أنه عندما يعود إلى منزله سيلتزم بكافة القوانين المفروضة عليه من قبل والديه".
الطفل بغريزته يبحث عمن يحقق له رغباته ويشبع له حاجاته بطريقة عفوية وإن لم يتحقق له ما يريد فإنه ينفعل ويتسبب ذلك بمشكلة ما في شخصيته وسلوكه
د. الشاعر
وأضاف في حديثه لـ"فلسطين": "الطفل بغريزته يبحث عمن يحقق له رغباته ويشبع له حاجاته بطريقة عفوية وإن لم يتحقق له ما يريد فإنه ينفعل ويتسبب ذلك بمشكلة ما في شخصيته وسلوكه, وبذلك فإننا نجد أنفسنا باستمرار أمام مشكلة ما عندما تلبي الجدة رغبات الحفيد كلها فإنها تصبح ملاذه لتتكون لدى الطفل شخصية تبحث باستمرار عن السهولة والمراوغة".
عدة آثار
وتحدث عن الآثار التي يمكن أن تتخلف على الطفل نتيجة تعارض التربية بين الأم وغيرها، فبين أن الطفل يكون ذا شخصية مهزوزة متكلة على غيرها وغير مسؤولة ولا مؤهلة لذلك وهذا في حال الدلال الزائد.
وتابع: "ولكن هذا لا يمنع خلط الدلال مع قليل من القسوة وذلك لخلق شخصية متوازنة للطفل تكون ذات صفات وسلوك حسنة".
وبين أن العلاج يكون عن طريق الحوار والتفاهم بين الأم والجدة أو الزوج على أساسيات تربية الأولاد وبذلك لا تكون علاقاتهم بجداتهم على حساب علاقتهم بأمهم وأبيهم، مضيفا: "
ومن الضروري لتكوين شخصية متوازنة ومتزنة لأي طفل لابد من وجود الحب والحنان والنظام والانضباط وهي تتوفر بتشارك التربية ما بين الأم والأب والجد والجدة".
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





