تحقيق/حنان مطير
قبل بضعة أيام كانت ألعابها هنا.. دميةٌ تنشد أنشودة الجمال، وأدوات مطبخٍ بلاستيكية تصطفُّ بانتظام.. قطعُ الصلصال تُجسِّد أُمَّاً تمسك بيدِ طفلٍ تطغى على ملامحه الابتسامة، و سلةً مليئةً بالبيض المُلوّن بأفتح الألوان.. جميعها صنعتها يدُ البراءةِ والطفولةِ قبل أن تهب العاصفةُ الملوثةُ بغبار الجريمة وتُطفئ في الغرفة الأنوار..
وسط العتمة ومن خلف ستار.. امتدت يد الأظفارِ الطويلةِ الملوَّثةِ "بالقذارة" فقذفت باللعبة أرضاً وعطَّلت بها ألحان الجمال وأحلَّت مكانها "الأنين" والبكاء.. كسَّرت أدوات المطبخ فلم تترك منها غير "سكِّين".. عجَّنت الصلصال فلَوَتْ ذراع الطفل بعد أن ضاعت بسماته في "الطين"..
تلك هي الصورة التي يتم فيها التحرش الجنسي بالأطفال.. صورةٌ على بساطٍ أرضي بلا أدنى مبالغات بل هي بالحقيقة أعنف وأشرس في نفس الطفولة الشفافة..
"فلسطين" استشعرت عمق الخطورة في التحرش بالأطفال لاسيما التي تكمن خلف جدار الصمت والتكتُّم، فروت القصص التي تدق على الوتر الحسَّاس لأطفال عايشوا التحرش، والتقت بالاختصاصيين ليذكروا أسباب تلك القضية والتي سنطلق عليها أيضاً "السِّرِّيَّة"، وآثارها ورأي الشرع فيها وطرق الوقاية منها لتخلُص بالتحقيق التالي:
عيب!
لعلَّ وقع كلمة "التحرش" على الآذان مزعج ومُقَشْعِر، فتلك الحروف المتفشية تصبغ الأذن بنشازٍ لدرجة تجعل الكثير من الآباء يتجاهلون التعرف عليه بل ولا يتخيَّلون أن يمرَّ أبناؤهم به، كما قد تُسببُ تلك الكلمةُ الحرجَ لهم فيعتبرونها "عيباً" يُمنعُ الحديثُ عنه، بل ربما –بنظرهم-من "قلة الحياء" أن يُخاض فيه والأفضل هو التكتم والتزام الصمت!
على حين غرَّة.. لوَّث السوادُ رداءَه الناصع.. وأطفأَ بلُّور مقلتيه اللامعتين.. و"بلطمةٍ" بهيميةٍ عنيفة التَوَت البراعمُ وذبلت الرياحين.. لتُسَلِّم النفسُ الشفّّافةُ روحَها لعذاباتِ الشوكِ ونايات الأنين.. وتصرخ "صامتةً":"أنا الطفلُ المُدنَّسُ بقذارة البشر.. طَهِّروني
ليست تلك مجرد كلمات للتهويل من خطورة "التحرش" مقابل تجاهل الكثيرين له، فهو خَطِرٌ خَطَرَ ثُعبانٍ سامٍ "أخرس"، وبالذات في مجتمعٍ شرقي "صامت" بعضه محافظ وبعضه أُلصِقتْ به صفةُ المحافظة وهو لا صلة له بها بالأصل!
ومما أكَّد لي ذلك أني عندما اقترحت فكرة هذا التحقيق على إحدى الصديقات-اللواتي حصلن على قدرٍ وافٍ من التعليم-فتحت فاهاً وتشنَّجت!! فقد صُدِمت مستبعدةً أن يكون في مجتمعنا مشكلة كهذه، بل واستهجنت عليَّ قبول أن يُربط اسمي بمثل هذا الموضوع!! كان استهجانها دافعاً قوياً لمواصلة الخوض في موضوع "التحرش الجنسي بالأطفال" ليس تحدياً ولا عناداً إنما لأنهم ضِعافٌ لا حول لهم ولا قوة.. واللذين إن ضاعوا فلا خير في المجتمع برمَّته، فإن كانت صاحبة القدر الوافي من التعليم تحمل هذا الفِكر فكيف لمن هم ليسوا كذلك؟!!
وبالرغم من "فظاعة" تلك الكلمة إلا أنها تفرض نفسها على واقعنا بما يستلزم وقفةً لإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة في وادي "الجُهَّال"، ومن ثم إعداد العدة لحماية أبنائنا من ذلك الخطر، ولنبدأ ببعض القصص الحقيقية لأطفالٍ "ضحايا التحرش الجنسي" في غزة علماً بأن أسماء جميعهم وهمية لحساسية الموقف.
"مُراد".. ضحية التحرش
الطفل"مُراد" أكبر إخوته.. كان في السادسة من العمر عندما لاحظ عليه الوالدان تدنٍ في المستوى الدراسي لدرجة الرسوب.. عاد للتبول اللاإرادي من جديد بعد أن مضت على تحكمه بنفسه أعوامٌ طِوال.. أصبح منطوياً دائم الجلوس على كرسيٍ في غرفةٍ منعزلة، يذهب للمدرسة يوماً ويتغيَّب عنها أياماً.. وعن إخوته فقد تحرَّش بجميعهم وأخْلعهم ملابسهم قسراً !!.. فقد شهيته فأصبح أقرب" للهيكل العظمي المكسوِّ جلداً..
عدا عن ذلك فقد أصبح عدوانياً لدرجة "القتل"!! فعلى جدار غرفة بيته عُلِّق سلكٌ كهربائيٌ مكشوف، وقبل أن تغادر "أم مراد" الغرفة حذَّرته من أن تقترب أخته البالغة ثلاث سنوات من هذا السلك وإلا فإنها "ستُقْتَل".. وكأنه انتظر تلك التحذيرات حتى يقابلها بالعصيان.. لحظاتٌ مرَّت غادرت بعدها الأم الغرفة، وبسرعة البرق نادى مراد على أخته الصغيرة وطلب منها شدَّ السلك ففعلت عن جهل الطفولة، وما إن فعلتْ حتى صعقتها الكهرباء بدرجةٍ كادت أن تحرقها لولا هروع الأم على الصراخ وفصل" الأمّان" الأم..
ليست تلك العدوانية فحسب إذ كثيراً ما كان جالساً وحيداً على كرسيه فضغط بكرسيه على يد أخته الصغرى ضغطات كادت أن تقطع أصابعها لولا تدخل الأم على الفور!
اعتداءٌ في محل اللحوم!!
ليست تلك الأعراض مجرد مشاكل نفسية هبَّت بها الريح فالتصق غبارها بجسد "مراد" دون سابق أسباب.. بل كان لحادثتين فظيعتين في حياة "مراد" السبب الجوهري في ما آل إليه هذا الطفل.. لقد تعرَّض "مراد" لحادثة اعتداءٍ جنسيٍ كاملٍ من شاب "حقيرٍ" يبلغ السادسة والعشرين، عندما كان ذاهباً لخرط بعض اللحوم في إحدى محال "الجِزارة" بناءً على طلب والده..عندها استفرد به العامل في المحل وأفرغ به قذارتَه بوحشيةٍ أفقدت "مراد" الخطوط الأولى من الطفولة الآمنة.
وطويت القصة بحلِّها عائلياً حتى لا تتم الفضيحة !! ويمضي عامان ليصاب والد مراد "بالسرطان" ويقعد طريح الفراش، فتحدث المصادفة المفجعة والتي دُمِّرت فيها باقي خطوط الطفولة في نفس "مراد" ومع نفس الشخص القديم!!
.. مرةً أخرى ؟!
فذات يومٍ تعطَّلت الغسّالة لدى "أم مراد" فاستدعت أحد عمال التصليح.. واحتشاماً منها طلبت من "مراد" استقبال "المصلِّح" أسفل البيت والقيام بواجبه.. ليُفاجَأ مراد بذاك الشاب القديم الذي علم بمرض الأب وخلوَّ الجو "للعصيان"، ليُسرع للنيلِ مرةً أخرى من ذاك البريء فيُقلِع عنه ملابسه حتى صرخَت أختُه البالغة خمس سنوات والتي كانت في جانب غير مرئيٍّ من نفس مكان الجاني والمجني عليه..
صرخت بذعر:"بدو ياكل أخويا".. فهرعت الأم والجيران وكل الأطفال.. أبناء مدرسة "مراد".. وعلم الجميع بالحادثة.. وزُجَّ المعتدي في السجن.. "لستُ أدري أيستحق سجناً أم ذبحاً"!!
وما حدث في محل اللحوم قد يحدث في أي مكان آخر إذا ما حُفَّ بتفكيرٍ خسيس.. لقد كان الاعتداء الثاني في نفس "مراد" كالقشة التي قصمت ظهر البعير.. ظهر البريء.. والآن: تُرى هل الكتمان في تلك الحالات هو الأفضل؟ لا أظن ذلك.. وتلك القصة أكبر دليل، فلو أن هذا "الجاني" زُجَّ في السجن أو أقيم عليه حدّ المعتدي من أَوَّل اعتداء لما آلت حالة مراد لما هي عليه الآن، ومن يعلم.. فربما اعتدى هذا الشاب على كثير من الأطفال في تلك الفترة التي تُرِك فيها طليق الخُبث والبغاء.. وربما أمثال "مراد" نسخٌ كثيرة لم تكشف سرَّها الظروف..
أقرفُ من النظر لوجهه!
إحدى النساء العاملات تزوجت في سن متأخرة من رجل متزوج ولديه أولاد كُثُر.. حتى أقرَّ الله عينها بأن رزقها طفلاً جميلاً كُشِطت لمسات الجمال والبراءة من وجهه بسوء أفعاله رغم أنه لم يتجاوز السادسة من العمر، "الطفل سعيد" لم يخرج من البيت يوماً لمرافقة أبناء الجيران إلا ويعود أحدهم صارخاً من تحرشات هذا الطفل فتارةً يعرض "أعضاءه" على أبناء الجيران وأخرى يجبرهم بالضرب على خلع ملابسهم، ناهيك عن الألفاظ الجنسية التي تخدش الحياء والإحساس.. ولو سألنا أنفسنا عن السبب لوجدناه ينبع من داخل بيته حيث والده الذي فقد كل معاني الأخلاق والتربية الحسنة.
تقول والدة "سعيد":"أنا أعلم السبب في سوء خلق ابني وتحرشه بالأطفال، لكن ما باليد حيلة لأني إن اعترضت أو قدمت نصيحة انهالت عليّ المسبات واللكمات.. إنه أبوه الذي ما عدت أطيق النظر لوجهه.. أقرف من مجرد الحديث معه.. إنه السبب في ضياع ابننا ونشأته القبيحة تلك".
دور الضحية "يفشل"
وتُفصِّل قليلاً فتقول: "ذاك الأب لم يخرج من الحمام يوماً إلا عارياً.. إن أراد الاقتراب مني والقيام ببعض الحركات الجنسية لم يكترث لأمر ابنه الواقف متفرجاً على تلك الحركات، ناهيك عن الألفاظ الجنسية التي لا تخلو من كل جملةٍ أو جملتين عاديتين في حديثه، حتى الممارسة الجنسية الكاملة لم يضع لها أي حدٍ أمام ابنه..".
وماذا بعد؟! أننتظر من ذاك الطفل أن يكون "طفلاً سوياً" أمام تلك المعطيات التي يرتعد لسماعها الجسد؟ وسؤال يطرح نفسه أمام تلك المرأة التي على ما يبدو تستعذب أن تعيش دور الضحية: ما الذي يبقيكِ مع هذا الرجل إن كنتِ ترين ابنك يضيع منغمساً "بنجاسة" والده" وما دامت نصائحك هباءً منثوراً في قاع فُسقِه؟!
وما دُمتِ تُضربين وتُلكَمين؟ وما دُمتِ تقرفين النظر بوجهه؟! وما دُمتِ عاملةً قادرةَ النفقةٍ على نفسِكِ و فلذة كبدك الضائع؟ ومادامت المحكمةُ قادرةً على أن تحتفظ لكِ بابنك لأنه في غير مأمن مع والده؟ ألا زلتِ تظنين في ذلك الرجل ظلاً؟ إنه على تلك الحالة حائطٌ بل إن الكرة ترتد إن ضُرِبَتْ بحائط.. ولظلُّ الحائط في تلك الحالة أشرف ألف مرةٍ من ظل رجلٍ كهذا..
هنا.. اغتُصبَت "الطفلة"!!
وفي قصةٍ أخرى حدثت في غزة تُغتَصَبُ البراءة والضعف من قاموس حياة طفلةٍ في الخامسة عشر من عمرها.. "منى" طفلةٌ بسيطة صغيرة الحجم لم تظهر على ملامحها علامات البلوغ ولا على تفكيرها.. هي طفلةٌ بما تعنيه تلك الكلمة من ضعفٍ وبراءة.. تعيش في بيتٍ صغيرٍ فقير الحال مع أهلها البُسطاء..
أرسلتها والدتها لتنظيف بيت جيرانهم مقابل مبلغٍ بسيطٍ من المال يسد بعض حاجات تلك العائلة.. لكن أحداً لم يكن يتخيَّل من ذاك الجار "الكبير" الذي مضت على جيرته سنون طوال أن يقذف بتلك الجيرة لحاوية "القمامة" وينهش جسد "طفلةٍ".. هي ابنة جاره الفقير!!
كفانا .. فما عاد القلب يحتمل بؤساً أكثر من هذا.. ولكن لا بد من أسباب واضحة تغافل عنها الناس فأوقعتهم في تلك المهالك.. لابد من أن منهجاً قويماً وعلماً قيِّماً وفطنةً قويةً غابوا عنا فجُرِفَ البعضُ لهاوية الرَّدى.
أسباب التحرش
الدكتور عامر الخطيب أستاذ الفلسفة التربوية بجامعة الأزهر أوضح لـ"فلسطين" أسباب تلك القضية "الخَفيَّة" والذي أطلق على طرفيها اسميِّ الجاني والمجنيّ عليه، واللذان يُصِرَّان على الكتمان، الأول لقبح جريمته وخزيه من فعلته والآخر لشدة خوفه وبؤس حاله، وربما في بعض الأحيان _وعفواً_"لاستلذاذه"!
من أسباب التحرش هي الاستسهال في مشاهدة البرامج التليفزيونية الهابطة من أفلامٍ وأغانٍ وبرامج مخلة بالآداب بل ومشاهدة القنوات الإباحية التي خُصِّصت لتدمير أبناء المسلمين، وللآباء دور أساسي في انتشار تلك الظاهرة بعدم متابعتهم للأبناء وتركهم على حالهم دون توجيهٍ أو مساءلة
د.الخطيب
يقول أ.د الخطيب:"إن أهمَّ الأسباب التي تدفع بالمتحرش للقيام بفعلته النكراء هي الاستسهال في مشاهدة البرامج التليفزيونية الهابطة من أفلامٍ وأغانٍ وبرامج مخلة بالآداب بل ومشاهدة القنوات الإباحية التي خُصِّصت لتدمير أبناء المسلمين، وللآباء دور أساسي في انتشار تلك الظاهرة بعدم متابعتهم للأبناء وتركهم على حالهم دون توجيهٍ أو مساءلة بل وبعض الآباء أنفسهم يشاهدون كل تلك المفاسد لينتهج أبناؤهم نفس النهج".
ومن ثم فإن ضعف الوازع الديني والافتقار للقدوة الحسنة من أوّل ما يمكن أن يزيد من حدوث "التحرش"، وما إلى ذلك من عدم التفرقة بين الأبناء في المضاجع وعدم الامتثال لقول رسولنا عليه الصلاة والسلام:"وفرقوا بينهم في المضاجع"، حسب د. الخطيب.
ويضيف:"إن الأسرة المتفككة تلعب دوراً أساسياً في تدمير أبنائها، فتلك الأسرة فاشلةٌ في غرس الثقة بينها وبين أبنائها، فلا مكان للصداقة بين كبير وصغير ولا أبٍ أو أمٍ وابن، فتجد الطفل إذا ما تعرض لمشكلةٍ كتم الأمر عن أهله إما خوفاً من العقاب أو لعدم وجود البنية الأساسية من الشعور بالأمن والقُرب، وربما بسبب تهديد الجاني للمجني عليه بالضرب أو القتل أو ما شابه".
إلا أن المعضلة الكبرى تتجسّد إذا ما استعذب الطفل التحرش ومن ثم مارسَ هذا السوء مع آخرين بالغالب يكونوا أصغر منه من إخوته أو غيرهم، لينقلب المجنيُّ عليه لجانٍ متحرِّشٍ، وهذا ما أشار إلي خطورته أ. الخطيب.
ويوضح أ. الخطيب أن الطاقة الوجدانية والجنسية أكبر ما تكون متأججة في سن المراهقة، ذاك السن الخطير الذي تتحكّم به "التربية" لتوجه تلك الطاقة إمَّا للصلاح أو البغاء، وفي ذلك توجيهٌ للأهل أن :"كونوا أمناء في تربية الأبناء".
آثار نفسية مدمِّرة
لا بد وأن القصص السابقة أوضحت الكثير من الآثار النفسية التي يمكن أن يتعرض لها الطفل ضحية التحرش وقد أجملت الأستاذة عايدة كسَّاب الأخصائية النفسية الإكلينيكية وعضو شبكة حماية الطفولة في فلسطين تلك الآثار في التالي:"إن الشعور بالدونية شعور يلاحق كل طفل تم التحرش به، الأمر الذي يمتد لسنوات عمره التالية إن لم يتم علاجه، إلى جانب الخوف من جميع الناس وعدم الثقة بهم والاضطرابات المتلازمة للطفل والانطواء والكآبة والعدوانية والفشل الدراسي والقلق الدائم حتى في الليل وضعف الشهية وعلى رأس هذا كله هو تقليد الطفل لسلوك التحرش انتقاماً "في غير محلِّه" من أي أحد كان وأول ما يبدأ بإخوته وأخواته ليصبح الأمر لديه بعد ذلك عادةً ومتعة".
السجن ليس رادعاً
بعد هذا العرض للجاني والمجني عليه، ما تلك العقوبة التي يستحقها المتحرِّش؟ بعد أن دمَّر نفس طفلٍ وربما أطفالٍ كُثُر؟ أيستحق سجناً؟ أم قتلاً أم أقلَّ من ذلك أم أكثر؟ لو تركنا الإجابة للطفل الذي تعرَّض لظلم المتحرّش.. ماذا سيحكم عليه؟ لقد حكَم الضحيةُ "مراد" في قصتنا السابقة على الجاني "قتلاً بالسكين"، بل اعتبر هذا العقاب أقل ما يمكن أن يشفي غليله .
الدكتور عبد القادر جرادة أستاذ القانون الجنائي يتأسف من حال المحاكم التي لا يُنظَر فيها لحال الطفل الضحية، حيث أوضح أن عقوبة المتحرِّش بدون عنف هي السجن لما يقارب السبعة شهور وقد تزيد لثلاث سنين كحدٍّ أقصى، بينما المتحرِّش بعنف يُسجَن لمدة خمس سنوات، أما إن وصل التحرش الجنسي لاغتصابٍ كامل فإنه يُسجّن لمدة 14 عاماً، وهذا ما لم يقنع د. جرادة.
هناك عقوباتٌ بديلةٌ عن السجن هي أنجعُ في تحقيق الردع للمتحرش جنسياً لو اتُّبِعت، وتتمثل في الجلد _حسب حجم الجريمة_ أو الأعمال المدنية الشاقة" خاصة في مجتمعٍ لا يُقامُ به الحدُّ
د.جرادة
واعتبر أن السجن في عصرنا هذا ليس إلا أكاديمية لتخريج المجرمين إذ بالسجنِ كلُّ شيءٍ متوفرٌ (مأكل ومشرب وحتى التلفاز") ناهيك عن أن السجن مُكلِف للدولة وبالتالي يرى د. جرادة أن هناك عقوباتٌ بديلةٌ عن السجن هي أنجعُ في تحقيق الردع للمتحرش جنسياً لو اتُّبِعت، وتتمثل في الجلد _حسب حجم الجريمة_ أو الأعمال المدنية الشاقة" خاصة في مجتمعٍ لا يُقامُ به الحدُّ.
علاج نفسي مبكر
وأشارت أ. كسَّاب إلى أن غالبية المتحرشين جنسياً يكونوا قد تعرضوا لتحرش جنسيٍّ في صغرهم مما يجعلهم يقلدون ما فُعِل بهم ومن ثم يتطور معهم هذا الأمر إلى اعتداءات جنسية مختلفة خاصة إن لم يتم اكتشافه وعلاجه.
وأضافت:"إن إمكانية علاج الطفل المتحرش في سن الطفولة أكبر بكثير من إمكانية علاج الشاب فوق العشرين، ومن هنا تكمن ضرورة أن تكون العلاقة بين الأهل والأبناء علاقة احترام وثقة وصداقة بحيث لا يكتم الابن عن أهله أي أمر مهما كان مخيفاً أو خطيراً".
وأكّدت على ضرورة معالجة الطفل علاجاً نفسياً متمثلاً بجلسات اللعب والرسم، والتواصل مع المرشدة الاجتماعية في المدرسة، بل وفي حالات معينة يفضل الانتقال من البيت والمدرسة التي تعوّد عليهما الطفل كما في حالة "مراد" في أولى قصصنا في هذا التحقيق _والذي علم الجيران جميعهم ومن بينهم أبناء مدرسته_ بالحادثة التي مرَّ فيها وبدؤوا يضايقونه من خلال إعادة الحادثة لذاكرته بإشاراتهم وإيحاءاتهم وتلميحاتهم.
كما وارتأت أ. كساب أن عقاب المتحرش بالطفل لا بد وأن يكون شنيعاً بحيث يشفي غليل الطفل البريء ويخفف من صعوبة الحادثة على نفسه.
علِّمهُ .. "جسدك ملكك وحدك"
ومن باب الحرص على الأمانة المعلقة بأعناق الآباء والأمهات، ولأن الأطفال لا يملكون الخبرة ولا الإدراك والوعي الكافي حول تلك الأمور مما يسهل عملية التحرش بهم من الخبثاء
فإن الدكتور فوزي أبو عودة الاستشاري التربوي والنفسي وضع مجموعةً من النقاط التي لابد لكل الأهالي اتِّباعها كوقاية لأطفالهم من الوقوع تحت طالة المتحرِّشين بالأطفال.
الأطفال بأمس الحاجة إلى رعاية الوالدين واهتماماهم بهم والتعرف على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تحدث معهم الأمر الذي لا ينشأ إلا وسط أسرةٍ حنونةٍ تتسم بتبادل الثقة والاحترام، تلك التي لا مجال فيها للخوف أو الكتمان
د.أبو عودة
ويقول د. أبو عودة:"إن أكثر ما الأطفال بأمس الحاجة إليه هو رعاية الوالدين واهتماماهم بهم والتعرف على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تحدث معهم الأمر الذي لا ينشأ إلا وسط أسرةٍ حنونةٍ تتسم بتبادل الثقة والاحترام، تلك التي لا مجال فيها للخوف أو الكتمان".
ويضيف:" لابد من تقديم النصيحة للأطفال بطرق مباشرة وغير مباشرة، إذ أن الثقافة الجنسية مطلوبة وواجب على الأهل غرسها بالأطفال شرط ألا تكون منفتحة ومتعمقة، بل في نطاق الحياء والمحافظة، كذلك فعلى الأهل أن يعلموا أطفالهم ألا يثقوا بكل شخصٍ أمامهم بل يتوخوا الحذر من كل إنسان، والتوضيح لهم بأن هناك أناسٌ جميلوا الوجوه لكنهم سيئوا الأخلاق ومؤذون للأطفال..
كما على الأهل أن يُعلِّموا الطفل أن جسده ملكه فقط فلا يقبل من أحدٍ أن يضايقه أو يلمسه ويتحسسه بطريقة غير طبيعية، كما ولا يُحبَّذ أن يبيت الطفل في غير بيته، وقد يصف الأب لزوجته قصةً (أمام أطفاله) يَذكر فيها تحرش أحد الأشخاص السيئين بطفلٍ في عمر أبنائه ويوضح فيها الآثار السيئة التي عانى منها هذا الطفل وذلك طريقةٍ غير مباشرة لتوصيل الفكرة للأطفال".
وقد يُعلِّم الأهل أطفالهم بطريقة مباشرة تماماً كيفية التخلص من مواقف التحرش بالانسحاب فوراً أو الهروب والصراخ وعدم التكتم عن الأمر أبداً، وإن البال ليطمئن والرعاية الإلهية تشمل الأبناء بدعاء الأهل لأطفالهم بأن يحفظهم الله ويرعاهم ويجعلهم ذرية صالحة، وهذا ما ختم به أبو عودة حديثه.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





