غزة - فاطمة الزهراء العويني
(م .أ) صيدلاني في أوائل العقد الثالث من عمره.. شخصيته المحبوبة في محيط عمله جعلت منه "ناجحاً" يقصده كثيرون في أمراضٍ عارضة.. لكن تفانيه في عمله –الذي كان يقتصُّ من وقته معظمه- شغله عن الاهتمام ببيته وأسرته.. "فكان له مع زوجته صولاتٌ وجولات في العراك".. الأمر الذي جعله ينظر إلى حياته على أنها "جحيمٌ لا يطاق".. ومن هنا بدأت النهاية!!!.
وجد بطل قصّتنا "الترامال" حلّاً في متناول يده (باعتباره صيدلانياً يبيعه).. ينسيه همومه ومشكلاته طوال يومه.. وكانت خطوته الأولى في طريق الهاوية (خمس حبّات) يتناولها يومياً.. تطورت إلى ما مقداره 3000 ملليجرام، أي ما يقارب (30 كبسولة).. لينتهي به الأمر رَجُلاً يرقد على سريرٍ في عيادة أحد الأطباء النفسيين تحت مسمى "مدمن"!!.
"فلسطين" هذه المرة وضعت تحتَ مجهرها "مدمنين " وجدوا في "الترامال" منفذاً لمشكلاتٍ تؤرق حياتهم.. ولكلٍّ كان سببُه.. لكنهم اشتركوا جميعهم في "عدم وعيهم" بكون تلك "الأقراص" قاتلاً صامتاً لشبابهم وكلِّ حياتهم... التقرير الآتي يحمل التفاصيل:
أرق وتشنجات
في البداية أقنع (م.أ) طبيبه النفسي بأنه لا يسرف في تناول ذلك "السُّم"، حتى طرق يوماً باب طبيبه –مشرفاً على موتٍ محقق- فاعترف أخيراً بأنه "يأخذ ما يقارب الثلاثين حبّة يومياً كي يتخلص من الآلام النفسية والجسدية التي ألمّت به نتيجة مشكلاته مع زوجته.. ولسببٍ آخر.. "كان تحسين أدائه الجنسي".
الإفراط في تناول الترامال قد يسبب تشنّجات يومية، وزيادة في كهرباء الجسم، وأرق يمنع النوم طوال الليل ولا تنتهي هذه الأعراض إلا بزيادة الجرعة وذلك طريق للإدمان
الصيدلاني الشاب، وجراء إفراطه في تناول الترامال، كان يصاب قبل البدء بـ "كورس العلاج" بنوبتي تشنّج يومياً، وزيادة في كهرباء الجسم، وأرقاً يمنعه النوم طوال الليل، الأمر الذي كان يضطره في ذلك الوقت إلى زيادة الجرعة علّها تخفف ذلك كله..
قال :"علاجي أخذ من عمري أسبوعين فقط، أقلعتُ خلاله تماماً عن أخذ الترامال، بعد أن واظبت على زيارة طبيبي وتناول دوائي، بمساعدة زوجتي –أكرَمَها الله- التي كتمت الأمر حتى عن أقرب المقربين إليها..".
السرقة سبيل "الجرعة"
وتختلف قصة السيدة (ن .ب) عن قصة سابقها، فقد عرَفَت "الترامال" على يد زوجها "الغالي"، الذي كان يطلب منها تناوله "طمعاً في ليالٍ حمراء" –تبعاً لـ تعبيرها-، لتزداد الجرعة تدريجياً حتى وصلت إلى 2000 ميلليجرام يومياً "أي ما يقارب 20 قرصاً يومياً"..
أما (ضيق الحال) فكان له معها قصةٌ أخرى، فقد كان حائلاً في أحيانٍ كثيرة بينها وبين الحصول على جرعتها "مما سبّب لها صداعاً نصفياً دواؤه الوحيد تعبئة الطاسة كما يقولون"، وكان الحل الوحيد حسب وجهة نظرها هو سرقة أموال صديقاتها وجاراتها بأساليب ماكرة..
قالت لـ "فلسطين" :"لجأت إلى أحد الأطباء، وقد أعطاني عقاراً، الإدمان عليه أشد من الإدمان على الترامال، وبدلاً من أن يحلّ مشكلتي زاد الطين بلة"، لينقلها أبناؤها بعد استفحال المشكلة إلى عيادة طبيبٍ نفسي عالَجَها "بصعوبة".
أما "ع .ن" فكان يعيش في مصر لفترة طويلة، وكان مدمناً على الـ "بيثدين" وعندما عاد إلى غزة منذ ثلاث سنوات ونصف، بدأ يتعاطى "الترامال" بجرعات كبيرة، لدرجة أنه يستغرب كيف أن جميع الناس يعيشون ويمارسون حياتهم اليومية بدون "الترامال" .
إدمان بغير قصد!!
"الترامال" هو دواء يحتوي على مواد مخدرة تسكن الآلام الشديدة كآلام الأورام السرطانية التي تعجز المسكنات العادية عن تسكينها، ولا يجوز تعاطيه دون وصفة طبية، ولا يحقّ للصيدلاني صرفه دون روشتّة (وصفة) طبيب.
مدمني الترامال هم من أولئك الذين يسافرون للعلاج في الخارج وتكون هذه الرحلة نقطة انطلاقٍ لرحلةٍ أخرى طريقها الإدمان، إذ يتم إعطاؤهم حقن مسكنات للألم من "المورفين والبيثدين"، وهي مواد مشتقة من الأفيون
د.أبو السبح
والعديد من مدمني "الترامال" هم من أولئك الذين يسافرون للعلاج في الخارج إثر إصاباتهم في المواجهات مع قوات الاحتلال، إذ تكون هذه الرحلة "المكانية" نقطة انطلاقٍ لرحلةٍ أخرى "طريقها الإدمان"، إذ يتم إعطاؤهم حقن مسكنات للألم من "المورفين والبيثدين"، وهي مواد مشتقة من الأفيون.. وتشبه إلى حد كبير عقار الترامال.. ولدى عودتهم إلى غزة يتناولون العقار الأخير كبديل عنها.. كان هذا سبباً أورده الاختصاصي النفسي د.محمد أبو السبح، لزيادة عدد "مدمني الترامال في القطاع المحاصر.
ولفت إلى وجود آخرين يدمنون عليه بعد تناوله –بدون قصد- مذاباً في كؤوس العصير التي توزع في حفلات الشباب "الحفلة التي تسبق العرس"، مؤكداً أن "الترامال" هو أكثر قسوة من الكوكايين، إذ يستبدل المدمنون الكوكايين بـ(الترامال) الذي يحتوي على نسبة 40% من الهيروين.
وأكد د.أبو السبح زيادة عدد المدمنين مؤخراً، بقوله :"يتراوح عدد المتوافدين إلى عيادتي يومياً للعلاج من الإدمان ما بين حالتين إلى ثلاثة.." معقّباً بتهكّم :"هؤلاء فقط.. الذين أدركوا خطر الإدمان وجاؤوا يطلبون العلاج، وبالتأكيد هناك كثر غيرهم من الذين ما زالوا غارقين في هذا المستنقع وبحاجة إلى من ينقذهم".
عجيبٌ.. وأعجَبْ
وتحدّث د.أبو السبح عن حالةٍ يعالجها، وقال :"جاء إليَّ مطرب شعبي "يحيي حفلات الزفاف" كان يتعاطى 2500 ملليجرام يوميا "أي ما يعادل 25 حبة الترامال".. وبدأت قصة إدمانه بـ حبةٍ واحدة كل يوم، بغية أن يصير بأحسن حالاته وقت العمل، ليتطور أمره ويدمن على تناول الأقراص... حتى وصل به الحال إلى أن يعاني من أعراض فشلٍ كلويّ ونوبات تشنّج..".
ويعتقد أن كل مربعٍ سكني يحوي عدداً من الشباب "المتعاطين"، مضيفاً :"في منطقة سكناي على سبيل المثال، أمرّ كثيراً على مجموعاتٍ تتعاطاه (...) والعجيب.. أن تعاطيه صار مفخرةً بينهم!! والأعجب.. أن أحد عشر صديقاً جاؤوا إلى عيادتي سوياً للعلاج من إدمانه "يتعاطى كل منهم من 500 إلى 1000 ملليجرام يومياً... وستة آخرون، هم أعضاء فريقٍ رياضيْ كانوا يستخدمونه كمنّشّط".
"ثلاثة أيام متواصلة تكفي حسب تأكيد د.أبو السبح لحدوث الإدمان، وثلاثة أيامٍ من العلاج كفيلةٌ بجعل الشخص يقلع عنه.. حتى ولو كان يتعاطاه فترةً طويلة".
الإرادة مطلوبة..
وبيّن أن الشفاء من الإدمان له أعراض أطلق عليها اسم "انسحابية"، تتمثل في مغص شديد في البطن، وقلة النوم، وألم شديد في العظام، وإسهال متواصل، وعدم اتزان، وعدم وضوح في الرؤية ، وهلوسة بصرية وشمِّية، وزيادة في الإحساس بالكهرباء في الجسم، مشيراً إلى أن "العلاج بدون استخدام عقاقير مساعدة يستمر لمدة خمسة أيام".
الشفاء من الإدمان له أعراض انسحابية، تتمثل في مغص شديد في البطن، وقلة النوم، وألم شديد في العظام، وإسهال متواصل، وعدم اتزان، وعدم وضوح في الرؤية ، وهلوسة بصرية وشمِّية، وزيادة في الإحساس بالكهرباء في الجسم
د.أبو السبح
ودعا مدمني الترامال إلى التغلب على خوفهم من معاناة العلاج، والتوجه فورا إلى طلبه، محذرا من أن الاستمرار في تعاطيه قد يؤدي إلى حدوث فشل كلوي وتشنجات صرعية، وعجز جنسي كامل، وتفاعل مع بعض الأدوية، وفشل في بعض أداء أعضاء الجسم، "العلاج سهل وغير مكلف وسري، وليس فيه أي خطورة قانونية على المتعاطي".
وأكد أن كل ما يحتاجه من يريد الإقلاع عن الإدمان هو "الإرادة"، و"شخص ثقة" يساعده على اجتياز المرحلة الأولى من العلاج، حيث يحتاج المريض في تلك الفترة لمن يعينه حتى على قضاء حاجته.
ورفَض أبو السبح تبرير إدمان عدد كبير من أبناء شعبنا (الترامال)، بالوضع النفسي الذي يعيشونه، مبيّناً أن "الإدمان" بحد ذاته اضطراب نفسي، والساقِط فيه مستعدٌ للتضحية بكل شيء من القيم والأخلاق والمبادئ في سبيل الحصول على الجرعات.
وشدّد على أن السّبب الحقيقي لسقوط الإنسان في مستنقع الإدمان هو الفراغ الفكري والديني، وسطحيّة التفكير، وتفكّك الروابط الاجتماعية، وضعف الشخصية، والضغوط الناتجة عن تأخر الزواج، ورفقاء السوء، والاضطرابات السلوكية.
يؤثر سلباً على العملية !
أما الطبيب د.أشرف السويركي، فقد عزا سبب الإدمان على "الترامال" إلى أنه "جرعة بمرور الزمن تصبح غير كافية للشخص الذي يتعاطاها، مما يضطره إلى تناول كمية أكبر، كما أن بعض الشباب يعانون وضعاً نفسياً سيئاً يدفعهم إلى تعاطيه، ناهيكم عن "الرجال المتزوجين الذين يعتقدون أن هذا الدواء يستخدم في تحسين الأداء الجنسي ويؤخر القذف".
وتابع :" من يستخدمونه لتحسين أدائهم الجنسي لا يعرفون أنه سيؤثر سلباً على هذه العملية مستقبلاً، حيث لن يستطيعوا ممارسة الجنس إلا باستخدامه".
وبيّن أن العلاج يكون أفضل إذا تم في وقت مبكر، حيث يتم علاج المدمن في عيادات الطب النفسي تدريجياً، محذرا من أن تناول جرعة زائدة من هذا الدواء قد تحدث للشخص مضاعفات في القلب "وقد تؤدي إلى الوفاة".
يصعب السيطرة عليه
من جانبه، أبدى المدير العام للإدارة العامة لمكافحة المخدرات المقدم "عامر عيسى" أسفه لانتشار "تعاطي الترامال" بين أبناء شعبنا، عازيا ذلك إلى عدم تعامل الحكومة مع أمر انتشاره بالسرعة المطلوبة "لعدم إدراكها خطورته"، واستدرك :"فلم تكن هناك متابعة منها لهذا الملف حتى استفحل الأمر، وصار الترامال في متناول الجميع صغارا وكباراً".
عدم تعامل الحكومة بغزة مع عقار الترامال بالسرعة المطلوبة أدى إلى انتشاره، ومن الصعوبة السيطرة على هذا الدواء لأنه يصل عبر التهريب
المقدم عيسى
وأشار إلى صعوبة السيطرة على دخول هذا الدواء إلى القطاع ، كونه يأتي بطرق غير شرعية "التهريب"، مؤكداً وجود اهتمامٍ كبير من قبل الشرطة في الوقت الحالي في المضي قدماً للحد من انتشاره.
ونوّه إلى وجود تقدم كبير على صعيد مكافحته، رغم عدم القدرة على السيطرة على الأنفاق التي يدخل هذا الدواء من خلالها، مبيناً أن هذا الدواء يأتي من عدة دول منها الهند و(إسرائيل) وألمانيا .
وعزا صعوبة اكتشافه بين المُدخلات إلى قطاع غزة، كونه سهل الإخفاء، حيث يتم تهريبه –كما أكد- عبر المأكولات والمراوح والثلاجات وساعات الحائط".
وانتقد العقوبات التي يوقعها القضاء بحق مدمن الترامال والتاجر المهرِّب كونها بسيطة، وغير مشددة، ولا تتجاوز فرض الغرامة المالية، واصفاً إياها بـ"غير رادعة".
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





