السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

"فلسطين" تفتح ملفات "الجريمة النسائية"..

قصصٌ مُفجِعة يستُرها "سجن النساء" بغزة

الثلاثاء, 29 يونيو, 2010, 20:43 بتوقيت القدس

غزة- حنان مطير

"أوووف.. زحمةٌ خانقة.. وإرهاقٌ يكاد يوقعني أرضاً.. ووقتٌ -أنا بأمسِّ الحاجة إليه- يمرُّ مرور السَّحاب.. ووعدٌ ألصَقْتُهُ برقبتي يُلزِمني أمام صغيرتي بشراء هديةٍ نادرة لها..

تمام الرابعة بعد الظهر.. ينتهي الدوام ومعه الطاقةُ بي "تنتهي" والفِكرُ.. لأُسابِق الريح لسوق غزة علِّى أن أجد هديتي بأسرع وقت.. فيحالفني الحظ بمجرد دخولي السوق وأجد "ضالتي"..

وضعتُ الهدية بالحقيبة وواصلت البحث عن شيء آخر.. استوقفني فستانٌ تخيّلتُ نفسي به "الملكة" على عرش بيتي.. وعلى كرسيٍّ يجاورني وضعت حقيبتي وبدأت أتفقد الفستان فَرَاقَ لي كثيراً، لحظاتٌ معدودةٌ مرَّت لأُفاجََأ بحقيبتي اختفت!! ومعها حلم "الملكة" وكأن أحداً يرتدي "طاقية الإخفاء".. اختَطفَهما!!

بطاقتي الشخصية، صُوري، محفظة نقودي، جوالي الذي لم أسدد أقساطه بعد، أجندة عملي ونوتة أرقامي وأشياء أخرى.. وفوق هذا كلِّه –خسارة- هدية طفلتي التي تنتظرها، كله ضاع بغفلةٍ مني بل –وربما- بوقاحةٍ منها.. أخْفَتْ ملامح وجهها بنقابٍ أسودٍ استغلت وَقارَه في تحقيق أغراضٍ غير أخلاقية لأكون إحدى ضحايا طول ذراعها.. وكالبرق تاه "النقابُ" في الزحام!!

موقفٌ لا أُحسَد عليه أبداً، لكنه رسم بمخيلتي مجموعة تساؤلاتٍ دفعتني عبر "فلسطين" لمناقشتها والتعرف على الأسباب التي تودي بالنساء لمثل هذه الطريق المظلمة، وعن مدى نجاعة السجن في أن يكون رادعاً للسجينة، ليس طريق السرقة فحسب.

فلو تعمقنا قليلاً في مثل تلك الأخلاقيات لوجدناها أكثر مما قد يتخيل العقل البسيط وأفجع، فكانت أول خطوةٍ لي في هذا التحقيق هو الخوض في قلب "سجن النساء" المُقام في سجن غزة المركزي "أنصار"، والحديث مع السجينات التي تراوحت أعمارهن ما بين العشرين والأربعين وبلغ عددهنّ إحدى عشرة سجينة تتنوّع جرائمهن ما بين القضايا الأخلاقية التي يشيب لسماعها "السّوادُ"، وقضايا السرقة والقتل، وحتى الحبّ غير الشرعيِّ _طبعاً_!!

تعاطف واستخباث
بعد تنسيقٍ لم يكن سهلاً لمقابلة السجينات..استطعتُ الدخول للسجن ورهبةٌ في القلب والموقف تعتريني، وتخيلاتٌ لم تنفكُّ تتطاير كالشهب في مخيلتي حول أشكال تلك النساء وطباعهن وحركاتهن وألفاظهن، فتلك المرة الأولى التي يحملني فيها الموقف الإعلامي للخوض في عالمٍ آخر هو بالحقيقة "منحرف"، وما رأيناه في الأفلام لم يكن ليُطَمئِن، إلى أن سهّل الله أمري و برفقة إحدى الشّرطيات دخَلْت..

ممرٌ ضيق لا يزيد طوله على الأربعة أمتار.. تعلو جدرانه فتحاتٌ حديدية نُشرت عليها ملابس بطريقةٍ عشوائية.. ونافذةٌ تطل على غرفة السجينات وبابٌ حديديّ كان مدخلنا للغرفة..

نظراتٌ محدِّقةٌ وآذانٌ صاغية تنتظر استقبال شيءٍ جديد..

"يا بنات: في صحفية جاية تحكي معكم.." نادت الشرطية بصوتٍ عالٍ استقبلته السجينات بتذمرٍ ليقابلن الخبر بسؤالٍ غاضب: "ومن قال لها أن تأتي؟.. لا شيء لدينا لنقول"!! استقبالٌ لم يكن محترماً.. لكنه متوقَّع..

وبكلمةٍ تلتها أخرى وموقف تبعته طمأنة بأني لستُ "محققة متخفية بصحفية" وتعاطف نلتُ به قلب معظمهنّ لِنَّ شيئاً فشيئاً وبدأن بالسّرد بل والفضفضة لأشعر وقتها بنشوة الانتصار..

كنَّ نساءً كأي نساء.. لم تَبدُ على ملامحهن علامات الإجرام أو سوء الخلق.. لدرجةٍ جعلتني أشعر بالنقيضين في آنٍ واحد..

شعور بالتعاطف يتبعه التساؤل: "هل هؤلاء من مظاليم السجون؟"، وشعورٌ آخر بخبثهنّ والشكّ في صدق كلِّ كلمةٍ يقُلنها، فالأصلُ أن السجن للمجرمين ومن ثم لا يُعقَل أن أصدِّق ملامحهنَّ وكل ما يقال منهنَّ، وبنفس الوقت لا يُمكِن أن أُكِذِّب تفاصيل دقيقةً سُرِدت بعفويةٍ من سجينةٍ غرست أنياب القضبان بنفسِها "وهناً عَميقاً" ربما لن يُقدِّره غير الطبيب النفسيِّ "إن نَجَح"..
ولك أيها القارئ الحُكم الشخصي بعيداً عن حكم النيابة..

السارقة تعترف
أول وأبسط قصةٍ وقعت على مسامعي في هذا السجن، قصة شابة في الثانية والعشرين من عمرها، والتي سنطلق عليها اسم "أحلام" علماً أن اسمها وكل أسماء السجينات في هذا التحقيق غير حقيقية تحفظاً على خصوصياتهن.

"أحلام" التي تقبع اليوم في سجن النساء بتهمة السرقة مرات عدة تحدثت بكل عفوية عن حياتها منذ كانت طفلة وحتى بلغت هذا السن، فتقول: "والدي طلّقَ والدتي مذ كنت في الثالثة من عمري، ومن ثم تزوج مرةً واثنتين وثلاثاً، لأحيا بلا أم وبزوجاتٍ ثلاثة لأبٍ غائب.. وحيث كانت تقذفني الريح كان يذهب بي والدي، فتارةً أعيش تحت رحمة زوجات أبي، وتارةً أخرى تحت رحمة أعمامي الذين ما عرفوا معنى الرحمة يوماً".

الفترة التي عشت فيها مع زوجات والدي تعرضت للضرب المبرح.. عُلقتُ من شعري.. قُصَّ شعري "عالزيرو" لكثرة ما احتشى بالقمل، ولم يكن الحال أفضل عند أعمامي، فقد بلوني "بالجنازير" وبقيت أربعة أشهرٍ على تلك الحال السجينة أحلام


كانت "أحلام" تحادثني ممسكةً قطعةً صغيرةً من النايلون وتكزّ بها على أسنانها بطريقةٍ لا إرادية وكأن الحديث أعاد لها أسوأ ذكريات حياتها، فانعكس على حركاتها، مواصلةً: "في الفترة التي عشت فيها مع زوجات والدي تعرضت للضرب المبرح.. عُلقتُ من شعري.. قُصَّ شعري" عالزيرو" لكثرة ما احتشى بالقمل، ولم يكن الحال أفضل عند أعمامي، فقد كبلوني "بالجنازير" وبقيت أربعة أشهرٍ على تلك الحال، أفطر بصلةً وكذلك أتعشَّى.. حرموني الغذاء وحتى الماء، وأحياناً في الشتاء كنت أنتظر سقوط المطر كي أستقي منه بعض القطرات.. أجبروني على التسوّل لأعود لهم بمالٍ وفير وإن لم أعد بذاك المال أُضرب ضرباً لا تتحمله دابَّة "!!

ليالٍ بين القبور
إلى أن شاءت الظروف أن تتمكَّن "أحلام" من فكِّ الجنازير بطريقةٍ ما والقفز من أعلى سور البيت بعد منتصف الليل بساعاتٍ وكأنها تقول: "لا خيار آخر لي، إما الموت أو الموت".. كانت "أحلام" وقتها في السابعة عشر من العمر حينما هربت "للبريَّة"، وحينها بدأت رحلتها الجديدة الشائكة بين القبور وفي البيوت المهجورة وزوايا الجدران في الشوارع الضيقة".

لقد حصنت "أحلام" نفسها بشيئين اثنين.. تعلَّمت بعضاً من الكاراتيه" وحمَلت "المُوس"، ليكون الموس فعلاً منجياً لها في مواقف كثيرة ومنها عندما تعرَّض لها ثلاثة شبان بعد منتصف الليل في إحدى المقابر التي اعتادت النوم بها..

تقول أحلام: "ذات يومٍ وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وبعد أن يئِستُ من البحث عن مكان آمنٍ أبيت فيه ليلتي، ذهبتُ لبيت جدي "والد أمي" علَّه يشفق بحالي ويتركني أبيت عنده، لكنه لم يفعل بل، وكما الكلاب طردني فهو لا يطيق النظر بوجهي.. كيف لا وأنا ابنة من طلَّق ابنته في أوج شبابها؟!".

"أحلام" لم تحظَ بحضن أمٍ ولا أب.. لم تحصل على حقِّها بالسكنَ الآمن على الأقل.. بل كان الشارع لها أكثر أمناً وكلاهما لا أمان.. لم تحظَ بالحصول على حقها في التعليم والحصول على شهادةٍ تحفظ لها بعض الكرامة والإنسانية.. لم تحظَ بلقمةٍ هنيةٍ محترمة.. فما كان أمامها سوى أن تُطيل يدها كثيراً وتحترف السرقة لتنزع لنفسها الأمن والغذاء بطريقتها الخاصة التي ما وُفِّقت بها بل ألقت بها خلف القضبان ليأخذ القانون بها مجراه.

"تغزّل بي.. فنِمت معه سنين!!
"ليلى".. كانت تعمل كـ(...) في إحدى الـ(....)، تفتقد لعلامات الجمال والجاذبية، فكانت أكثر قابليةٍ من غيرها للوقوع فريسةً سهلةً في شباك ذئاب البشر، تقول "ليلى": "لقد تغزّل بي صاحب (...) كثيراً وأشعرني بأني "الأميرة" التي يفوق جمالها كلَّ وصف، فعشت شعوراً لم يسبق أن عشته في حياتي.. لا في بيتي ولا حتى في الشارع.. فكان الشيطان ثالثنا في كلِّ اجتماع وكنت له طوعاً ونمتُ معه ليالي عديدة فترة عملي في الصالة والتي بلغت الست سنوات، وفي كل مرةٍ أفقد شرفي من جديد.. وإثر ذلك ألقي القبض على كلينا، وها أنا أقبع في السجن أما هو فلستُ أدري كيف خَرَج!".

ابنٌ "ديوث" وزوجة "سارقة"!!
وللقصة الأفظع على الإطلاق مساحةٌ هنا.. فيها الحماةُ سيدة العُهرِ ورئيسه، تفتح للفجور باباً واسعاً..وتتيه فيه مع من أدخلتهم به لتكون خاتمتها ضرباً مبرحاً وزجَّاً في سجن النساء، بالغالب لا أظنه رادعاً.. امرأةٌ في السابعة والثلاثين.. قاتمة اللون مُعتِمة.. تتميَّز بخيطين منمَّصين كأنهما حاجبان.. تلفَّظت بعصبيةٍ بألفاظ لم أفهم معناها ولم أسمعها من ذي قبل، لكنها واضحة "للأطرش" بأنها كلمات مبتذلة سافلة.. لم تشأ أن تكشف تفاصيل قصتها وكلُّ ما أفضت به اعتراضٌ على الطريقة المبتزَّة التي ضُرِبَت بها من رجال المباحث!!

على الجانب الآخر كانت تجلس كنتها "ريهام" البالغة 21 عاماً، والتي كانت تقتنص فرصة انشغال حماتها عنها للبوح بما أخفته، على اعتبار أن حماتها هي السبب الأول في دخولها السجن.

أصبح زوجي نفسُهُ يجلب لي الرجال لغرفة نومي ومن بينهم سلفي "أخوه" وابن خالته ليقوموا باغتصابي على مرآه بل ومساعدتهم في تكبيل يديّ مستغلاً ضعفي وحملي السجينة ريهام


وتلك القصة بتفاصيلها كما أوردت ريهام: "كنت في الثامنة عشر عندما تزوجت، وبعد الزواج بعام تقريباً عملت حماتي على أخذي معها للسوق وهناك علَّمتني السرقة وصرت أقضي طيلة يومي برفقتها في السرقة..".

"اغتصبوني.. بمساعدة زوجي"!
وتضيف: "كنت حاملاً وقتها في الشهر السادس، عندما عَرَضَتْ عليَّ حماتي أن أقضي ليلتي مع ابن زوجها مقابل تحقيق الكثير من رغباتي، فرفضت، وبمجرد أن وصلت البيت شكوتها لزوجي الذي قابل الأمر ببرود، راداً:"يمكن بتمزح معك".. ومن بعدها أصبح زوجي نفسُهُ يجلب لي الرجال لغرفة نومي ومن بينهم سلفي "أخوه" وابن خالته ليقوموا باغتصابي على مرآه بل ومساعدتهم في تكبيل يديّ مستغلاً ضعفي وحملي".

وتصل به الخِسَّةُ أن يرجو زوجته لدرجة يكاد فيها أن يبكي كي تقبل بالنوم مع أحد الرجال مقابل أن يحصل على جوَّال!! واللهِ لإن صعق البرق أهون على القلب من تلك الفاجعة التي يرتعد لسماعها البدن..

وتواصل:"عندما كرّر عرضه صرت ألطم وأنوح وأسأله باستنكار: أتقبل على أختك أن يحصل بها كذا وكذا؟ فما كان منه إلا الرد ببرود أشدّ: "لو تصحلِّي إمي أو أختي ما بوفرهن.."!! إنه العار بعينه..

وتشتدُّ به الكرامة "المصطنعة" على غير عادة عندما تقول له "ريهام" بعد موقفٍ ما: "أخشى على صغيرتيِّ منك".. فيهبُّ مستنكراً عليها قولَها ويضربها "بالمقلاة" ليفتح جزءًا من رأسها"!!

سألت: "ولكن لماذا لم تخبري أهلك؟" تجيب: "لم تكن لديَّ وسيلة اتصال.. الباب مقفلٌ باستمرار.. أهلي لا يزورونني.. زوجي يمضي يومه بأكمله أمام باب البيت منعاً لهربي.."

كانت تلك ردودها، لكنها استغلت طلب حماتها لها يوماً بأن تخرج برفقتها للسوق وهي على ثقة بأن "ريهام" لن تهرب لأن ابنتيها ليستا معها، فما كان من "ريهام" إلا أن تخيب ظنَّ حماتها وتهرب لأقرب مركز شرطة وتشكو زوجها وحماتها وتعترف أنها "سارقة".. ويُلقى الجميع بالسجن.

في بيتٍ مشبوه قُبِض عليها!
ولـ"فلسطين" من سجن النساء بغزة قصة أخرى تحدثت فيها صاحبتها بعيونٍ باكية، وشعورٌ بالظلم يحشو كلَّ كلمةٍ تفوهت بها، ظلم الزوج وظلم الأهل الذي كان السبب الأساسي في التحاقها بتلك الجريمة التي زجّت بها في السجن بعد التعرض للضرب المبرح، فقضية "إيمان" قضيةٌ أخلاقية تمسُّ الشرف والعرف.. تمسّ الدين والأخلاق والنفس..

لكن "إيمان" لم تبرِّئ نفسها من خطئها لظلمٍ وقع عليها من الزوج والأهل، وعيونها الباكية كانت أكبر دليل على ندمها الذي ما عاد يفيد شيئاً اليوم وهي تنتظر استقبال زوجها وأهلها للخبر المفجع الذي لم يكونوا يعلمون به.. وكيف يعلمون وهم لم يفكروا _أصلاً_ بتقديم لقمةٍ لها أو ملعقة حليب لطفلها؟!

"إيمان" البالغة من العمر 29 عاماً، متزوجة مذ كانت في الثامنة عشر، أُلقي القبض عليها وهي في أحد البيوت المشبوهة حينما كانت برفقة اثنتين من النساء اللتين اعتادتا على جلب عديمي الأخلاق من الرجال لذاك البيت للقيام بما يشمئز منه العقل والفؤاد ويندى له الجبين، مقابل الحصول على قسطٍ من المال!

المال مقابل الشرف
"إيمان" لم تكن لتفكِّر يوماً في أن تسلك طريق الحرام لولا خوفها على أبنائها من الموت جوعاً أو عرياً، لتبدأ أول أفعالها اللا أخلاقية بسرقة "ترينج" لابنتها التي بلغت خمس سنوات ونظراً لعدم تمرسها فقد كشفها صاحب المحل، لكنه خضع أمام ضعفها وبكائها وتركها بحالها بعد أن علم أنها لم تسرق إلا للحاجة وبعد أن انتزع منها وعداً بألا تعيد فعلتها.. ذاك الوعد الذي لم توفِ به تلك السجينة، بل اتبّعت طريقاً أكثر ظلاماً وانحطاطاً..

كنت أحيا حياة الملوك في بيت أهلي، حتى قُدِّر لي أن تزوجت من رجلٍ مطلق أكَّد أنه لن يعيد طليقته مهما حدث، ليُناقِض فعلُه قولَه بعد أسبوعٍ فقط من زواجي ويعيدها وفي نفس البيت السجينة إيمان


تقول إيمان: "لقد تسوّلت ودخلت المحال التجارية ليرأف بي أصحابُها لكنهم كانوا ينظرون لي بازدراء، فلم ينجح الأمر معي، فاتبعت نهجاً آخر أودى بي للجحيم.. لقد قمت باستخدام طريق المغازلة مع الرجال لأحصل على المال وبقيت أطعم أولادي وألبسهم من تلك المهنة، حتى وقعت صيداً ثميناً في فخّ أحد الرجال عندما عرض عليَّ أن يشبعني ويشبع أولادي مالاً وطعاماً مقابل إشباعه "بشرفي".. لم أتوقَّع أن يصل الأمر بي لهذا الحد لكني وافقت بعد تفكيرٍ طويل، حتى أصبح يطلبني وكنت أُلبِّي وبعدها أعود لأطفالي بالطعام والشراب".

لم تكتفِ "فلسطين" بالخوض في تفاصيل جريمة "إيمان" والوقوف عندها بل غاصت في ماضيها للتعرف على الأسباب التي أودت بها لتلك الطريق، تقول إيمان وحرقة الدموع تُلهِب كلماتِها: "كنت أحيا حياة الملوك في بيت أهلي، حتى قُدِّر لي أن تزوجت من رجلٍ مطلق أكَّد أنه لن يعيد طليقته مهما حدث، ليُناقِض فعلُه قولَه بعد أسبوعٍ فقط من زواجي ويعيدها وفي نفس البيت!"..

وكأنه استخدمها وسيلةً لن يلبث أن يرميها للانتقام من الأولى.. لكنه لم يحصل على مراده بطلاق الجديدة بعد أن تتنازل عن حقوقها.. وكيف تطلب الطلاق وروحٌ في أحشائها بدأت تتنفَّس؟! لقد غرس الله برحمها جنيناً.. ومنذ ذاك اليوم والمشاكل تزداد بين العائلتين لدرجةٍ جعلت زوجها يحرمها من اللقمة والماء.

حرموني طفلتي
وتبقى "إيمان" على هذا الحال حتى تنازَلَ زوجها بعض الشيء أمام المحاكم واستأجر لها بيتاً مستقلاً قبل أن تضع مولودها الأول، ويمضى أسبوعٌ واحد على ولادة طفلتها فيأتي الأب ويأخذ ابنته قِسراً دون أن يرأف بحال أمها، فما كان منها إلا أن تركت جميع أهلها من حولها ولحقت بزوجها.. بل بفلذة كبدها، ومن هنا تخلَّى عنها أهلُها!!

وتكمل:"أيامٌ مرَّت وأنا في فترة النفاس لم أجد فيها اللقمة ..كنت أسأل جارتي أن تطعمني وترسل لي بعضاً من الحليب لابنتي وباقي الأيام كنت أسقيها ماءً بارداً محلَّى ببعض السكر لتسد رمقها..

وتمضي السنون وتعاود حياة الذل والسؤال من جديد، لكنها لم تكن أم لطفلة فقط بل أصبح لديها ثلاثة أبناء، تقول مواصلة:"اشتغلت كخادمة في البيوت مقابل 5 شواقل وبعض السكر أو الخبز أو غيره، لكن الحال لم يكن كافياً لتغطية احتياجات أولادي الذين كنت أغمس لهم خبزاً ناشفاً ببعض الماء كغذاء".

لكن ختام قصة "إيمان" كان الأسوأ على الإطلاق.. واستكمالاً لمشوار "المال مقابل الشرف" تمَّ القبض عليها في أحد البيوت المشبوهة في الوقت الذي لم تكن تعلم فعلاً أنه مشبوه! -هكذا قالت..

من القاتلِ؟ "أسماء" أم أخوها؟
كانت "أسماء" في الثامنة عشر عندما وقعت تحت مسمَّى "قاتلة" وصُنِّفت تهمتها تحت "جريمة قتل" إلا أن ملابساتٍ تحوم حول تلك القصة، فأسماء تعترف: "لقد قتلت، ولكن عن غير عمد.." وآخرون كُثُر يقولون:"أسماء لم تقتل.. بل أخوها".

فقد حَدَثَ وأن وقعت مشكلةٌ بين عائلة أسماء والجيران لأسباب تافهة خاصة بالأطفال ولا تستحق الذكر هنا، إلا أن الشيطان كان أكبر من أن يترك الأمر يمرُّ بهدوءٍ وسلام، فثار الجيران وضربوا أخت أسماء الصغيرة ضرباً مبرحاً، وانهالت الجارة بمسباتها وإهاناتها فوق رأس أسماء وأهلها.

وحسب قول "أسماء" : "اسودَّت الدنيا في عينيَّ من شدة ما سمعت من مسبّات، فما كان مني إلا أن أمسكتُ سلاح أخي الشهيد وفتحت بيت النار وأطلقت رصاصةً ألقتْ بجارتي صريعةً"!.

وتضيف: "لم أقصد قتلها بل أردت إطلاق رصاصةٍ في الهواء لإيقاف المهزلة"..
الغريب أن "أسماء" كانت في بيتها، والجارة الأخرى في بيتها الآخر.. فكيف وصلت الرصاصة غير المقصودة للجارة وقتلتها؟!!

والأغرب من هذا كيف تجرَّأت "أسماء" على مسك السلاح وإطلاق رصاصة وهي التي ارتجفت ووقعت مغمىً عليها أمام المحقق خوفاً؟! والأكثر من هذا غرابةً.. لماذا يذيع الصيت بأن أخ أسماء هو القاتل وليس أسماء؟! فلا "يمكن أن يكون هناك دخانٌ بدون نار".. أيُعقل أن أسماء ضحَّت بنفسها سجينةً من أجل أخيها؟! أيُعقل أن يكون أخوها ضحى بأخته من أجل نفسه؟!

اسودَّت الدنيا في عينيَّ من شدة ما سمعت من مسبّات، فما كان مني إلا أن أمسكتُ سلاح أخي الشهيد وفتحت بيت النار وأطلقت رصاصةً ألقتْ بجارتي صريعةً السجينة أسماء


"حبيبي".. لن أخرج بدونه!
وربما من الطريف أن تجد حبيبين يقبعان داخل السجن ويرفض أحدهما أن يخرج إلا مع حبيبه! "فآمال" ابنة الخمسة والعشرين عاماً والتي جاءها قرار الإفراج مرات عِدَّة ترفض أن تخرج من سجن النساء إلا برفقة حبيبها المسجون مع الرجال في نفس المركز.

وعن قصتها فقد اشتكاها والدها للشرطة لأنها على علاقة بشاب، وحسب قولها فعلاقتها لم تتعدَ اللقاء لمرات ثلاث دون ارتكاب أي خطأ، لكنها وحبيبها شهدا زوراً بأنهما فعلا الفاحشة!! من أجل أن يتم تزويجهما وإثر ذلك تمَّ سجنهما.

ولو عدنا لقديم "آمال" فقد زوَّجها والدها قِسراً من رجل يكبرها بستة عشر عاماً عندما كانت في الرابعة عشر من عمرها.. فتقول: "لم يكن زوجي ينجب.. لم أكن أشعر بالحب تجاهه أبداً.. لم يكن يعجبني لا شكلاً ولا مضموناً.. عشت معه تسع سنين كانت الأبشع في حياتي حتى قررت أن أتنازل عن كل حقي وأطلب الطلاق، وقد حدث..".

لتتعرف بعدها على شابٍ يقاربها في السن ويطلب يدها مباشرةً من والدها فيرفض، ويعاود الطلب ويكرر حتى قبل والدها وتمت قراءة الفاتحة، لكن عقد القران لم يتم بسبب تدخُّل المُفسدين حسب قول "آمال".. إلا أن ما يثلج صدرها ويشعرها بالحياة داخل السجن بل ويشبثها به هو قول "حبيبها" الدائم:"لن أخرج من السجن إلا ورجلي على رجلها!!

ستراً لا فضيحة..
من جهته، أوضح مدير السجن المقدم ناصر سليمان، أن نسبة الجرائم النسائية قليلة جداً إذا ما قورنت بجرائم الرجال، وأقلّ بكثير إذا ما قورنت بالجرائم النسائية خارج فلسطين، موعزاً ذلك إلى طبيعة المجتمع الفلسطيني الشرقي المحافظ.

وعن المدة الزمنية التي تقضي فيها السجينة داخل سجن النساء بأنصار، بيَّن سليمان أنها لا تزيد على الستة شهور وقد تصل لعامٍ واحدٍ، حيث أرجع قصر مدة السجن مقابل قبح فعل السجينة، إلى أن سمعة النساء تهمهم بالدرجة الأولى لأن تشويه سمعة السجينة وسجنها مدة أطول غالباً ما يؤدي لتدمير وتشتيت أسرةٍ كاملةٍ وليس السجينة فقط بما تتعرض له من طلاق وربما تتعرَّض للقتل، كما أن كثيراً من النساء يَكنَّ أمهاتٍ لأطفالٍ رُضِّع إذا ما غابت الأم عنهم ضاعوا، وهذا ما يجبر المحكمة على التعامل بإنسانيةٍ مع تلك النساء والتقصير من مدة السجن.

مخالفة للفطرة البشرية
وحول الأسباب التي تدفع بالنساء للجوء لمثل تلك الطرق اللا أخلاقية، يقول الدكتور فوزي أبو عودة، رئيس مجلس بنك الأفكار للاستشارة والتدريب والاستثمار: "هناك سببان، الأول يتعلق بذات المرأة ووضعها الداخلي وتربيتها الأسرية بما يؤثر على طبيعة شخصيتها لتكون ودودة وخلوقة، أو متوحشة قابلة للخوض في عالم الجريمة بسهولة، والآخر يتعلق بالبيئة الخارجية كتعرضها لمواقف حياتية صعبة من اضطهاد وقهر، ومن ثم تتشكل لديها شخصية بيئية شاذة تسعى لمواجهة مجتمع الذئاب "كما هو بنظرها" ومن ثم تتجرأ على فعل القبيح من الأفعال المرفوضة من باب التحرر وعدم الرضوخ للذل والاستعباد الواقع عليها وهي لا تعلم أنها تخالف بذلك الفطرة البشرية".

ويضيف:"أحياناً كثيرة يكون ضيق الحال سبباً في خوض المرأة في عالم الجريمة، وبمجرد أن تجد من يساومها على شرفها أو على أشياء أخرى فإنها تقبل، لكن هذا لا يحدث إلا مع صاحبات النفوس المريضة".

ويستدرك مواصلاً:"لكن ليس هناك أي مبرر أخلاقي أو اجتماعي أو حتى نفسي يجيز لأولئك النساء الخوض في غمار اللا أخلاقيات، فتلك الأعمال ليست إلا من فعل الشيطان الذي يصور للمرأة أنها في حالة عسيرة وأن لا حلَّ إلا اللجوء للحرام، وكم من امرأةٍ فقيرةٍ عاشت بكرامةٍ دون أن تجد من الغرق في الوحل مبرراً ".

لكن وبعد هذا العرض، هل الحياة قانون فحسب؟ وهل تنفيذ القانون خاصة "الحبس" يكفل القضاء على المشكلة من جذورها أم أنه مجرد قرارٌ لا يقدم أو يؤخر شيئاً؟ والدليل واضح هنا.. فالسجينة تتوقف عن فعلتها القبيحة فقط حينما تقبع في السجن.. وبمجرد خروجها تعود من جديد لتُزجَّ بالسجن من جديد "إلا من رحم ربي".. ومن ثم لو نظرنا لكيفية حل المشكلة "من وجهة نظر القانون" لحكمنا على كلِّ مذنب بالسجن مدى الحياة وهذا ما لا يُعقَل..

السجن غير كافٍ
يقول الدكتور يونس الأسطل، عضو المجلس التشريعي ورئيس لجنة الإفتاء برابطة علماء فلسطين "غزة":"لا شكَّ أن السجن هو إحدى العقوبات التعزيرية التي نصَّ عليها القرآن الكريم، غير أن السجن لوحده غير كافٍ غالباً في التأديب ما لم يصاحبه أسلوبٌ تربويٌ من خلال برنامجٍ " مكثَّفٍ " يذكر بالله تعالى ويظهر خطر المعصية في الدنيا والآخرة".

وأضاف:"فالمجرم عندما يلتقي بكبير المجرمين فإنه يتلقى دروساً في الجريمة، من هنا نجد الذين يعاقبون بالسجن لارتكاب جريمةٍ ما يعودون لاقترافها بعد خروجهم وربما يعودون لاقتراف ما هو أقبح منها، وقد يشعرون بالراحة أكثر في السجون من غيرها، ومن هنا وجب النظر في هذا اللون من العقوبة "السجن"، على ألا يكون ذلك بإلغائها بل باستثمارها تربوياً ودعوياً ونفسياً".

لماذا لا نقيم الحدَّ؟
ولكن.. ألا يكون بإقامة الحدِّ ردعٌ شرعيٌ لكل مجرم؟ يجيب د. الأسطل:" الأصل أن الحدود عقوباتٌ مقدرة شرعاً ولا يجوز العدول عنها إلى العقوبات التعزيرية المتمثلة بالسجن وغيره، إلا إذا تعذَّرت إقامتها في واقعنا الفلسطيني، فإن شرط إقامة الحدود غير محقَّق وهو إشباع حاجات الناس من رزقٍ ومسكنٍ ونحوه بطرق مباحة، فإذا ضمنت الحكومة العيش الكريم للناس فإنها ملزمةٌ وقتها بإقامة الحدود".

فالحكومة في قطاع غزة مازالت في مرحلة استضعاف وبإمكانيات متواضعة يجعلها عاجزةً عن توفير احتياجات جميع الناس وهو ما يستدعي اللجوء للعقوبات التعزيرية حسب د. الأسطل.

دور الحكومة
ونوَّه د. الأسطل إلى ضرورة متابعة السجينات أثناء فترة السجن وفيما بعده ولو لفترةٍ متوسطة للاطمئنان إلى ما حصل لهن من التوبة والصلاح نتيجة الدروس والمواعظ والإجراءات الإصلاحية التي قدمت لهن أثناء الحبس وهذا يتأتى ابتداءً من الولاة المباشرين كالآباء والإخوة والعصبيات، إلى جانب مراقبة الجهاز الحكومي لهنَّ.

وعن دور الحكومة في محاولة إيجاد حل جذري للمشاكل التي تودي بالسجينات لطريق الحرام، يرى د. الأسطل أن مسؤوليتها تقع بالدرجة الثانية بعد رجال الإصلاح والتوعية والجمعيات الخيرية فعليهم أن يتحسسوا حاجات الناس ويقدموا الأحوج على المحتاج من خلال توفير قاعدة بيانات ويسعون لدى الحكومة والجمعيات الخيرية لتوفير حاجيات الناس لتكون تلك خطوةٌ جذرية للقضاء على الكثير من مشاكل الانحراف في مجتمعنا خاصة تلك التي تكون أسبابها "الحاجة والعوز".

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق