السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

رواياته تتمحور حول أصدقاء "وهميين" وأحداثٍ غير حقيقية

الطفل الخيالي.. بين حُلُمِ "طرزان" و"الكذِب".. شَعرة!

السبت, 03 يوليو, 2010, 16:29 بتوقيت القدس

غزة/تقرير صفاء عاشور

عاد إلى منزله بعد المغرب وشعره يُسقط الرمل والأوساخ.. ملابسه "أقذر" ما يكون، يخفي بيديه بعض الخدوش التي ارتسمت على وجهه.. "يتسلل" كاللصوص فتحَ باب غرفته، وبدل ملابسه ومن ثم جلس كأن شيئا لم يكن..

والدته اقتربت منه حاملة بيدها الملابس القذرة، وقبل أن تسأله عنها كالمعتاد، قال محمد:" قابلت سلاحف النينجا اليوم، وساعدتهم في القتال ضد وحش كبير أخضر اللون، وتغلّبت عليه بلكمة من قبضتي هذه".. وأخذ يقلد لوالدته الطريقة التي ضرب فيها الوحش..

والدته "كالعادة" صرخت في وجهه، قائلة :" لا وجود للوحوش وسلاحف النينجا، لا تكرر فعلتك مرة أخرى وإلا منعتك من الخروج للعب في الشارع، أنت طفل غير مسؤول ومن الخطأ أن أسكت على تصرفاتك"..

وجم الطفل ونظر إلى الأرض، ولما غادرت والدته جعل "فرشة نومه" حلبة صراع، وصار يقاتل ويضرب في الوسادة، قائلاً :" سأقتلك أيها النذل، سأقضي عليك، تريد إلحاق الضرر بسلاحف النينجا، سأنتقم منك"!!!

القصة السابقة عزيزي القارئ حقيقة إلا من بعض التفاصيل، فمحمد هو طفل فلسطيني سرقت عقله أفلام الكرتون، حتى أصبح يتخيل أن أشخاصا يشاركونه حياته في منزله ومدرسته، وهو ليس الحالة الفريدة من نوعها، فالكثير من أطفالنا "ذوي الخيال الواسع" يرسمون القصص ويتخيلون الشخصيات بل ويعيشون معها..

"فلسطين" في تقريرها التالي تستعرض بعض القصص التي رواها إما أصحاب المشكلة أو الشاهدين عليها، وتتطرق للرأي النفسي فيها، فإذا كان أحد معارفك عزيزي القارئ يعاني أبناؤه من هذه الحالة، تابع التقرير..

"قرشٌ" فوق السطح..
انتبهت لرنة الهاتف الذي جاء على غير العادة في وقت مبكر من ذاك النهار, رفعت سماعته برهبة إلا أن أجابها "رجل" عرفَ عن نفسه، قائلاً :" أنا سكرتير مدرسة ابنك الصغير خالد، أتمنى أن تحضري إلى المدرسة لأمر يتعلق به، ويجب أن تقابلي المرشد النفسي".. صدمت الأم, وسألت بتعجب "أأصاب طفلي خطر ما؟!" ردها السكرتير قائلا " لا ضرر يذكر لحق بطفلك، اطمئني، ولكن يبدو أن صغيرك كذب".. في استغراب أكبر أغلقت الوالدة سماعة الهاتف وقصدت المدرسة..

هناك سألها المرشد " ابنك أخبر الطلاب جميعهم أن رجلا ما أضرم النار في منزلكم البارحة، وأن زوجك أصابته حروق شديدة مما اضطركم لنقله للمشفى".. أجابت الأم باستغراب :" لا لم يحدث هذا، من صاحب هذه الإشاعة لأكذبه!"

وقبل أن تكمل كلامها قاطعها المرشد النفسي سائلا :" هل تمتلكون حديقة خلفية تزرعون فيها أشجار البرتقال والليمون، وتربون حيوانا غريبا بخمس قوائم؟" أجابت الأم أيضاً بالنفي مرة أخرى هازة رأسها بقوة، حتى تابع المرشد أسئلته "هل توجد بركة تربون فيها سمك قرش فوق سطح منزلكم ؟" زاد هذا السؤال استغراب الأم, وكانت إجابتها مشابهة لسابقتها, ولشدة فضولها من هذه الأسئلة قاطعت المرشد وسألته:" ما علاقة هذه الحكايات والأسئلة بطفلي؟".

فأجابها:" هذه الحكايات يرويها طفلك لزملائه في المدرسة مصرا على أنها حقيقية, حتى كذبه أحد زملائه من جيرانكم، الأمر الذي أفضى لمشاجرة قوية بين الطفلين".

"عادته للأسف التخيل وسرد القصص الوهمية عن حياته"، قالت الأم بهدوء، متابعة :" دائما يقص علينا الكثير من القصص الخيالية عن الشارع والمدرسة، كنت أظن أن جزءا منها حقيقي إلا أن اكتشفت قدرته البارعة في التخيل".

"في البحر كنا"
هي مقدمة كل قصصها, فلا تخلو حكاية ترويها أفنان عليان صاحبة الأعوام الأربعة من هذه العبارة, فالبحر هو محور قصصها الأساسي، هكذا حدثتني صديقة لي مؤكدة أن الطفلة تبدأ كافة قصصها بتلك العبارة.

ومن هذه القصص على سبيل المثال تروي الطفلة:" لما كنا في البحر, حمل أبي أخي الصغير هاني –وهو لا يتجاوز العام ونصف- العام ودخل به إلى البحر لمسافة بعيدة, وعندما عاد أبي لم يكن أخي هاني معه, وأمي خافت كثيراً, وبدأنا نبحث عنه ولكن لم نجده".

لا مشكلة في أن يكون الأطفال خياليين ولكن المشكلة تكمن فيمن يربون هؤلاء الأطفال الذين لا يستطيعون معرفة المرحلة التي يمر بها الطفل ومميزاتها وصفاتها وعندما يقال الخيال يفهم به الكذب وهذا غير صحيح زقوت


وبعد السؤال والتأكد اكتشفت صديقتي أن قصة أفنان ليست حقيقية, إذ إنهم ذهبوا للبحر قبل أيام, ولكن لم يحدث شيء من غرق الطفل الصغير هاني أو فقدانه حتى, لافتة إلى أن أحاديث أفنان هدفها لفت الانتباه والأنظار إليها فقط لا غير.

وكثيرة هي الحالات التي يروي فيها طفل إليك قصة كاملة من ألفها إلى يائها, دون أن يخطئ بشيء, لتكتشف بعد ذلك أنها لم تحدث على أرض الواقع, وأنها من خياله البحت ونسج عقله الصغير.

"طرزان" سرق المنزل
ومنهم أيضا الأطفال حنان عمران والتي تبلغ من العمر الآن 26 عاماً, لكنها لا تزال تتذكر كيف أن خيالها الخصب أوقع عائلتها وجيرانها بحيرة وقلق كثيرين، خاصة بعد روايتها عن السارق الذي يشبه "طرزان"..

حكايتها بدأت قبل عشرين عاماً عندما كانت تستمع حنان إلى زميلاتها في المدرسة وفي الشارع يتحدثون عن رجل مجنون يطلقون عليه لقب "المشلَّح" لترسم له بعد ذلك صورة مخيفة في ذهنها، هي "رجل طويل البنية يرتدي سروالا من ورق الشجر ويكتسي جسمه بالشعر الغزير"..

تقول :" خرج جميع أفراد عائلتي من المنزل وبقيت مع أختي التي تكبرني بعامين لوحدنا, حينها دخل ذلك الرجل" المشلَّح" المنزل, تجول فيه وعبث بأغراضه دون أن يسرق منها شيئاً, ليخرج بعد ذلك من باب خلفي للبيت ويختفي وسط الأشجار التي كانت منتشرة حول المنزل"..

وما أن عاد الأهل أخبرتهم حنان بالقصة, فأصابهم الذعر الشديد وبدؤوا بالبحث عن ذاك الرجل بالمواصفات التي رأته بها حنان, إلا أن الجميع جهودهم باءت بالفشل, فلا وجود لـ"طرزان" في المنطقة.

حنان لم تيأس وحلفت لوالدتها أن رجلاً غريباً دخل المنزل وبالمواصفات التي ذكرتها، الأمر الذي جعل الأهل يشكون، وتثار ريبتهم، وعندما لم يجدوا أثراً لرجل بمثل ما ذكرت حنان, أيقنوا أنهم ضحايا لخيال طفلة, مولعة بمشاهدة الرسوم المتحركة.

دعوهم يبدعوا
وحول هذا الموضوع, قال الاختصاصي النفسي في برنامج غزة للصحة النفسية د.سمير زقوت:" إن الأطفال يتميزون _حسب علماء النفس_ في هذه المرحلة أنهم في مرحلة الخيال, وبالتالي كل ما يقولونه ليس كذباً بل قصص خيالية".

وأوضح أنه لا مشكلة في أن يكون الأطفال خياليين, ولكن المشكلة تكمن فيمن يربون هؤلاء الأطفال, الذين لا يستطيعون معرفة المرحلة التي يمر بها الطفل ومميزاتها وصفاتها, مشيراً إلى أنه عندما يقال الخيال يفهم به الكذب, وهذا غير صحيح.

وبين أنه في كثير من الأحوال, إذا كان الطفل يعيش في مرحلة الخيال, فإن الأهل لا يتفهمون معنى هذا الخيال وكيفية استغلاله في تنمية قدرات الطفل العقلية, كما أنهم لا يتفهمون المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل, وبالتالي المسألة ليست كذباً أو اختلاق قصص، ليست واقعية بل هي أمور بحاجة إلى أن يتفهمها الأهل وأن يضعوها في إطارها الصحيح.

وأشار إلى أنه على الأهل إذا كان أطفالهم خياليين ويروون قصصاً وروايات ليست حقيقية, فعليهم عدم التجاوب معهم, حتى تعلم الطفل الفصل بين الواقع والخيال, مع ضرورة استغلال الخيال في خدمة الطفل وتعزيز قدراته العقلية

ولفت إلى أن الخيال ينمو لدى الطفل في مراحله الأولى بشكل طبيعي, وإذا تمت تنميته وتوجيهه بالاتجاه الصحيح, يمكن أن يجعل من هذا الطفل مخترعاً أو إنساناً يأتي بأشياء إبداعية رائعة, وفي العالم الغربي يرعون هذه المرحلة لتطوير إبداعات الطفل من خلال نموذج لحل المشكلات يجعلونه يتخيل ويفكر بشكل إبداعي لحل هذه المشكلات

التوجيه هو الأساس
وأكد أن سوء معاملة الطفل في هذه المرحلة التي يكون فيها خياله خصباً ومبدعاً, قد يجعل الطفل منحرفاً ولديه مشاكل نفسية, وبالتالي هذه المسألة ترتبط إما بالتوجيه السليم للطفل للاستفادة من هذا الخيال, أو عدم توجيهها لتصبح مسألة انحرافية يتعلق فيها الطفل بالكذب واختراع القصص التي قد تسبب مشاكل بين أفراد الأسرة, ليصبح بعد ذلك هذا الطفل عبأ على أسرته.

مشاهدة الرسوم المتحركة تزيد الخيال لدى الطفل وتجعله يتخيل بشكل كبير


وحول مدى تأثير مشاهدة الرسوم المتحركة على ملكة الخيال عند الأطفال, قال زقوت:" إن مشاهدة الرسوم المتحركة تزيد الخيال لدى الطفل, وتجعله يتخيل بشكل كبير, وربما تصل في بعض الأمور إلى أن يقلد هذا الطفل بعض المشاهد, الأمر الذي قد يصيبه ببعض الأضرار".

وتابع:" إن طفلاً حضرت به أمه بعد أن حاول أن يقلد مشهداً في الرسوم المتحركة حول شخصية حاولت العبور عبر الحائط ونجحت, وعندما حاول الطفل تقليد هذا المشهد صدم بالنتيجة, فلم يكن وصوله إلى الجانب الآخر كما كان يتوقع, بل ألم شديد في رأسه صاحبه نزيف خفيف".

وأوضح أن الطفل لم يميز بين الواقع وبين الخيال, وأدى ذلك إلى إصابة الطفل بجروح, بالإضافة إلى تأثره نفسياً بشكل كبير.

واعتبر زقوت أن الخيال قد يصل في خياله إلى أن يسأل عن بعض الأمور التي تمس العقيدة, لافتاً إلى أن هذا أمر طبيعي, والطفل لا يبحث عن التفاصيل عند سؤال هذا النوع من الأسئلة, وعلى الأهل إجابة أطفالهم إجابة قصيرة ومقتضبة.

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق