السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

"عمل الأطفال" صيفاً..سلاح ذو حدين!

الثلاثاء, 06 يوليو, 2010, 12:22 بتوقيت القدس

غزة- هدى بارود

الكثير من الناس يؤمن أن عمل الأطفال، دون سن التاسعة عشر، عيب يُصيب المجتمع، فهو إن اعتمد على جهد "الطفولة" أجهدها و"أظلمَ" مستقبلها.. خاصة وأن الكثير من القصص العالمية والمحلية تخبرنا "جهرا" أن عمالة الأطفال تنشئ جيلا من "المنحرفين" والمعقدين نفسيا.. فهل هذا الكلام صحيح؟!.

البعض وعن تجربة.. تغيرت نظرتهم عن ما سبق ذكره، فهم لما "أفسد" الدلال الزائد والراحة غير المحسوبة أبناءهم، أشركوهم العمل، وكانت النتيجة "مُرضية"، فهم "صالحون" جدا و"تربيتهم" وتقويم سلوكهم أصبح أكثر سهولة، وأغلب من تعامل مع أبنائه بهذه الطريقة، أرضاه مستقبلهم، وأثلج صدره.. فهل تتوقع عزيزي القارئ أن هذا "فعلا" هو الصحيح؟!..

"فلسطين" في التقرير التالي تُلقي الضوء على تجربةٍ أخرى، استغل فيها الآباء طاقة أبنائهم في العمل، وشاركوهم حياتهم، وربوهم بالطريقة التي يأملون، وهذبوا سلوكهم.. فضُرب بأبنائهم المثل.

وكملاحظة.. الحالات الواردة في التقرير، دعت جميعها إلى تعويد الأطفال على العمل والأخذ بأيديهم نحو مستقبل "جيد"..

تعودوا على المسؤولية..
بعد كومة من "البطيخ" في سوق النصيرات يقف، تعلو رأسه طاقية بيضاء اللون، تخفي جزءاً من عينيه "العسليتين" وتدرأ عن رأسه حرارة الشمس.. كلما اقترب منه "مشتر" نادى بصوت جهور "ع السكين يا بطيخ، زي العسل يا بطيخ.. أحمر يا بطيخ"، وما أن يبتعد المشتري بعد أن يأخذ ما فيه النصيب، يجلس هو على كرسي خشبي "بلا ظهر"، تحت "خيمة" سقفها فقط من قطعة قماش زرقاء، وأعمدتها خشبية، وبجواره والده.

إبراهيم حمدان ابن الأربعة عشر ربيعا يستغل صيفه كبائع يساعد والده، وما أن تنتهي الإجازة الصيفية يرجع للدراسة "نظاميا" كباقي زملائه، لكنه يعود أكبر من عمره "وعيا وإدراكا".. فتعامله مع الناس يتهذب، وطريقته في التفكير "تنضج"، ناهيك عن ابتعاده عن التدخين أو رفقة السوء.

يقول والده سعيد إبراهيم حمدان :" ابني البكر إبراهيم، هو سندي وقوتي، وأعتمد عليه في أغلب أموري، فهو رجل".. كلمات الوالد زادت الطفل مفخرة، فقال بحماس :" بدأت العمل في بيع البطيخ مع والدي العام الماضي، وهذا هو الصيف الثاني الذي أعمل فيه، وكل مرة أشعر أنني كبرت سنوات في مهنتي، وأنه جنبني ما يقع فيه أصدقائي من أخطاء"..

إبراهيم عدد لـ" فلسطين" ميزات عمله التي جعلته رجلا، وفق قوله، وفي الوقت ذاته أشاد بدراسته وتفوقه فيها، نافيا أن يكون العمل قد أثر سلبا عليه، خاصة وأنه يشتغل بائعا للبطيخ في الصيف فقط.

وكمال الصوري بائع الفاكهة بعد أن وضع في يد ابنه ما يقارب الألف شيقل، طلب منه أن يُصرفها إلى "دولارات"، والتفت لنا قائلا :" كما ترون.. لا أؤمن أحدا أكثر من ابني الصغير، فأنا على يقين من أنه لن يسرقني أو يتلاهى عن عمله، رغم صغر عمره"، مشيرا إلى أنه- الأب-وَرث حرفته عن والده رغم اجتيازه للثانوية العامة، ويطمح بتوريثها لأبنائه إن هم أرادوا ذلك.

علي الصوري ابن كمال مجتهد في دراسته إلى حد ما، ويبرع في تصليح الأدوات الكهربائية إذا ما أتلفت أو أصابها عطل ما، ولما أدرك والده ذلك أرسله في الصيف إلى "الكهربائي" جارهم ليتعلم عنده الحرفة إلى أن أتقنها، وهذا الصيف اختار الصغير أن يشارك والده في بيع الفاكهة، خاصة وأنه أُوكل إليه نقلها من المزارع في شمال القطاع إلى "دكانهم" في محافظة الوسطى.

يعتقد كلا الوالدين السابقين أن أبناءهم " سيكبرون" وفي داخلهم حب للعمل والعطاء، وأن كافة سيئات الحياة تبتعد عنهم إذا ما قضوا وقتهم في العمل، فهم عاشوا طفولتهم حتى قاربت أعمارهم "المُراهقة"، ارتأى آباؤهم أن يشاركوهم "نضجهم".. فهل هذا هو الصحيح والمنطق أم أن عمل الأطفال خطر يكبت طفولتهم؟!

على نهج آبائهم..
التاجر الفلسطيني أبو عماد الحاج، عمل طول حياته منذ بلوغه عمر السادسة عشر، وهو الآن من أكبر تجار القطاع، لأنه أدرك منذ عمر مبكرة قيمة العمل والمال.. ولأن حياته ناجحة، حاول قدر المستطاع أن يُدرب أبناءه عليها، فهم يشاركونه في مطحنة القمح التي يملكها، وإن أراد أحدهم العمل في مشروع خاص دعمه ووفر له حاجته، وراقبه "من بعيد"..

أبو عماد الحاج يحاول قدر المستطاع أن يُدرب أبناءه على حرفته فهم يشاركونه في مطحنة القمح التي يملكها وإن أراد أحدهم العمل في مشروع خاص دعمه ووفر له حاجته


في مكتبه التقيناه، وكان أبناؤه يشاركونه ويحملون عن كاهله بعض المهام، الأمر الذي أثار إعجابنا، فسألناه "هل أتت تربيتك لهم على هذا النمط من الحياة أُكلها؟". فأجاب :" بالتأكيد فأبنائي منذ صغرهم يشاركونني الإدارة والعمل، وأعتمد عليهم في أكثر المهام وأصعبها".

وكحاله السمسار ماهر أبو معلا الذي استطاع ابنه محمد ذو الخامسة عشر ربيعا شراء جهاز حاسوب خاص به من عمله كسمسار اقتداءً بوالده، يقول :" كنت أشرك ابني الوحيد محمد جلسات العمل وزياراتي للعملاء، حتى استطاع التعود على طرق الإقناع واقتناص الفرص في البيع والشراء، وهو الآن يتفوق عليَّ".

محمد يفتخر بنفسه كثيرا فعمله عرفه معادن الناس، وساعده في التعامل معهم كل وفق أسلوبه في الحياة، ورغم أنه كان يدخن دون علم والده، إلا أن عمله وانسجامه فيه جعله يقلع عن العادة التي وصفها "بالغبية".

وليس أدل على "غباء" تلك العادة، إلا ما قاله حازم مطر عنها، وهو شاب تجاوز العشرين من العمر، ولديه ابنة، يقول :" عرفت الكثير من الزملاء في حياتي، أغلبهم كان يقضي ليله في السهر على الانترنت أو التدخين، وكنت كحالهم إلا أن شاركني أبي مسؤولية صالون الحلاقة الذي نملكه، فعملت فيه صيفا إلى جوار دراستي المدرسية، وصرت كلما سمعت من الزبائن عن حال غيري من الشباب الذين ألهتهم الدنيا وأدمنوا التدخين، أتراجع قليلا قليلا عنه، إلا أن تركته".

وبمجرد تخرجه من الجامعة، كان حازم قد جمع مصاريف فرحه وجهز شقته -من عائد عمله في محل الحلاقة وغيره- وطلب من والده الزواج، وهو الآن والد لطفلة غاية في الجمال...

أشغلهن تحميهن..
والبنات كالصبيان، إن علمتهن حرفة في الصيف تشغلهن عن التفكير في أمور أخرى ربما هي أعظم أذى، ففراغ إجازة الصيف يقلق الكثير منهن وأحيانا يصيبهن بالإحباط، كما يؤرق أهلهن، لذلك فالنماذج التي نستكمل بها تقريرنا هي لطالبات ربما لم يفلحن في دراستهن، ولكنهن أتقن "حرفة" ما..

سهام أبو جبارة، أنهت الثاني الثانوي هذا العام، لكنها لم تُحصل الكثير من الدرجات وستضطر آسفة إلى إعادة بعض المواد الدراسية، في المقابل هي بارعة إلى حد "الحرفنة" في التجميل، ومكياج العرائس..

تقول:" والدتي تملك محل تجميل صغيراً أسفل البيت، كنت أراقبها يوميا في العمل، حتى شعرت أني قادرة على تعلمه، وبالفعل تعلمته وأتقنته وعلى عاتقي الآن أكثر العمل".

سهام كانت بسيطة التفكير، إن واجهتها مشكلة تنزوي بنفسها وتبتعد عن الناس، ولأن وزنها "زائد" قليلا كانت تعزف عن المناسبات الاجتماعية والحفلات وحتى الزيارات، إلا أن اختلاطها بالنساء في محل التجميل غير من شخصيتها للأفضل، فأصبحت قوية الشخصية وصاحبة قدرة جيدة في التحاور مع الناس.

وكحالها ناريمان عبد الله التي تستغل وقتها في الصيف في صنع الورود الصناعية وأوراق الشجر من القماش، الأمر الذي يعودها الصبر والتحمل، وفق قولها.. فهي منذ تعلمها "الصنعة" استطاعت أن "ترفد" منزلها بالكثير من الزينة، وتصنع الهدايا لأقربائها منه.

تقول :" تعلمت أمي صناعة الزينة من القماش، ومن ثم علمتني إياها، فأتقنتها وأصبحت حرفتي المفضلة في الصيف، خاصة وأن كل أفراد عائلتي يشجعونني عليها، خاصة والدي الذي عرض بعضها للبيع وأعطاني العائد المالي منها".

بدون مال "جيدة"..
أستاذ التربية المساعد في الجامعة الإسلامية د.داود حلس, أكد أن مشاركة الأهل لأبنائهم في الصيف طريقة مثلى لتهذيب سلوكهم والإشراف على تربيتهم بصورة صحيحة، يقول :" العمل الخفيف الذي يشارك فيه الأبناء آباءهم يكون لأجل إكساب الخبرات والتعويد على الحسن من الصفات".

مشاركة الأهل لأبنائهم في الصيف طريقة مثلى لتهذيب سلوكهم والإشراف على تربيتهم بصورة صحيحة ولكن دون راتب حتى لا يشعر الطفل بالعبء الملقى على كاهله د.حلس


وأضاف :" لا تعتبر هذه المشاركة التي أشرنا إليها سابقا عملاً إذ إنها تدخل من باب التربية التي تصقل شخصية الأطفال، فتعودهم على التعامل الجيد مع الناس، وتدربهم على اللباقة والتصرف في المواقف".

وحذر د.حلس من إجزاء الطفل مبلغا من المال كراتب لعمله، مشيرا إلى أنه يشعر الطفل بالعبء الملقى على كاهله من العمل، وتدفعه لتبديل الدراسة بالعمل، مصدر المال، وقال :" إذا كافأ الآباء أبناءهم على جهودهم، يحفزونهم على الاستمرار، ولكن إذا خصصوا لهم قدرا من المال لقاء عملهم، ينفر الأبناء من العمل ويعتبرونه مهمة يجب الانتهاء منها فقط، فتضيع حسناتها".

وأشار د. حلس إلى أن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان حددت عمر الطفولة من بداية الميلاد إلى عمر الثامنة عشر، وأكدت على أن الصيف هو فترة استجمام وراحة للأطفال تعينهم على مواصلة الدراسة فيما بعد، وحذرت من استغلال الأطفال فيها بالعمل "الشاق"، لعدم قدرتهم على التحمل.

وقال:" لا يتحمل الأطفال الجلد، والعمل الشاق، ودفع بعض الأهالي لأبنائهم للعمل في "الكسارات" مثلا – وهي مصانع لصنع الحجارة- أو البيع في الشوارع، تصرف خاطئ يجب أن يعدلوا عنه وإلا دمروا أبناءهم لا علموهم القوة".

ونصح د.حلس الأهل بتوفير المهن المريحة و"الخفيفة" لتربية أبنائهم، مبتعدين عن تلك التي ترهق الطفل وتخنق طفولته.

المصدر: صحيفة فلسطين

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق