غزة- حنان مطير
بعد زهاء شهرين عن فرصة قد لا تتكرر.. انتهت الحملة الوطنية لمكافحة التخابر مع العدو الإسرائيلي، ومعها أُقفِل باب التوبة لكل من سوَّلت له نفسُه وتعاوَن مع المخابرات الإسرائيلية ضد أهله ووطنه، واليوم.. لا مفرَّ من عفوٍ أو تخفيفٍ للحكم بحقِّ من تابوا توبة حقٍّ وسلَّموا أنفسهم بعد فعلةٍ هي بكل المعاني "خيانة" للنفس والأهل والدين والوطن، وحكمٍ آخر في كلِّ من قُبِض عليهم يزاولون الخيانة في أوج الحملة غير متخيلين أن تُحرق أوراقهم في يومٍ ما.. فكم من خسارةٍ أحلَّت بشعبنا بمجرَّد إشارةٍ من "عميل" مقابل مبلغٍ لو قُدِّر بحجم الفعلةِ فهو "بخسٌ".
"العملاء"..اسمٌ تتنصَّل منه كل معاني الإنسانية، ولو وُضِع على ميزان السوء لرجحت كفَّتُهم ببشاعتها.. وفي هذا التحقيق الذي أعدته "فلسطين" عن "العملاء" تبرز تلك البشاعة في كل موقفٍ تعاون به العميل الفلسطيني مع المخابرات الإسرائيلية التي استغلَّت في الفلسطينيِّ ضعفاً ما، ولعبت عليه لعبتها القذرة في الاصطياد السهل، ليكون الغدق بالمال أسهل وأول الطرق لشراء المخابرات الإٍسرائيلية لنفس وضمير ذاك الفلسطيني الذي سرعان ما يصبح لها طوعاً، ولكن هل تلك الحاجة أو ذاك النقص في نفس الشخص يشفع للعميل عمالته والتنصُل من "دمه" حتى وإن كان سراً؟!
"فلسطين" في تحقيقها هذا التقت ببعض العملاء المحتجزين اليوم في مقر الأمن الداخلي بغزة واستمعت لقصصهم ونقلتها على ألسنتهم ليكون بين أيديكم عِلماً وعِبرة.. ملاحظة/ أسماء "العملاء" المذكورة غير حقيقية
العميل الفكري
كنتُ على أهبة الاستعداد لاستقبال "سمكةٍ" جديدةٍ أوقعها حظُّها النَّحس في شباك صيادٍ محترف.. لأفاجأ بقرشٍ تبخترَ وفكَّر بعمقٍ مظلمٍ فغرِق في بحرٍ كان ذات يومٍ هو نَفَسُه..
جاء بلباسٍ أسودٍ تحمله ابتسامةٌ باهتةٌ بدت وكأنها حقيقية _لمن لم يتفحَّصها_.. "أيمن" ويبلغ 28 عاماً.. عمل موظفاً في إحدى المؤسسات الخاصة، بعد أن تخرج من إحدى جامعات غزة بمعدَّل مرتفعٍ يدلُّ على شخصيةٍ مميزةٍ.. ليكون بتلك الميزة مع بعض الطموحات لقمةً سائغةً للمخابرات الإسرائيلية.
يقول "أيمن":"عملتُ مع رجال المقاومة مدة أربع سنوات ابتدأت من عام 2000، حتى تمّ اعتقالي في اجتياحٍ إسرائيليٍّ نهاية عام2006 شمل كل شباب المنطقة، وهناك لم أتعرَّض لأي أذىً من قبل المخابرات الإسرائيلية بل لعبوا على نفسيتي التي لطالما تاقت لما عرضوه، لينتهي حديثهم بعرضٍ صريحٍ لأن أتعاون معهم وأكون "عميلاً" أدسُّ لهم صورةً موسعةً للحدث من خلال بعض التقارير فما كان مني إلا أن قبِلت"!
لقد كان "أيمن" يتوق للعمل والسفر والشهرة.. تاقت نفسُهُ لأمريكا ومثيلاتها.. تخيَّل نفسه الشهير صاحب المال والاسم العظيم! وبتلك الصورة الخيالية الحالمة قارن " واقِعَه ليجده بعيد كل البعد، إلا في حالةٍ واحدة، تمثلت في بصيص النور الذي سلَّطته المخابرات الإسرائيلية على عقله فاخترقه بسهولة!
"أنا لن أقتل.. لن أقوم بأفعالٍ غير أخلاقية.. لن أُعرِّض أحداً للأذى.. كل ما سأقوم به هو عمل بعض الدراسات.. فلِمَ أتراجع وأنا في تلك الضائقة المالية؟! اذهب يا رجل وتوكَّل على الله"!! كان "أيمن" يُحادثُ نفسه ويبرر لها فعلتها، ومن ثم قام بنفسه بالاتصال بالمخابرات الإسرائيلية ليقول لهم:"أنا لكم طوعٌ".
مقابل فتات
عن الأعمال التي قدمها "أيمن" للمخابرات الإسرائيلية يقول:"قمت بعمل 14 دراسة شملت التنظيمات الفلسطينية وعلاقة الجهاد الإسلامي بإيران، كذلك فقد قدَّمتُ دراسةً عن المنتديات الجهادية، وعن شعبية حماس وغيرها".
اليوم يمضي على "أيمن" في السجن شهر وبضعة أيام ..أيامٌ يحاول فيها لملمة شخصيته وإنسانِيته ودينه ومشاعره، منتظراً الحُكم.. منتظراً زيارةً من أهل ربما لن يزوروه.. يتمنى لو يقبل قدم أمه ندماً
لم يكن الأمر صعباً على "أيمن" في اكتشاف مدى شعبية حماس فقد تميَّز بالقدرة على افتعال نقاشٍ حول أي موضوعٍ كان، سواء كان في السيارة أو البيت أو حتى مع الأصحاب والجيران، فالأمر لم يكن سرياً إنما مفتوح وأمام العلن، ليصدق من قال:"الحيطان لها ودان"، فالدردشة كانت الوسيلة الأولى والسهلة لحصوله على المعلومات، إلى جانب قدرته على الكتابة، كيف لا وهو كاتبٌ لمجموعة رواياتٍ بأسماء مميزة؟!
ويذكر "أيمن" أن المخابرات الإٍسرائيلية كانت على وشك إقامة مركزٍ خاص يعمل بشكلٍ رسمي ويكون مقره في غزه وبإدارة "أيمن"!
ولو حسبنا المدة الزمنية التي عمل فيها "أيمن" مع المخابرات الإسرائيلية فقد وصلت لثلاث سنوات وخمسة شهور، تقابل فيها مع المخابرات عدة مرات وحصل فيها على مبالغ هي بالحقيقة فُتات!
اضطراب أسري ومادي
ولو عدنا قليلاً لحياة "أيمن" الأسرية فلم يحفّها الاستقرار يوماً، ويُذكر أن أهله منتمون لحركة (.....) ومؤيدون لها بشكلٍ لا يوصف فيقول:"اعتبروني مخطئاً ذات يومٍ في حق (....) فما كان منهم إلا أن وقفوا بجانب الحزب بل وطلبوا مني الاعتذار، الأمر الذي لم أقبله على نفسي، فلستُ أنا الذي يعتذر ويتأسف، أنا من يمشي بخيلاء وكبر، أنا من ليس مثلي أحد حتى وقعتُ بعزة نفسي ذليلاً".
ويواصل:"علاقتي لم تكن جيدة مع أهلي، لا لسوئهم بل لسوئي وكبري، لم أكن أسمع كلمة أحدهم أو نصيحتهم، فتركتهم وذهبت للعيش في مكانٍ بعيدٍ عنهم، في ظل نقصٍ مادي واضطراب أسري أودى بي للتشبث بوعود المخابرات الإسرائيلية والاتجاه للعمالة".
لحظةٌ تكْسِر الشموخ
ذات يومٍ.. وصل "أيمنَ" بلاغٌ ظنَّ أن التحقيق بعده لن يطول على العشر دقائق، فلم يكن يشك للحظة بأن الشبهة تلاحقه، لم يتخيّل أن يجد من هو أذكى منه، وما زال حتى اللحظة لا يعرف كيف توصلوا لحقيقة "عمالته"، لينتهي به الأمر إلى انكسار شموخه والانهيار معترفاً بمجرد أن أخبره المحقق قائلاً:"نحن نعرف كلَّ شيء.."
يقول أيمن:" عرفت ما معنى "اليوم" في السجن، فخلوتي أيقظتني بعد أن فات الأوان، أتذكر كيف كنتُ أصلي وأقرأ القرآن دون أن أعتبِر لآية، لمستُ معنى الضعف بعد الكِبر، أخجل من خذلاني لأمي وأبي وزوجتي وابني، فهم لا يستحقون ذلك مني وألومهم على يومٍ لم يعنفوني به..".
"أحبك.."
واليوم يمضي على "أيمن" في السجن شهر وبضعة أيام ..أيامٌ يحاول فيها لملمة شخصيته وإنسانِيته ودينه ومشاعره، منتظراً الحُكم في قضيته.. منتظراً زيارةً من أهله الذين لم يزوروه بعد، وربما لن يزوروه.. فوقعُ الخبر على مسامعهم ليس أقل من طعنة خنجر مفاجئة، يتمنى أن ينزعها "أيمن" ولو كان بتقبيل قدم أمه ندماً لأنه يعلم أنها الأكثر صعقاً من فعلته، وتكتم الأمرَ زوجتُه وتزوره بعد أن علمت من أخيه الحقيقة، تزوره برفقة طفلها الرضيع وكأنها لا تعلم بشيء لتقول له بعد أن ارتأت الندم في عينيه :"أحب فيك طهرك.. وسأبقى حتى يتوقف قلبي عن النبض".
إلى هنا انتهى الحديث مع "أيمن"..
عميلٌ يعترف..
أما "رامي" فشاب في الخامسة والعشرين من العمر.. بدت شوائب الحزن منثورة على كافة ملامحه، ففي وجهه صفرةٌ لم تكن مصطنعة، وبجسده هزالٌ يكاد يفقده التوازن، وفي كل نقطةٍ تُجسِّدهُ بدا التوتُّر والندم، لم يفكِّر في أن يزوِّر الحقيقة أو بعض الحديث، أو على الأقل هكذا يُفهَم من شكله وأسلوب حديثه فموقفه الذي ورَّط به نفسَه لا يُحسَد عليه.. ووخز ضميره الذي رحَّل من عينيه نعاسَها منعه من التلاعب، بل ودفعه نحو الاعتراف مستغلاً "فتح باب التوبة للمتخابرين مع العدو" بعد أن دخل السجن بتهمةٍ أخلاقيةٍ لن نورد تفصيلها هنا، لكنها بلا شكٍّ مدخلٌ واسعٌ أوقع من خلاله نفسَهُ في شباك العمالة مع (إسرائيل).
حضَن نفسَهُ في زاوية مقعده وشبَّك يديه وأطلق العنان للسانه يروي حكاية "عمالته" قائلاً:"قام (....) بإبلاغ الأمن عني بتهمةٍ أخلاقية كان نهايتها السجن، ومن ثم كان السجن بداية وفرصة الاعتراف النادرة بعمالتي"، ويضيف:"قبل عامين، جاءني اتصالٌ على الجوَّال، من شخصٍ ادَّعى أنه "أبو عمر"..عرض عليَّ المساعدة والتحسين من وضعي المادي، لِيلي هذا العرض تأكيدٌ باتصالٍ آخر بعد أسبوعين ونصف من نفس الرجل، عندها قابلتُه في منطقةٍ حدودية وعرفت أنه ضابط مخابرات، وسلمني 400 دولار دفعةً واحدةً، كان المبلغُ حلماً بالنسبة لي..".
تحت التهديد
وحسب قول "رامي"، فبعد الوعود بتحسين وضعه المادي هدَّده الضابط بخطف والده وقصف بيته إن لم يستجب ويتعاون مع المخابرات الإسرائيلية أو يفكِّر في التراجع، ويبدأ تعاونه مع المخابرات الإسرائيلية ثالث أيام الحرب الأخيرة على غزة، عندما اتصل به الضابط وطلب منه أسماء مجموعة من المقاومين، فكان له ملبياً.
ويزداد التعاون بينهما عندما دلَّه رجل المخابرات الإسرائيلي على أحد البيوت التي تحوي أسلحةً وصواريخ طالباً منه التأكُّد والمراقبة، ليردَّ عليه في الوقت الذي دخلت فيه الأسلحةُ للبيت فعلاً، ومن ثمَّ تمَّ قصف البيت واستشهد اثنان من خارجه من حركة حماس بعد أيامٍ ثلاثة من الإدلاء بالمعلومات، ويتكرّر الأمر في الإدلاء عن بيتين آخرين ليتمّ قصفهما فعلياً.
بعد هذا، كوفِيء "رامي" بمبلغٍ قدره 500 دولار كان كفيلاً لأن يدفعه للاتصال بنفسه على المخابرات الإسرائيلية لطلب المال مرةً أخرى، وهذا ما حدث معه فعلاً.
يقول "رامي":" بعد وجبة عشاءٍ فاخرةٍ لم أعهدها في حياتي أعطاني الضابط هذا المبلغ وطلب مني أن أصرفه في مكانٍ بعيدٍ عن بيتي حتى لا يشكّ أحد بي، وفي الوقت ذاته طلب مني التعرف على أسماء بعض الأشخاص من خلال عرض صور هوياتهم وفعلاً عرفتهم وأدليت له بأسمائهم".
أردتُ قتلَ الضابط!
وينقطع الاتصال مدة ستة شهور بين الطرفين، ثم يعود من جديد.. اتصالٌ، فلقاءٌ حذِر، فوجبة عشاء فاخرة ومن ثم استجواب.. كان في تلك المرَّة يخص الجندي الأسير شاليط وحماس بعد أن جلس "رامي" تحت رحمة جهاز فحص الكذب حسب قوله، ويضيف:"فكَّرتُ في قتل الضابط كي أرتاح من وخز الضمير الذي بدأ يلازمني، لكني لم أجد في الغرفة التي تركني بها شيئاً يَقتُل".
وختام قصة "رامي" مع ضابط المخابرات أن سلَّمه 2000 دولار وطلب توزيعها في أماكن ميِّتة ليكون لغيره من العملاء نصيب!!.. وكالعادة كان طوعاً لهم!.
أمي.. وطفلتي
"رامي" هو بكر أمه والأحبّ لقلبها الضعيف، وهي الأولى التي ضربها في الصميم وخذلها، زارته مع باقي العائلة بعيونٍ باكية وكلمات العتاب واللوم لا تفارق أحدهم:"لماذا فعلتَ ذلك؟".. "لا أعلم.. لا أعلم.."
"لقد خلَّفْتُ معاناةً كبيرةً لأهلي وبالذات لأمي وطفلتي التي لم أرها إلا في السجن وقبلتها مرَّتين فقط فبكيت وبكيت، وها هي زوجتي تحمل العدَّة وتعود لبيت أهلها تنصلاً من عاري.. أنا تائب، سامحوني..".. كانت كلماتٌ أخيرة ختم بها "رامي" قصته بعد أن تمنَّى أن يُدمّر الضابط الذي دمَّره.. بقتله..
صدمة غير متوقعة!
أما ثالث شخصيةٍ في هذا المسار فقد شكَّلت لي صدمةً لم أكن أتوقعها.. رجلٌ في أواخر الثلاثينات، استغل بعض ملامح الوقار التي وُهِبها في وجهه للتستر على فعله المشين.
"جمال".. يستقبل هاتفاً من شخصٍ غريبٍ لم يتعرَّف عليه سابقاً، فيطلب منه المتصل أن يراه في أحد المساجد واعداً أن يخبره عن حقيقته في الغد عند اللقاء.. ومن ثم يقفل الهاتف!.
وقبل خروجه للمسجد لمقابلة هذا الرجل وجد "كبسولة" تحمل 100 دينار على عتبة بيته، ورسالة فحواها أنه تمَّ اصطفاؤه من بين أناسٍ كُثُر.. ليكون هذا اللقاء مدخلاً لإدلاء معلوماتٍ للمخابرات الإسرائيلية ومن ثم قتل مجموعة من القادة وقصف كثيرٍ من البيوت.
بعد أن قبِض على "جمال" لم يكن أمامه سوى الاعتراف والإدلاء بكل ما تورَّط به مع المخابرات الإٍسرائيلية.
..الأخطر
ليس هذا فحسب، فرجلٌ يكاد يبلغ الستين، ليس عرضةً للاتهام أو الشكّ، يقع في فخ العمالة مع المخابرات الإسرائيلية ليساعده على ذلك امتلاكه تصرح خاص وسهولة ذهابه وإيابه لداخل الأرض المحتلة عام 1948، إلى جانب التحويلات المرضية الكاذبة التي كانت مساعداً مهماً له في تسهيل العمالة.
بينما الأخطر من ذلك هو ذاك العميل البالغ 45 عاماً والذي تخصَّص في نقل أجهزة التنصُّت والكاميرات عبر الأدوات البسيطة المستخدمة مثل" باكيت الكلينكس" أو ما شابه ومن ثم تغذية المناطق الميتة!.
مؤشرات النجاح
توجهت "فلسطين"، إلى المهندس إيهاب الغصين المتحدث باسم وزارة الداخلية، لتسمع منه عن نتائج حملة الوطنية لمكافحة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي التي انتهت فعالياتها، حيث أكَّد أن الحملة نجحت بامتياز، مدلِّلاً على ذلك بالتعاون المكثَّف لكافة الجهات والشخصيات والمؤسسات والفصائل الفلسطينية، وسير كافة الجوانب التثقيفية والإعلامية في مسارها الصحيح، إلى جانب تفاعل المواطنين وتقبلهم للحملة، ناهيك عن عدد العملاء الذين سلموا أنفسهم تائبين قبل انتهاء المدة المحدَّدة لإغلاق باب التوبة.
الحملة لن تنتهي حتى وإن أغلِق باب التوبة للعملاء، فهي مستمرةٌ وإن اختلفت في صورتها فطالما بقيت فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي فالأصل أن تستمر بكافة أشكالها
الغصين
بل وإن أكبر دليلٍ على نجاح الحملة هو ما قام به الاحتلال الإسرائيلي من حملاتٍ مضادَّة من خلال الشائعات والحرب النفسية ومحاولات تكثيف الحوافز لدى العملاء.
وأوضح أن المعلومات التي تم الحصول عليها من قبل العملاء ستكون مفتاحاً لملفات جديدة لعملاء آخرين لم يكن أحدٌ يعلم بهم.
وأضاف:"الحملة لن تنتهي حتى وإن أغلِق باب التوبة للعملاء، فهي مستمرةٌ وإن اختلفت في صورتها فطالما بقيت فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي فالأصل أن تستمر بكافة أشكالها".
الأولى من نوعها
من جهته أوضح محمد لافي أحد المسؤولين عن الحملة الوطنية لمكافحة لتخابر أن تلك هي المرة الأولى التي تقوم بها حملةٌ تحمل بعداً شاملاً على الصعيد التثقيفي والتعبوي والإعلامي والنفسي والاجتماعي من أقصى الشمال حتى الجنوب.
ونوه إلى أن المخابرات الإسرائيلية وإن كانت تحمل من الأدوات الفنية ما قد يفوق الكثيرين، إلا أن الأجهزة الأمنية تتفوق على المخابرات الإٍسرائيلية بالإرادة القوية والصمود بوجه إسرائيل من أجل حقٍّ وقضيةٍ تستحق تحمل المخاطر لأجلها.
وأكّد لافي أن المخابرات الإسرائيلية فشلت في المحافظة على عملائها والتي أكَّدت لهم استحالة اكتشافهم، ليُفاجأ بعض العملاء بأنفسهم يقعون في قبضة المخابرات الفلسطينية بعد أن استمروا في التواصل مع المخابرات الإٍسرائيلية في فترةٍ تزامنت مع إطلاق الحملة ظانين أن الشاباك هو من لا يُقهَر ليُثبِت الواقعُ النقيضَ.
ونوَّه إلى أن تلك الحملة كان من المفترض أن تقوم منذ ما يزيد على 62 عاماً وليس اليوم فقط، خاصة وأن العصر المخابراتي نشأ قبل نشوء الكيان.
جيدة ولكنها متأخرة
وعن آراء بعض المواطنين حول هذا الموضوع يقول الشاب محمد مطر:"إن قيام وزارة الداخلية بهذا الحملة لهو أفضل ما قامت به على الإطلاق، لكنها قامت بها بوقتٍ متأخرٍ، فالحرب الأخيرة على غزة أثبتت أن جملةً كبيرةً من العملاء يتخابرون مع العدو الإسرائيلي، وما اغتيال القادة وتدمير البيوت والمساجد إلا دليل واضحٌ على ذلك، ومن ثم كان لا بد من قيام تلك الحملة قبل الحرب".
بينما لم تقبل إيمان عبد العال فعلة أولئك العملاء حتى التائبين قائلةً:"لابد من ردعهم جميعاً وعدم إعفائهم من تلك الأفعال الخيانية وإن عفت المحكمة عن الخائنين فإن أهالي الشهداء لن يعفوا عنهم أبداً".
وتعلق مريم أبو مريم بالقول:"حتى وإن كان العميل يعاني من ظروف نفسية قاهرة أو ظروف اجتماعية أو مادية صعبة فإنها لا تبرر له خيانته بالتعاون مع عدونا الأكبر، فمهما ضعف الإنسان ولان فإن الضمير والعقل يبقيان سيدين للموقف وهما المحركان الأساسيان لأفعال كل إنسان، ومن ثم الحق هو معاقبتهم ليكونوا رادعاً وعبرة لمن لم يعتبر".
نفوس العملاء
أما على الصعيد النفسي فقد أوضح د. فوزي أبو عودة رئيس مجلس بنك الأفكار للاستشارة والتدريب أن هناك ظروفاً قد يتعرض لها الشخص تودي به للانزلاق في وحل هذا العمل المشين الذي لا يُغتفَر، تلك الظروف قد تكون نفسية أو بيئية.
العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي عمل مشين خياني ولا يمكن أن نُجيز للعميل فعلته مهما ألمَّت به المحن والظروف الصعبة، بل إن من المحن ما تبني الإنسان وتصقله وتقوي من دينه وتسمو به للعلا ولا تلقيه في مستنقعٍ موحِل
د.أبو عودة
وأضاف:"العمالة مع المخابرات الإسرائيلية عمل مشين خياني ولا يمكن أن نُجيز للعميل فعلته مهما ألمَّت به المحن والظروف الصعبة، بل إن من المحن ما تبني الإنسان وتصقله وتقوي من دينه وتسمو به للعلا ولا تلقيه في مستنقعٍ موحِل".
ولكن هناك نفوسٌ مريضة تأبى إلا أن تقوم بما يرفضه الدين والمجتمع بل ويدمره، ومن ثم فإن التربية الخاطئة من الأساس تلعب دوراً كبيراً في تشكيل شخصية الإنسان التي قد تقوده للالتحاق بمثل هذا العمل والوقوع في مثل تلك الجريمة حسب د. أبو عودة.
وذهب إلى القول:"حتى وإن كانت التربية الأولى غير سليمة فإنها ليست مبرراً لهذا الفعل حيث خلق الله للإنسان عقلاً مفكراً قادراً على التمييز بين الصواب والخطأ، عقلٌ تحدَّى الله تعالى به ملائكته".
ويضيف:"فالأصل أن هذا الإنسان لا يمتلك الركيزة الإيمانية الأولى التي ينهل منها الصواب، ومن ثم تجد أن الظروف تؤثر عليه في أوقات ضعفه كضيق الحال وقلة المال، أو الانزلاق في القضايا الأخلاقية أو رفقة أصدقاء السوء أو تفكك العلاقة مع الأهل والوالدين خاصة، وهذا ما تحرص عليه المخابرات الإسرائيلية فهي تستغل وجود ثغرةٍ في نفس الإنسان وتلعب لعبتها الحقيرة عليها".
إلا أن الأمر لا يتوقف عند القبض على العميل أو توبته ومن ثم المثول للعقاب فتجد الكثيرين من الناس ينبذون أهل العميل أو أولاده وهذا ما تحدث فيه د. أبو عودة متسائلاً:" ما ذنب أهل العميل وأولاده؟ إن الذنب على العميل نفسه "ولا تزر وازرة وزر أخرى" خاصة وأن العميل يعمل في بوتقةٍ سريةٍ مع نفسه والمخابرات الإسرائيلية، بمعنى أن أحداً من أهله لا يستحق العقاب بمعيته"، وفي صرخةٍ أخيرةٍ للمجتمع يقول:"رحماك، رحماك بأهل هؤلاء..".
وماذا الآن؟ فإن نجحت المخابرات الإسرائيلية في قنص مجموعة من ضعاف النفوس وسوقهم إليها بالأموال والوعود الخارقةٍ أو غيرها فإنها لن تنجح مجدداً.. خاصة وأن ملامح فشلها برزت واضحةً من أول حملةٍ لمكافحة التخابر مع العدو، وإن كان الوصول لأولئك سهلاً فمن الصعب الصمود في وجه أصحاب القضية والحق.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





