غزة- صفاء عاشور
تعد رياض الأطفال أحد أهم الإنجازات التربوية التي تحظى برعاية واهتمام القائمين على وزارة التربية والتعليم من منطلق كونها مرحلةً تمهّد للطفل دخول "عالم" المدرسة.. فيتحقق له من خلالها النمو السليم المرفق بالتربية الواعية, إضافةً إلى دورها الواضح في إكسابه مهارات وقيم متنوعة على رأسها "الاستقلالية والثقة في النفس" عن طريق هوايته الأساسية "اللعب"..
وتكمن أهمية الحضانات ورياض الأطفال في كونها مرحلة مهمة في سبيل تعويد الطفل على البعد عن تبعية الأم التي اعتمد عليها طوال سنيّ عمره الماضية، كما أنها تعدّ متنفساً يومياً له بعيداً عن ضيق شقة أهله أو عدم وجود المساحات الكافية أمامه للّعب والجري، فتأتي الروضة لتتيح للطفل ذلك من دون قيودٍ أو حدود –إلا من مربّين أقسموا أن يصونوه ويحموه..
ولكن.. في مجتمعنا، يخشى كثير من أولياء الأمور إلحاق أطفالهم بدور الحضانة أو رياض الأطفال في سنٍّ مبكرة، دون أن يعلموا أنهم بذلك يحرمونهم اكتساب مهاراتٍ لغويّة وإدراكية ستظهر قيمتها على مقاعد الدراسة في الصفوف الابتدائية الأولى..
وقد يقول قائل :"صفّا الروضة والتمهيدي لا يتعلقان مطلقاً بالتعليم الأكاديمي الصرف, وإنما يؤسسان للمرحلة اللاحقة من الدراسة الفعلية.. ولذلك فأهميتهما ليست بهذا الحجم".. ولكن هل هذا صحيح؟؟ التقرير التالي يحمل الإجابة:
يخشى كثير من أولياء الأمور إلحاق أطفالهم بدور الحضانة أو رياض الأطفال في سنٍّ مبكرة، دون أن يعلموا أنهم بذلك يحرمونهم اكتساب مهاراتٍ لغويّة وإدراكية ستظهر قيمتها على مقاعد الدراسة في الصفوف الابتدائية الأولى
خوفٌ لا بد منه
لاحقها كظلّها، بدا التوتّر واضحاً في عينيه الصغيرتين.. فغداً أول أيام السنة الدراسية، وهو ينظر إلى حقيبته و"الزمزمية"، وكراسته التي رسمت عليها بعض شخصيات الكرتون... اقترب من أمه وبدأ يبكي، ثم رمى بجسده في حضنها.. "أمي لا أريد أن أذهب غداً إلى الروضة.. أرجوكِ.. لقد أخبرني ابن عمي جميل أن المربين في الروضة يستخدمون العصا في العقاب"... ثم كيف سأعود إلى البيت بمفردي؟؟ أنا ما زلت صغيراً، ولماذا ستبقى أختي رغد معكِ في البيت؟.
طمأنت الوالدة طفلها الصغير, وأخبرته أن "الروضة" مكان رائع سيجد فيه الأصدقاء والمرح والتسلية, كما أنه سيتعلم أموراً جديدة.. وقالت له :"سأذهب معك غداً لأوصلك, وسأحضر عند موعد عودتك لآخذك حتى يحفظ الطريق, فلقد أصبحت كبيراً وعليك الاعتماد على نفسك أكثر من قبل".
وقد يعبر بعض الأطفال عن المخاوف التي تراودهم عند خروجهم من المنزل والاختلاط بعالم لا يعرفونه مثل الروضة أو المدرسة بالبكاء أو الصراخ، ولكن في الوقت ذاته نجد أطفالاً يأخذهم الحماس إلى مخالطة "حياة الروضة", وهذا يختلف من طفل إلى آخر باختلاف عمر الطفل وخبراته وتمهيد أهله له مزايا تلك المرحلة, فانفصال الطفل عن والديه وذهابه إلى "عالمٍ يجهله" أمر ليس باليسير أبداً..
ضرورة لا بد منها
الاختصاصية النفسية والإكلينيكية وعضو شبكة حماية الطفولة أ. عايدة كساب, سردت لـ "فلسطين" أن لمرحلة "الروضة" أهمية كبرى في بناء شخصية الطفل، فهو –تبعاً لما قالت- يتعلم الابتعاد عن الأم بسهولة أكثر ويودعها على أمل لقائها بعد ساعات قليلة دون نوبات بكاء أو صراخ، كما أنه يصبح قادراً على التأقلم مع المجتمع الجديد والتعبير عن أحاسيسه.
كما أنه يكون أكثر استقلاليه ويواجه المشكلات بمفرده دون طلب المساعدة من والديه، كما أنها تعلم الطفل أسس العلاقات العامة مع الآخرين, والتي تعتمد على القدرة على التعبير بشكل جيد, وتؤسس لعملية المشاركة في الحوارات, حتى يصبح لدى الطفل القدرة على تكوين جمل مفيدة وطرح الأسئلة, وعملية التواصل مع الآخرين من خلال الإصغاء والاستماع إلى ما يقولونه.
ولفتت إلى أن الروضة تكمل وظيفة الأسرة في التربية والتعليم, وتتيح للطفل فرصة كي يتفاعل اجتماعياً ويخرج من نطاق التعامل مع أسرته فقط إلى نطاقٍ أكبر يتمثل في الأصدقاء, كما تهيئ الطفل قبل التحاقه بالمدرسة من حيث مستوى النمو اللغوي والتعلم والمهارات الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين.
تعلق مرفوض
وقد يتعلق الطفل, بفطرته, بأمه بشده, ويزيد هذا التعلق يوماً بعد يوم حتى يصل إلى عدم قدرته عن الانفصال عنها أبداً, تقول كساب:" ينصح أن تنتبه الأم لهذه النقطة وأن تعلق طفلها الشديد بها يجب أن يقل تدريجياً استعداداً لدخوله مرحلة جديدة في حياته وهي مرحلة التعليم وذهابه إلى المدرسة", متابعة:" ولا يتحقق هذا التمهيد للطفل إلا من خلال التحاقه بدار حضانة في سن مناسبة بعد أن يقضي الفترة الأولى من عمره فقط مع أمه".
لمرحلة الروضة أهمية كبرى في بناء شخصية الطفل، حيث يتعلم الابتعاد عن الأم بسهولة أكثر ويودعها على أمل لقائها بعد ساعات قليلة دون نوبات بكاء أو صراخ، كما أنه يصبح قادراً على التأقلم مع المجتمع الجديد والتعبير عن أحاسيسه
أ. كساب
وبينت أن السن المثالية والمناسبة لترك الطفل في دار الحضانة هي سن ثلاث سنوات على الأقل, حيث يستطيع الطفل في هذه السن أن يتكلم, ويعبر عما يريده أو عن أي مشكلة يشعر بها.
ولفتت إلى أنه في بعض الظروف تضطر الأم إلى أن تُلحق طفلها بالحضانة قبل سن ثلاث سنوات, وفي هذه الحالة يجب أن تنتبه الأم لنقطة هامة وهي أنه كلما صغر سن الطفل وجب أن يقضي في الحضانة ساعات أقل, وباقي اليوم يكون مع أمه.
ففي حالة الأم العاملة –تتابع كساب- التي ربما تترك طفلها في سن العامين أو العام والنصف لا يمكن أبدًا أن تتركه من الثامنة صباحًا إلى الرابعة عصرًا، بل تكفي 4 ساعات يوميًا في هذه السن؛ لأنه كلما كانت سن الطفل صغيرة كان احتياجه لأمه أكبر؛ فالطفل ذو العامين يكفيه قضاء نصف اليوم في الحضانة يلعب ويتفاعل مع أصدقائه ويتناول وجبة، ثم ترعاه أمه باقي اليوم.
وتستطيع الأم العاملة أن تؤقلم نفسها على هذا الوضع إلى أن يكبر طفلها قليلا ويفهم أموراً كثيرة حوله ويكتسب الاستقلالية، عندها تستطيع الأم أن تزيد من الوقت الذي تتركه فيه في الحضانة.
شروط ضرورية
وحول الشروط اللازم توافرها فى دار الحضانة أو الروضة, قالت كساب:" إن على الأم أن تسأل عن مؤهلات الحضانة التي تضع فيها طفلها، وتدقق فيها قبل أن تلحق طفلها بها, مثل المكان, المعلمة, الطعام, العناية, وغيرها من الأمور.
وأوضحت أن المكان هو المساحة التي يقضى الطفل فيها وقتاً في الروضة, مثل الحديقة التي يلعب فيها, وغرف الدراسة التي يقضى فيها وقتاً كبيراً من اليوم, مشددة على أن الروضة يجب أن تحتوي على مساحات واسعة لحركة الطفل, بالإضافة إلى ألعاب وعربات ودراجات صغيرة, "لأن طفل الروضة لا يشغل تفكيره في البداية إلا المرح واللعب والاستمتاع بالوقت".
وبعد المكان يأتي أهم جزء في شروط اختيار الحضانة، وهو المعلمة؛ لأن هذه المعلمة تعد الأم البديلة للطفل، التي يقضي معها جزءًا كبيرًا من اليوم, فيكون لها دور كبير في تكوين شخصيته؛ "وكثيرًا ما نسمع من الأمهات أنهن بعد إلحاق أطفالهنّ بالحضانة يعود الطفل لأمه بسلوكيات خاطئة ومعلومات معرفية غير صحيحة، وتكتشف الأم أن هذه المعلمة لم تكن ذات كفاءة لرعاية طفلها وتعليمه، ولكن للأسف بعد فترة كبيرة يكون الطفل قد قضاها مع هذه المعلمة".
هناك شروط لا بد من توافرها لدى معلمة الروضة
منها أن يكون لديها المعرفة المطلوبة بحقائق نمو الطفل واحتياجاته النفسية والمعرفية، وما الذي يناسبه والذي لا يناسبه
لذلك هناك شروط لا بد من توافرها لدى هذه المعلمة, كأن تكون تربوية؛ ليكون لديها المعرفة المطلوبة بحقائق نمو الطفل واحتياجاته النفسية والمعرفية، وما الذي يناسبه والذي لا يناسبه, بالإضافة إلى توافر الخبرة, فلا بد أن تسأل الأم هذه المعلمة عن خبرتها.
ونوهت إلى ضرورة السؤال عن سلوكيات المعلمة مع الأطفال، وإن كان التأكد من ذلك أمرًا صعبًا إلا أنه ممكن بطريقتين:الأولى: سؤال من تصادفينه من أولياء الأمور الذين اختاروا أن يسجلوا أولادهم في هذه الحضانة عن سلوكيات المعلمات مع الأولاد في الحضانة (هل يضربن الأولاد؟ هل يتعاملن معهم بحب وود, أم يعبسون ويصرخون في وجوههم كلما أخطؤوا؟ (...) مستوى نظافة المعلمات...)، أما الثانية: فبالمراقبة؛ وذلك بالتواجد فترة زمنية في الحضانة لملاحظة سلوكيات المعلمات، والتعرف عليهن بصورة أكثر قرباً.
جدير بالإشارة أن الطفل في هذه الفترة يكون مستعداً لاستقبال كل ما يعطى له, ويتميز كذلك بسرعة الاكتساب والتخرين, فما ينطبع في المخيلة في الصغر يصعب حذفه من ذاكرة الطفل فيما بعد, وهنا تكمن أهمية اختيار دار الحضانة المناسبة للطفل الذي هو أمل المستقبل.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





