غزة- صفاء عاشور/فاطمة الزهراء العويني
دخَل شابٌّ على رسول صلى الله عليه وسلم، قائلا : يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فناله من الصحابة الذين وقع عليهم طلبه كالصاعقة، سيل من التقريع والتأنيب، أما الرسول الكريم فأدرك أن مشكلة الشاب وانحرافه لن يُقَوَّم بالزجر والوعيد والتقريع، فقال له: ((ادنُ))، فدنا منه الشابُّ.. فقال له: ((أتحبُّه لأمِّك؟))، فانتفض الشاب غَيْرَةً على أمِّه وقال: "لا والله، جعلني الله فداءك"، فقال له: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم))..
ومضى النبيُّ يستثير الغَيْرَةَ في صدر الشاب: ((أفتحبُّه لابنتك؟))، فأجاب الشاب: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، فأجابه النبي بمنطقية المربّي: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم)).. فما كان من الشاب سوى أن استبشع فِعلة الزنا، وتراجع عن إصراره عليها بحكمة رسول البشرية صلى الله عليه وسلم..
تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم المحنك مع هذا الشاب، يرسم لنا منهاجاً نبوياً قد لا يفقه الكثيرون أبجدياته، في التعامل مع المخطئ، وفي بعض الأحيان قد يجرنا تعاملنا غير السليم معه إلى معالجة خطئه بآخر أكبر منه.. لا بل ودفعه إلى تكراره أو تطويره إلى "جريمة"... فما هي الآليات الصحيحة لمعالجة الخطأ؟ هذا ما نجيب عنه في سياق تقريرنا التالي:
عاقبه ..فانتحر
تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحالة السابقة اختلف بالكلية عن تعاطي أحد الآباء مع خطأ ارتكبه ابنه، إذ كسر الأخير زجاج النافذة بالكرة، فأسرع والده إليه وتناول عصا غليظة من الأرض، وأشبعه ضرباً على يديه وسائر جسمه، ولم يشفع للطفل الصغير بكاؤه وصراخه.. وبعد أن أفرغ الأبُ غلّه، جرّ الولد قدميه إلى فراشه شاكياً الإعياء والألم.. وأمضى ليله فزعاً.
أصبح الصباح وجاءت الأم لتوقظ ولدها, فرأت يديه مخضرتين فصاحت في الحال.. وهبّ الأب إلى حيث الصوت وعلى ملامحه أكثر من دهشة.. وقد رأى ما رأته الأم.. فنقله إلى المستشفى وبعد الفحص قرر الطبيب أن اليدين متسممتان وتبين أن العصا التي ضرب بها الأب ابنه، كانت فيها مسامير قديمة أصابها الصدأ, مما أدى ذلك إلى تسرّب السمّ إلى جسمه، فقرر الطبيب أن لا بدّ من قطع يديّ الطفل حتى لا يسري السمّ إلى سائر جسمه.
لم يجد الأب حيلةً إلا أن يوقّع على إجراء العملية فبترت كفا الطفل وبعد أن أفاق من أثر التخدير نظر إلى يديه ثم عقّبها بنظرةٍ "متوسّلة" إلى أبيه متمتماً بقسم :"والله لن أكسر شيئاً بعد اليوم.. أرجوك أعد إليّ يدي".. لم يتحمل الأب الصدمة وضاقت به السُبُل فلم يجد وسيلة للخلاص والهروب إلا أن ينتحر, فرمى بنفسه من أعلى المستشفى وكان في ذلك نهايته.
نفسيته ساءت
أما م .أ (12 عاماً) فبعد أن سرق من جيب والده مبلغا قدره خمسون شيقلاً بغية الذهاب مع أصدقائه إلى أحد المطاعم، وبمجرد اكتشاف والده ذلك، انهال عليه بالضرب، وامتنع عن الحديث معه مدة أسبوعين، طالباً من جميع من في البيت مقاطعته وعدم الحديث معه نهائياً ، فما كان من الطفل سوى أن أصيب بحالة اكتئاب حاد، استدعت خضوعه لعلاجٍ نفسي مطول.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا عزيزي القارئ "أما كان تبيان خطأ الطفل له بأسلوبٍ توعوي، ديني.. أقدر بكثير على معالجة خطئه من كل ما حدث؟".
هكذا كان جزائي
أما سناء .ن التي مر على زواجها عشر سنوات تقريباً، فقد اعتادت طيلة هذه الفترة على مسامحة زوجها على كل خطأٍ يرتكبه بحقها، فتارةً كان يضربها لأتفه الأسباب، وأخرى يسبها وأهلها، أو يتعامل بوحشيةٍ مع أبنائه.. وكانت تبرر ذلك: بأن حبها له أكبر من كل أخطائه".
وها هي الآن تعضّ أصابعها ندما على تعاملها غير السليم مع أخطائه، تقول عن ذلك : "كانت هناك أمور لا تقبل الصفح مطلقاً، لكنني تجاهلتها للحفاظ على بيتي، لكن ذلك زاد في طغيانه حتى توّج أخطاءه بالزواج من أخرى، وإهمالي نهائيا واليوم أتمنى لو تعاملت مع أخطائه بطريقة أكثر حكمة ولكن قد فات الأوان".
سلوك بشري
الخطأ سلوك بشري لا بد أن نقع فيه كلنا، سواءً كنا حكماء أو جهلاء.. لكن العبرة هي في كيفية تعاملنا معه... بحكمة أم برعونة.. كيف نتصرف مع الشخص المخطئ؟ يجيب مهندس التربية البشرية م.مهيب أبو القمبز: " يحتاج الإنسان بين وقت وآخر إلى مراجعة أساليبه في معالجة الأخطاء, والأهم أن يسير خلف قاعدة.. اللوم لا يأتي بخير غالباً"، مضيفاً :"اللوم كالسهم القاتل، ما أن ينطلق حتى تردّه الريح على صاحبه فيؤذيه، ذلك أن اللوم يحطم كبرياء النفس".
يحتاج الإنسان بين وقت وآخر إلى مراجعة أساليبه في معالجة الأخطاء
والأهم أن يسير خلف قاعدة.. اللوم لا يأتي بخير غالباً، اللوم كالسهم القاتل ما أن ينطلق حتى تردّه الريح على صاحبه فيؤذيه، ذلك أن اللوم يحطم كبرياء النفس
ونوه إلى أنه في بعض الأحيان لا يشعر المخطئ بالخطأ الذي ارتكبه, فكيف نوجه له لوماً مباشراًَ وهو يرى أنه مصيب؟, ولا يتم ذلك إلا بعد إزالة الغشاوة عن عينيه ليعلم أنه على خطأ.
وأكد أهمية استخدام العبارات اللطيفة في إصلاح الخطأ, (مثل أن نقول للمخطئ "لو فعلت كذا لكان أفضل", "ما رأيك لو تفعل كذا.." وغيرها من الجمل التي ستكون أفضل بكثير من قولنا" يا قليل الأدب..ألا تسمع..ألا تعقل.. أنت مجنون..).
وأشار إلى أن الجدال في معالجة الأخطاء أعمق أثراً من الخطأ نفسه, "فالجدال قد يسبب هزيمة المصيب, لأن المخطئ قد يربط الخطأ بكرامته فيدافع عن الخطأ بكرامته فيجد في الجدال متسعاً ويصعب عليه الرجوع عن الخطأ.. ومن هنا لا يجب أن نغلق عليه الأبواب ولنجعلها مفتوحة ليسهل عليه الرجوع".
رفقاً بالمخطئين
وقال أبو القمبز: "يجب على من يواجه المخطئ أن يضع نفسه مكانه ويبحث عن الحل في مشكلته, وأن يفكر في وجهة نظره وفي الخيارات الممكنة، التي يمكن أن يتقبلها ويختار منها ما يناسبه".
وتابع: "عندما يخطئ الإنسان فقد يكون من المناسب في تصحيح الخطأ، جعله يكتشف الخطأ بنفسه ثم يكتشف الحل بنفسه, والإنسان عندما يكتشف الخطأ ثم يكتشف الحل و الصواب فلا شك أنه يكون أكثر حماساً لأنه يشعر أن الفكرة فكرته هو, ولم تفرض عليه من قبل شخص آخر".
وشدد على ضرورة أن تتم معالجة الخطأ بالرفق لقوله صلى الله عليه وسلم (ما كان الرفق في شيء إلا زانه, وما نزع من شيء إلا شانه), فبالرفق نصلح الخطأ، وفي الوقت ذاته نحافظ على كرامة المخطئ.
تتم معالجة الخطأ بالرفق لقوله صلى الله عليه وسلم "ما كان الرفق في شيء إلا زانه
وما نزع من شيء إلا شانه"
وبين أن الكلمة القاسية في العتاب تقابلها كلمة طيبة مرادفة تؤدي المعنى ذاته, مع العلم أن الكلمة الطيبة تؤثر إيجاباً, والكلام القاسي لا يطيقه الناس ويكون له تأثير سلبي.
لا تبحث عن الأخطاء الخفية
وشدد أبو القمبز على أهمية ذكر جوانب الصواب حتى يتقبل الآخرون النقد الموجه إليهم, على أن يشعروا بالإنصاف خلال نقدهم, فالإنسان المخطئ قد يكون في عمله نسبة من الصحة لا يجب أن نغفلها, مشيراً إلى عدم التفتيش عن الأخطاء الخفية لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن تتبع عورات المسلمين.
ولفت إلى أنه يجب الاستفسار عن الخطأ مع إحسان الظن, فعندما يبلغك خطأ عن إنسان تثبت منه واستفسر عنه مع حسن الظن به, حتى تشعره بالاحترام والتقدير, كما سيشعر هو بالخجل وأن هذا الخطأ لا يليق به, ويجب أن نتذكر أن الناس يتعاملون بعواطفهم أكثر من عقولهم, وأن معالجة الأخطاء فن يجب أن يدرك كل واحد منا أهميته.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(1) تعليق العنف خطا بولد مشكلة اكبر لو الاب يفهم الولد والزوج يفهم زوجتة من خلال الحوار العاقل الهادي المتزن لما جرىالطرفين يفهمو بعض وينورة عقولهم اما اذا تم التعامل مع الموضوع بعنف رح يصير مشاكل مالها اول من اخر :.................
تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





