غزة- هدى بارود
غطّت الوالدة رأس طفلها الرضيع بشالِ أبيض، وعند رأسه جلست تغني له بحنان لينام، فهو منذ حلَّ الصيف لم ينم ليلة "هنية"، إذ إن جسده ملأته قرصات البعوض الذي يغزوه ليلا، وتشتد لدغاته في الظلام، ولأن جسده الصغير طري وناعم كان هدفا جيدا "لماصات" الدماء.. غطت البقع الحمراء وجه محمد ويديه الصغيرتين ومنعته "الحكة" التي لا يستطيع "فِعلَها" من الإغفاء، ففتح فمه باكياً وصارخاً..
الوالدة تستيقظ كل ليلة فَزِعة على صراخ طفلها، ولأنها لم تعرف أنه تعرض لهجوم من بعوضة تحوم حوله، كانت تظنه جائعاً أو بحاجة لتبديل حفاضه، فبقيت طوال الليل برفقته تهدئ روعه وتُسكت صراخه.. حتى أشرقت أنوار الصباح ورأت بوضوح الإصابات التي أبكت رضيعها..
الإصابات التي تركها البعوض علّمت بوضوح على وجه الطفل، الأمر الذي دفع والدته إلى استعمال شالها الأبيض كدرع حماية تدرأ عن محمد بواسطته شر البعوض.
ليلا "يهاجم"..
قالت حليمة شلوف لـ"فلسطين" وهي تهم بتدليك وجه طفلها بمرهمٍ مسكّن إثر قرصات البعوض :" كل ليلة على هذه الحال، لا ينام محمد ولا أنام معه، والسبب.. البعوض الذي يُعشش في البيت رغم أنني أغلق نوافذه قبل المغرب، وأحرص على استعمال مبيد الحشرات بين فترة وأخرى".
مشكلة شلوف أن منزلها يُطل على أرض زراعية، وبئر ماء قديم، تنمو فيهما "أسراب" البعوض بشكل كبير، فهي كل صيف تتخذ إجراءات حازمة للقضاء عليه، وتعلن عليه حرب الإبادة، ورغم أنها لم تمارس عادتها بمطاردة البعوض هذا العام لأنه وفق رأيها "أقل وجودا"، إلا أن طفلها يعاني منه.
تضيف :" أشتري كل أنواع مبيدات الحشرات قبل الصيف، وأبدأ برش الشجر المحيط بالمنزل خاصة شجرة الجوافة التي تقترب فروعها من شبابيك مطبخي، ورغم أنها لا تختفي نهائيا إلا أن خطرها تقريبا يختفي"، مشيرة إلى أن أكثر ما يقلقها هو تعشيش البعوض في غرف منزلها.
وفي سياق آخر اشتكى عدد من سكان المناطق القريبة من البرك الصحية في محافظات الجنوب والشمال، إذ إن قرب منازلهم من برك الصرف الصحي جعلتهم أكثر عرضة لقرصات البعوض وهجماته الليلية.
معين أبو شاويش الذي يسكن المواصي في خانيونس اشتكى لـ"فلسطين" من تزايد أعداد البعوض وشراستها قائلا :" ما أن يأتي الصيف حتى تنطلق جماعات البعوض وتهاجم المنازل القريبة من البرك الصحية، مما يدفع الناس لرش المنطقة كاملةً بمبيدات حشرية تؤثر على صحة الأطفال والمرضى في الأغلب".
أبو شاويش يُغلق نوافذ منزله قبل حلول الظلام ويحرق أقراص طرد البعوض في أغلب غرفه، إلا أن تواجد البعوض في منزله لا تقل أعداده، يتابع :" لم يعد يتقيد البعوض بالليل، إذ إن أعدادا منه تهاجم البيوت نهارا".
خطرها قاتل!!
والبعوض عزيزي القارئ حشرة تعيش على امتصاص الدم، عن طريق أنبوب حاد يثقب الجلد بسهولة وبمضختين صغيرتين تمصان الدم، وحتى لا يتخثّر الدم في البعوضة ترشُ عليه بعض لعابها ليسهل مصه.. ويحمل لعاب البعوضة بالمناسبة طفيل الملاريا القاتل، فكل لدغة بعوضة بقطر مليمترات يحمل ما يقارب خمسين ألف طفيل ملاريا.
ورجوعاً إلى آراء الناس، خالفت اعتماد الفرا كلام أبو شاويش، إذ إنها ترى أن نسبة البعوض هذه السنة أقل من السنوات الماضية، عن ذلك تقول :" لابتعاد منزل عن البرك الصحية أجد أن أعداد البعوض أقل هذه السنة، وهذا مؤكد، رغم تعرضي للدغ أكثر من مرة في وجهي وذراعي".
أكثر ما يثير استغراب الفرا أن بعوضة قرصتها في وريد يدها اليمني مما جعل أبناءها يظنون أن والدتهم "سحبت دم" عند طبيب، إذ إن منظر اللدغة "المزرق" كان أشبه بذلك المنظر الذي تبدو عليه اليد التي يسحب الدم منها لاختبار طبي، علقت ضاحكة :" البعوض محترف ولدغته لدغة طبيب يعرف من أين تؤكل الكتف".
ومن الجدير بالإشارة، أن البعوض لديه قدرة هائلة على شم الروائح وتحسس الحرارة والأشعة غير المرئية، مما يسهل عليها تحديد أهدافها على بعد مسافات بعيدة، فهي أشبه بماكينة متطورة إلى حد الخيال..
تتابع شلوف :" لا طريقة جذرية للتخلص من البعوض، رغم ذلك يمكن التقليل من ضرره برشه بالمبيدات الحشرية واستعمال الطرق الطبيعية التي أصبحت مجدية والإقبال عليها معقول".
يشاركها الرأي كامل أبو حجير والذي يسكن في قرية المغراقة التي تقترب من وادي غزة، يقول عن البعوض الذي يهاجم بيته ليلا :" أعاني كثيرا من الحكة التي تصيب جسدي ليلا إثر قرصات البعوض، وللأسف كلما تعالجت تعاودني القرصات المتعبة وتؤذي جسدي".
والبعوضة حشرة قارصة تمر في نموها بعدد من المراحل كالفراشات، ولها عدد من الأنواع منها المسببة لمرض النوم، والتي تسمى (تسي تسي)، وتضع أنثى البعوض عدداً من البويضات تتراوح ما بين 100 إلى 200 في 7 أو عشرة أيام، وتفقس البويضات في بيئة رطبة، وعلى وجه الماء كالبرك وخزانات الماء والأراضي الزراعية، وهي تحتاج لأشهر حتى تفقس.
يرقاتها ضعيفة
بلديات غزة كافحت البعوض قبل انتشاره باستخدام مواد كيميائية مختصة، وساعدت مكافحته على قتل أعداد كبيرة منه، وتقليل أعداده هذا العام، تبعاً لمدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية غزة عبد الرحيم أبو القمبز الذي أكد أن بلديات القطاع حاربت البعوض قبل الصيف.
وقال :"جهزت البلدية خطة كاملة لمكافحة البعوض تبدأ بالقضاء عليها في برك الصرف الصحي ووادي غزة ومن ثم الأحياء بشكل عام، وبالفعل نفذت الخطة وأثمرت نتائجها بتقليص أعداد البعوض".
استعملت البلديات في غزة، خاصة بلديتي النصيرات وبيت لاهيا مادة BTI الكيميائية، والتي تقضي على يرقات البعوض الطافية على سطح الماء، عن ذلك يقول أبو القمبز :" حاربنا البعوض في مرحلة اليرقة، والتي يسهل بها القضاء عليه، إذ إنها مرحلة النمو من البيضة إلى الحشرة الكاملة، وتكون في هذه الحالة غير قادرة على الطيران، ويسهل القضاء عليها".
وتابع :" كانت الخطوة الأولى للتخلص من الحشرة هو تنظيف مأواها والقضاء عليها فيه، بتنظيف بالوعات المياه ومنع تجمع المياه بالقرب من المنازل، ومنع تبرك المياه في أحواض النباتات".
وأشار إلى أنه من الممكن تربية بعض الأسماك التي تتغذى على يرقات البعوض، والحفاظ على بعض أنواع الخنفساء والتي تتغذى أيضا على اليرقات، ناهيك عن تنظيف آبار المياه وخزاناته باستمرار.
وقال :" عدا عن خطوات المكافحة، يمكن للعائلات أن تتبع أسلوب الحماية والوقاية، بتركيب شبك على شبابيك المنزل، الأمر الذي يقيهم من هجمات البعوض وتسلله إلى منازلهم"، مضيفا :" لو سدت العائلات فتحات التهوية في منزلها، وبالوعات المجاري والتي يمكن أن يتكاثر فيها البعوض، لقننت من أعدادها في منازلهم".
"مكافحة" مُرضية..
وأكد أبو القمبز أن مكافحة يرقة البعوض في غزة كانت نتيجتها مرضية إذ إن أعداده تقلصت في عدد كبير من المدن والمخيمات في غزة، وعن شكوى بعض الناس من البعوض رد :" لا شك أن عدداً من جماعات البعوض نجت من المكافحة، ولكن هي أعداد قليلة، خاصة وأن برك الصرف الصحي ووادي غزة طهرناهما قبل الصيف، وما يشتكي منه المواطنون يكون نتيجة سوء انتباه من جانبهم، إذ إنهم لا يهتمون بخزانات المياه التي تحتوي عادة على أعداد لا بأس بها من يرقات الحشرة".
ونصح أبو القمبز العائلات التي تشتكي من الحشرة بالتوجه إلى البلديات "التي لن تتوانى عن خدمتهم ومساعدتهم في التخلص منها"، وفق رأيه.
وعن طرق التخلص من الحشرة الكاملة قال :" في غزة نتخلص من البعوضة الكاملة بالمبيدات الحشرية، لأنها الأكثر توافرا في القطاع، ورغم ضررها إلا أنها تحقق نتائج مرضية، خاصة وأن الطرق الأخرى غير متوفرة، نظرا للحصار المفروض على القطاع".
ومن الطرق التي طالعتها "فلسطين" عزيزي القارئ ورغبت في مشاركتك بها، هي القضاء على البعوض بسائل الغسيل، والطريقة باختصار هي أن تجهز صحنا بقليل من الماء وتضيف له قطرات قليلة من سائل غسل الصحون ذي رائحة الليمون، ولأن البعوض ينجذب لرائحة الليمون سيشرب من الماء ويموت، في مسافة لا تتعدى الثلاثة أمتار.
ومن الأمور التي يجب أن نشير لها أن أنثى البعوض هي التي تتغذى على الدم فقط، بينما يتغذى الذكر على رحيق الأزهار، ويعود السبب إلى أن بويضات البعوض تحتاج لمادة الهيموجلوبين الموجودة في الدم لتنمو.
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





