غزة- هدى بارود
اجلس "براحة" أيها المُغرر بك، وعلى ضوء شمعة في الظلام "أنصت".. هُنا توزع الأدوار، مَن يريد "السجن" العاجلَ لعام وأكثر فليتقدم خطوة، ومن يرغب بحرمان عينيه من الحرية لثلاثِة أشهر وتزيد مكانهُ في الخلف.. فأنا "شيطانُ" الغواية جئتك اليوم بلباس "العابد".. أفتحُ ذراعيّ واسعا لأسحبك.. نارُ "جهنم" في الآخرةِ تنتظرنا و"جنةُ" الدنيا "مزيفة" عندي.. فَأقبل!!
الطريقة سهلة جدا.. امسك الورقة النقدية الحقيقية ببركة الله في يمينك.. وعلى هيئتها اصنع أخرى مزيفة، بقدر ما تشاء، تحايل بالمبلغ على "الخَلق".. وإن أمسكتك الشرطة قُل إن "أصحابكَ في العريش طلبوا منك آلاف الدولارات المزيفة ليزينوا بها موكب العُرس".. لا بأس إن كذبت، فهو حلالٌ في مواضع، وإن صدقك الناس فهذا خطأهم وسذاجتهم لا عيبك!!..
انفضّت الجلسة على ضوء الشمعة، وتوهج "الغباء" في قلوب حاضريها حتى أنهم باتوا يخططون لطريقةٍ تساعدهم على تنفيذ خطة "إبليس".. ثلاثتهم اتفقوا على أن يوزعوا المهام، فأولهم وهو الأصغر عمرا موكلٌ بتحضير المبلغ المزيف، والثاني متوسطهم "ساعي" كالبريد يوصلها من يدِ ليد.. والثالث "رأس الحربة" وصاحب "السوابق" يُروجها..
بالفعل تمت المهمة بـ"بنجاح" فاشل.. فأكثر من 20 ألف دولار مزيفة من فئة المائة دولار جهزها كاملٌ، وسلمها رائد لممدوح، فوزعها الأخير مستبشرا بثروة لا بأس بها تأتيهم على طبق من "ذهب".. فلم يكن يعلم الشباب الثلاثة أن الله سيذهب بنورِ "ضلالهم"، ليظهر الحق ويزهق الباطل، وأنه تعالى سيبعث الشرطة "جنودا" لإلقاء القبض عليهم، والتحفظ على "ثروتهم".
في مكتب مدير مباحث "خانيونس" قابلناهم، تبدو الرهبة على وجوههم واضحة، والخوف يقفز من عيونهم بارتياب، وتعتلي جباههم تجاعيد طولية كأنهم يتساءلون "ما السبب؟!".. وقبل أن يجلسوا ثلاثتهم على كرسي مخصص لاثنين فقط، عرفوا أنّا من صحيفة "فلسطين" نقابلهم لنحيط بموضوع "تزييف العملة" علما، إذ إنهم "شبكة" أخطأ تقديرهم وتغير مسار "طموحهم".. فأصبح الخروج من السجن "هدفا" يرجون تحققه...
"مُغرر" بهم!!
كامل أصغر المزيفين، يبلغ من العمر 22 عاماً، ويحضر لبحث تخرجه من قسم تكنولوجيا المعلومات في إحدى جامعات القطاع، وهو وفق روايته كان الأكثر سذاجة من رفيقيه، إذ أوهماه أن مهارته في التكنولوجيا ستساعدهم برفع رأس صديقهم في "العريش" المصرية عاليا إذ إنه يوم زفافه يطمح أن يراه الناس غنياً بإكليل "دولارت" يحيط رقبته وسيارته وموكب عُرسه..
صدقَ كامل كلام رفاقه وأدى دوره بنجاح، مستعينا بجهاز حاسوب استعاره من أحد أصدقائه، وبعض أوراق الطباعة، ولما انتهى من دوره انعزل، وفق روايته أيضا..
يقول :" أقنعني رائد أنه يرغب في مساعدة صديق له بطباعة عملة مزيفة من فئة المائة دولار ليتفاخر بها في عرسه، فوافقت من باب الصداقة، وفي ساعتين فقط كنت قد أنجزت المهمة المطلوبة مني على أكمل وجه، وانتهى دوري عند ذلك الحد".
أما رائد والذي يكبر سابقه بعام واحد، لم يكن دوره كبيرا نسبيا، إذ إن مهمته تتلخص في إيصال المال من كامل لممدوح، ولكن لأن له سابقة في ترويج المال المزيف، ولأنه يَعرف أن قصة عُرس العريش "كذبة".. كان ذنبه أكبر..
يعمل رائد حدادا في ورشة يملكها عمه ومن عائد ماله ينفق على عائلته نظرا لأنه أكبر الذكور فيها، يقول عن دوافعه للتزوير الذي أنكر معرفته بهدفه الحقيقي :" والدي عاجز عن العمل، ووضع عائلتي المالي متوسط لذلك اضطررت لأنفق من جهدي عليها منذ توقفت عن الدراسة قبل 7 أعوام".
وتابع:"غُرر بي في عمليتي التزوير والترويج ، إذ إن المرة الأولى ألقي القبض عليَّ وأنا أمسك عملة مزيفة كانت لشاب أعرفه، ولم تكن لي علاقة بها، وخرجت بعد 8 أيام من السجن، وهذه المرة لم أكن على علمٍ واضح بالهدف من تزوير المائة دولار".
ومثلما أنهى كاملٌ مهمته، فعل رائد ملقيا المسئولية بعد ذلك على أكتاف ممدوح الذي أقنعهم بالقصة "المُلفقة" وكان الرأس المفكر بينهم.
يقول رائد ملقيا اللوم الكامل على "رأس الحربة" :" أحرجني ممدوح بطلبه للمال المزيف، خاصة وأنه خدمني مجانا في تعمير منزل والدي، لذلك كنت الوسيط بينه وبين كامل في تحضير العملة، وبعد أن أوصلتها له انتهى دوري، ولا أعرف ماذا حلَّ بها".
صاحبُ السوابق أغواهم..
انتهى رائد "الخجول" من الحديث، ناظرا بارتياب لـ"ممدوح" والذي أكد أنه بدأ يصلي منذ دخل السجن، أنكر كصديقيه أمامنا أن هدف تزويره للمبلغ هو "زفاف صديقه" رغم أنه اعترف في التحقيق بمسعاه الحقيقي وراء ذلك.
صوته كان أكثر انخفاضا من رفيقيه، وصمته أكثرُ من كلامه، فهو منبوذ داخل السجن وخارجه، فلا والده زاره ولا والدته، رغم اعترافه على نفسه دون مقاومة.
ممدوح أكد للشرطة أن الهدف من العملة المزيفة هو الترويج والبيع لتجار مصر عبر الأنفاق، وأنه نجح بتهريب مبلغ من المال، ولكن دون أن يجزي رفيقيه أجرا عليها..
يقول :" شاركتهم بالجهد دون المربح، وأنا اعترف على نفسي بمحض إرادتي، أخطأت لما ظننت أن "الضحك" على الناس بسيط وسهل، وأندم على ما اعتقدته، وأتمنى أن يتوب الله عليَّ".. أعلن الثلاثة توبتهم، وبدأ كل منهم بالتفكير في طريقة بها يستطيع التكفير عن ذنبه، فهل هم الشبكة الوحيدة في القطاع التي تُزيف العملة، وهل توبتهم تعني انتهاء المشكلة!!
شرطة خانيونس ألقت القبض على "شبكة" المزيفين بعد اشتباهها برائد، والتحقيق معه، وهو من جانبه اعترف على رفيقيه، وهم الآن بانتظار الحُكم.. وثلاثتهم ورط نفسه وغيره إذ إن القانون الفلسطيني لا يرحم المتحايل عليه بسهولة، حتى وإن تابوا يبقى أغلبهم تحت المراقبة..
مدير مباحث خانيونس أبو طاهر القدرة أكد لـ"فلسطين" أن قسمه ألقى القبض على عدد من شبكات العملة، المخضرمين منهم والمبتدئين، يقول :" بعض المبالغ المزورة فاقت الثلاثين ألف دولار أمريكي، وأغلب المبالغ التي تحفظنا عليها بيع جزء منها في القطاع، والآخر نقل عبر الأنفاق إلى مصر".
باع مروجو العملة المزيفة من فئة الدولار، كل أربعمائة منها بمائة، بعد أن استعملوا آلات خاصة لطباعتها، ووصل أمر إتقانهم لها إلى حدٍ يوهم من يملكها أنها حقيقية، خاصة وأن أقلام فحص العملة لم تكتشفها.. (وهي أقلام تكتب بالأسود، وحبرها يختفي ولا يترك أثرا إذا ما عُلم به عليها).
يقول القدرة :" ما كان يميز المائة دولار المزيفة عن الحقيقية أمور بسيطة يمكن لأي شخص اكتشافها الأمر الذي ضيع على المزيفين فرصتهم بالثروة، فبحثوا عن وسائل جديدة وأكثر دقة لصنع المال، وبالفعل نجح عدد كبير منهم، فبعض المزيف من العملة لا تميزه بسهولة عن الحقيقي"، ولكنها أيضا لم تمر على المواطن الفلسطيني.
محترفون وهواة..
وبالمناسبة فإن شبكات التزييف نجحت في طباعة المال من فئة المائة شيكل والمائة دولار والعشرين شيكلاً، وإن أكثر العملة رواجا فئة الدولار، عن ذلك يقول القدرة :" كانت عملية إلقاء القبض على شبكات التزييف غير مرتبة في كثير من الحالات، إذ إن بلاغات من المواطنين تصلنا على بعض الأشخاص الذين مرروا عليهم العملة، وبعد المراقبة والتحقق من صدق المعلومة نلقي القبض على البعض الذين يجرون أقدام البقية في التحقيق، إلى أن يعترفوا بالتهمة كاملة ".
من أكثر الشبكات "احترافا" والتي أجهضت مباحث خانيونس عملها، شبكة تزييف اختصت بصك الخمسة شواكل بطريقة محترفة جدا توهم الناس أنها حقيقية -حتى أننا لم نميزها عن الحقيقة-.. وكان رواد الشبكة صائغُ ذهب يملك آلة خاصة لصك النقود متعاونا مع آخرين أكبرهم يقارب عمره 79 عاما.
يقول القدرة :" أغلب المزيفين هواة، وأعمارهم لا تتجاوز الخامسة والعشرين، وما يدفعهم وفقا لاعترافاتهم هي الحاجة للمال وجهلهم بخطورة فعلتهم"، مشيرا إلى أن مباحثه اعتقلت 25 مزوراً حتى الآن، وهي بصدد إتلاف المبالغ المالية المتحفظة عليها، والتي عادة ما تُطبع داخل المنازل، بآلات خاصة، وتكشف أثناء مداهمة المباحث لمنازل "المشبوهين".
علامات فارقة
وعن الاختلافات التي يمكن تميزها في العملة المزيفة وخاصة فئة المائة دولار، أشار مدير مباحث غزة أبو أحمد الصفطاوي إلى أن الإطار الأسود في العملة المزيفة يكون أنعم من نظيره في الحقيقة، وأن الصورة التي تتوسط المائة دولار – صورة جورج واشنطن- لا تشف على الجهة الثانية من الورقة، وأن الصورة على ظهر الدولار وهي على شكل منزل، ألوانها أقل درجة، عدا عن أن الرقم التسلسلي للعملة المزيفة واحد، إضافة إلى أن قلم فحص العملة يترك أثرا عليها، ناهيك عن أن الخط الذهبي والذي يتوسط العملة من الداخل غير موجود، وإن بعضها إذا فركته بيدك تنشق ورقته إلى اثنتين، كأنهما ملتصقتان.
وأضاف :" وكذلك فئة الشيكل، فيها عدد من الاختلافات الجوهرية التي تكشف التزييف فيها، أهمها ملمس الورقة وسمكها، والرقم التسلسلي فيها"، مؤكدا أن عمليات التزوير في القطاع كاملا تُكشف بسهولة نظرا لأن أبناءه متيقظون وشديدو الحذر بما يتعلق بالأوراق المالية، رغم مرور عدد منها على بعض الناس.
وفي حديثه أكد الصفطاوي أن شبكات تزييف العملة بدأت عملها قبل الحرب على غزة، إذ ألقت المباحث المدنية على عدد من الشبكات وأتلفت ما يقارب من 130 ألف شيكل، و230 ألف دولار، و6000 شيكل من فئتي العشرين والمائة بعدها.
يقول :" في بعض المرات ألقت المباحث القبض على أحد أفراد الشبكات بكمين رتبه أفرادها، إذ أوهموا المروج أنهم تجار معنيون بشراء العملة المزيفة، وبعد اجتماعهم يُلقى القبض عليهم".
وتابع :" مهما كانت حجة المزيف، يُلقى القبض عليه ويعاقب، حتى وإن أقنعنا أن الهدف من المال التصدير للخارج، فالعمل مخالف للقانون الفلسطيني، ومهمتنا كمباحث عامة أن نلقي القبض عليهم ونحيلهم إلى القضاء، وهذا ما لا نتهاون فيه".
تدفع الغواية أو الحاجة بعض الشباب إلى طريق التزييف للحصول على المال بأسرع الطرق، فيورط أحدهم الآخر، وفي نهاية المطاف يُلقى القبض عليهم جميعا، وتُفتح باسمهم سجلات "مجرمين" ويعتبرون من أصحاب السوابق.. فلا ثروة من السماء تهطل عليهم، ولا براءة!
فهل فكرت يا من تروج للعملة المزيفة أو تطبعها بمصيرك؟.. وهل تخيلت يوما حجم الذل الذي ستلقيه بخطئك على أكتاف والدك؟.. هل تصورت شكله إن جاءه خبر إلقاء القبض عليك بتهمة التزييف!.. من زيفَ ومن يُزيف نهايتهم واحدة "السجن".. فحاول أن لا تكون واحدا منهم..
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





