السادة الزوار ننوه لسيادتكم بأن صحيفة فلسطين الالكترونية PDF تنشر الساعة 1 ليلاً

العزلة في زمن "الفيس بوك" تشمل كل الفئات

الثلاثاء, 03 أغسطس, 2010, 13:58 بتوقيت القدس

د. نصر الدين لعياضي

بدأ الاهتمام المعرفي والاجتماعي بموضوع “العزلة'' يزداد في المجتمعات الغربية، ويشكل هاجساً مركزيا للسلطات السياسية في العديد من الدول، نظراً لتزايد تكلفتها الاجتماعية والاقتصادية . فالعزلة لم تعد ظاهرة يعاني منها كبار السن فقط، الذين أقعدتهم الشيخوخة أو المرض في بيوتهم لا يبرحونها إلا للالتحاق بديار العجزة أو العلاج في المراكز الطبية، بل أصبحت ظاهرة تشمل جل الفئات الاجتماعية من دون استثناء: الشباب والكهول، الذكور والإناث، المتعلمين وغير المتعلمين . ي

رى البعض أن الحديث عن ظاهرة العزلة سينتهي بمجرد أن تبدأ بوادر الإقلاع الاقتصادي في بعض البلدان الغربية، لأنها اقترنت باستفحال الأزمة الاقتصادية، التي بدأت من الولايات المتحدة الأمريكية في السنة الماضية، وعمت العديد من الدول . وبهذا فإنهم يرون العزلة كنتيجة منطقية لعامل اقتصادي لا غير .

قد يندهش البعض الآخر من الحديث عن العزلة في زمن الإنترنت، والشبكات الاجتماعية الافتراضية . فالجلوس أمام شاشة الكمبيوتر ينسي الفرد خجله الذي كدر صفو حياته الفعلية، ويذيب عقده النفسية التي دمرت علاقاته الاجتماعية الفعلية، ويجعله لا يبالي بالإحساس بالدونية أو الخوف من أن يكون موضع تقييم من قبل الغير، الذي يعطل تفاعله مع الآخر . فالشبكات الاجتماعية أعادت الاعتبار للأفراد الذين تجاهلتهم وسائل الإعلام الكلاسيكية: الصحف، والإذاعة والتلفزيون .

فالتباهي بالاستقلالية، والفردانية في المجتمعات المعاصرة لم يمكن الفرد من القضاء على خوفه من الوحدة والعزلة . فاتجه لقضاء وقته، وتأثيث فضائه الاجتماعي باللقاءات الافتراضية حتى ينساها .

لكن هل تقضي الشبكات الاجتماعية على العزلة التي أصبح الكثيرون يعانون من وطأتها في المجتمعات المعاصرة نتيجة البطالة، والأمراض المزمنة، والتفكك الأسري، واتساع المآسي لهول الكوارث الطبيعية، وإفراغ الصداقة من محتواها لارتباطها بالمنفعة الآنية، واستشراء العنف وعدم الإحساس بالأمان، وغيرها من العوامل التي تشعر الفرد بهشاشة علاقاته الاجتماعية وانصرافه لمواجهة مصيره بمفرده؟ بمعنى آخر، هل يمكن أن نقضي على العزلة التي يعاني منها الفرد في حياته الفعلية بمجرد التخندق في الحياة الافتراضية التي توفرها الشبكات الاجتماعية؟

سنختصر الحديث عن الشبكات الاجتماعية بالفيس بوك، ليس من باب المجاز، بل لأن عدد المتعلقين باستخدام الفيس بوك قد أزداد مقابل تراجع أو استقرار عدد مشتركي العديد من الشبكات الاجتماعية، مثل: ماي سبيس، وفيكر، وفرند ستر، وهاي فايف، وماي يير بوك، وسكند لايف، وميتيك، ويوتيوب .

فشبكة الفيس بوك، استطاعت، خلال ست سنوات من الوجود، أن تحصل على أكثر من 600 مليون مشترك في العالم . كما أن هذه الشبكة شقت طريق تميزها بإدخال العديد من التطبيقات التي كانت تنفرد بها بعض الشبكات الاجتماعية، مثل إرسال الرسائل النصية الفورية واستقبالها، وتبادل البريد الإلكتروني، والدردشة الإلكترونية، والتدوين الإلكتروني، وتبادل شرائط الفيديو وألبوم الصور، والمشاركة في النقاش حول القضايا الراهنة .

يعتقد البعض أن شبكة الفيس بوك يمكن أن تخفف من إحساس الفرد بالعزلة إن لم تقض عليه، لأنها تزوده بما يثبت وجوده الاجتماعي والوجداني: حيث يلاحظ وجود من يهتم به وبأخباره ويتعاطف معه . وتبيّن له أنه نافع لغيره: يقدم النصيحة، ويعرض الخدمات . لكن هل يمكن التسليم بهذا الأمر من دون نقاش، والاقتناع بأن العلاقات الافتراضية التي ننسجها لا تمت بأي صلة لتلك التي توجد في الحياة اليومية وتؤطر واقعنا؟

تؤكد الباحثة الاجتماعية الأمريكية دانا بويد، التي أنجزت بحثها عن الشباب المراهق في المؤسسات التعليمية بلوس أنجلوس الأمريكية، أن الشبكات الاجتماعية لا تخلق علاقات اجتماعية من العدم، بل تعيد إنتاجها على أوسع نطاق، وتطورها .

لقد بيّنت أن الشبكات أعادت إنتاج كل أشكال الميزات الاجتماعية التي كان يُعتقد أنها انتهت في الولايات المتحدة الأمريكية . فلكل أقلية عرقية شبكتها الاجتماعية الافتراضية، ليس هذا فحسب، بل إن حوالي70% من أبناء البيض أو السود أو المنحدرين من أمريكا اللاتينية يقيمون علاقات افتراضية مع أبناء عرقهم . فالاختلاط بين الأعراق في الشبكات الاجتماعية الافتراضية يُعد حالة استثنائية، مثلما هو موجود في الحياة اليومية تقريبا .

ويرى عالم النفس الفرنسي لويس دو ميرندا أن شبكة الفيس بوك وسيلة للمحاكاة التي تحضر المراهقين للحياة الحقيقية . إنه ميدان لتدريبهم على ممارسة الحياة الاجتماعية الفعلية بكل ما تحمله من قيم ومعايير، وصدق ونفاق، وذم ومجاملات، ونجاح وانكسار .

فخطورة العلاقات التي نقيمها في الفيس بوك تكمن في كونها تصبح أكثر أهمية من العلاقات الفعلية، وتجعلنا نحلم بالواقع بدل التصدي له . ففي هذا الصدد يؤكد الدكتور جون كسيبو، أستاذ علم النفس بجامعة شيكاغو، وأحد المختصين في دراسة العزلة أن شبكة الفيس بوك يمكن أن تعمق الإحساس بالعزلة .

فإذا استطاع أحد المدمنين على استخدام شبكة الفيس بوك أن يسجل أربعة ألاف صديق في رصيده . فهذا العدد لا يعني الكثير في حياته الفعلية، في حالة عدم الالتقاء بالبعض منهم وجها لوجه .

وهنا يجب الاعتراف بأن تكنولوجيا الاتصال الحديثة قد عوضت الاتصال المباشر الحي . فالمكالمات الهاتفية، والرسائل النصية القصيرة، قد حلت محل اللقاء بالأقارب والأصدقاء، حتى في الأعياد والمناسبات، إضافة إلى أن الحذر يدفع الكثير من المشتركين في شبكة الفيس بوك إلى استخدامها بطريقة تضع مسافة بينهم وبين الغير .

إن شبكة الفيس بوك أسقطت الفروق بين الأشخاص الذين يمكن تصنيفهم كمعارف وأصدقاء . فمفهوم الصداقة ابتذل، في هذه الشبكة، إلى درجة أن صفة صديق أصبحت تطلق على كل من يقرأ السلام على الآخر في الطريق . بينما الكل يعلم أن كثرة الأصدقاء تفقد الصداقة معناها، لأنها ثمرة تجربة اجتماعية، ومعايشة مشتركة للأفراح والأتراح . فالصداقة في الحياة الواقعية تجري في إطار خاص، وتملك طابع الخصوصية والحميمية، بينما أصبحت في شبكة الفيس بوك أكثر مرئية لأنها تتم أمام الملأ .

لا يشك الكثير من علماء الاجتماع في قيام شبكة الفيس بوك بتبديد الإحساس بالعزلة فقط، بل يرون أن التجربة الاجتماعية التي توفرها لمشتركيها تظل ناقصة إضافة إلى أنها سطحية، ليس لكونها تفرخ أشباه الأصدقاء، بل لأنها تجدّد الوعد بالانتماء إلى سن العشرين من العمر الذي يتميز بالرغبة في المغامرة، وتوسيع دائرة الأصدقاء .

إنها مشتل النرجسية . فأغلبية المشتركين في الفيس بوك يتحدثون عن ذاتهم: يعبرون عما يفضلون من أغاني وموسيقا وسفر ورياضة، ويوثقونه بالصور وشرائط الفيديو، ويكشفون عما يملكون من متاع الدنيا .

لعل الحديث المفرط عن الذات هو الدافع الذي جعل البعض يعتقد أن الواجهة الاجتماعية لشبكة الفيس بوك تخفي الساحة الرحبة التي تتصارع فيها المصالح الاقتصادية . فشركة ميروسوفت اشتركت في أكتوبر/تشرين الأول 2008 جزءاً بسيطاً فقط من أسهم شبكة الفيس بوك ب 240 مليون دولار لاحتكار حق بث إعلاناتها في موقعه ووجدت فيها العديد من الشركات العالمية، مثل صوني، وكوكا كولا، وبكتشر تلفجن، وأوفر ستوك كوم (وهي مواقع إلكترونية للبيع عبر شبكة الإنترنت) منجماً من المعطيات الشخصية عن المشتركين لصياغة استراتيجيها في مجال الإعلان والتسويق الموجه وفق الخصوصية التي يفصح عنها المشتركون في الشبكة المذكورة . وبهذا تحولت هذه الشركات إلى متعامل نشيط للفيس بوك، الذي وجد في العقد الذي يوقعه كل راغب في الاستفادة من خدماته الحجة القانونية التي تسمح له ببيع المعلومات الشخصية المتعلقة بمشتركيه إلى الشركات الخاصة الراغبة في شرائها .

إن الربط الآلي بين الشعور بالعزلة والفيس بوك يوحي بالفهم البسيط لهذه الظاهرة المعقدة، لأنه يختصرها في البعد النفسي أو الاجتماعي الذي تجسده تارة إرادة الفرد في الانعزال عن الآخرين أو رفضهم، وطوراً، الظروف التي أجبرته على فعل ذلك . بينما يرى أستاذ علم النفس، غستوف نيكولا فيشر، صاحب الكتاب المعنون: آثار الآخر، العزلة كإحدى أعراض الإفلاس في نمط الوجود الاجتماعي . ويعتبرها محنة اجتماعية تعكس طريقة العيش مع الغير، وأسلوب الحياة مع الذات، لأن العلاقات بالآخرين تجعل من الفرد كائناً اجتماعياً، يستبطن أدواره الاجتماعية، والمعايير والقيم التي تزوده بالسلوك الذي يسلكه ويجعله مقبولاً اجتماعياً . فالعزلة هي بتر هذه العلاقات .


يخشى الكثيرون العزلة، ليس لأنها تتضمن دعوة إلى العودة إلى الذات، بل لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بذاتهم . فالشعور بالملل، وربما بالذعر، في حالة الوحدة يكشف عن الغربة عن الذات، كما يؤكد ذلك غستوف نيكولا .

يقول المغني الفرنسي، جورج موستكي، لست وحيداً عندما أكون في عزلتي . أي بعبارة أخرى أن العزلة لا تتضمن قيمة سلبية، بل يمكن أن تكون منتجة لأنها عبارة عن خلوة تسمح لنا بالتفكير في الذات والآخرين، وفي العلاقة التي نقيمها معهم .

قد يعتقد الذين يتربص بهم الموت من كل جانب، أو الذين يكافحون ضد الجوع والعطش والبطش من أجل البقاء أن الحديث عن العزلة يعد ترفاً فكرياً ما بعده ترف . لكن أليست العزلة ضرباً من الشعور بالتخلي، وإحساس بتجاهل ما يعانونه رغم أنهم يعيشون مجتمعين في مواجهة مصيرهم؟

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق

تعليقك على الموضوع


الاسم


البلد


التعليق
أكتب تعليق لا يتعدى 500 حرف.



أعد كتابة الأحرف في الصورة



إرسال التعليق